loader

الخريطة العربية بعد الاتفاق الثلاثي بين الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة

المستشار الأكاديمي

فاجأتنا دولة الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل بإعلان اتفاق ثلاثي تضمن باختصار نقطتين أساسيتين؛ الأولى، تأجيل ضم المستوطنات، وهو المشروع الذي كان يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، ويتعجل في تنفيذه. والثانية، هي مباشرة العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل على كافة المستويات. وقد أثار هذا الاتفاق ردود فعل متباينة. وبخلاف المواقف العربية التي أيدت اتجاه دولة الإمارات لتوقيع الاتفاق، فقد تفاوتت باقي المواقف ما بين معارض، خاصة السلطة الفلسطينية وحزب الله وفصائل الإخوان المسلمين على امتداد الساحة العربية، في حين امتنعت بعض الدول عن إبداء موقفها. طبيعة الموقف العربي من التطورات الاستراتيجية شهد التاريخ العربي على امتداده مواقف متباينة تجاه المبادرات…

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

فاجأتنا دولة الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل بإعلان اتفاق ثلاثي تضمن باختصار نقطتين أساسيتين؛ الأولى، تأجيل ضم المستوطنات، وهو المشروع الذي كان يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، ويتعجل في تنفيذه. والثانية، هي مباشرة العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل على كافة المستويات. وقد أثار هذا الاتفاق ردود فعل متباينة. وبخلاف المواقف العربية التي أيدت اتجاه دولة الإمارات لتوقيع الاتفاق، فقد تفاوتت باقي المواقف ما بين معارض، خاصة السلطة الفلسطينية وحزب الله وفصائل الإخوان المسلمين على امتداد الساحة العربية، في حين امتنعت بعض الدول عن إبداء موقفها.

طبيعة الموقف العربي من التطورات الاستراتيجية

شهد التاريخ العربي على امتداده مواقف متباينة تجاه المبادرات الاستراتيجية التي تتعلق بإسرائيل والقضية الفلسطينية، والشواهد على ذلك كثيرة، بدءًا من قبول مصر للقرار رقم 242 ومبادرة “روجرز” أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، واتهامه بخيانة القضية الفلسطينية والعربية. ثم تكرر الأمر مع وقف إطلاق النار عام 1973 واتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية ومباحثات “مينا هاوس”، وما تبع ذلك من اتهام الرئيس السادات بالخيانة. كذلك تجسد الانقسام العربي عند غزو الكويت ما بين رافض للاستعمار العربي واحتلال العراق للكويت وما بين مؤيد له. 

وقد اعتادت بعض الدول العربية، خاصة المنخرطة في إدارة القضية الفلسطينية، أن تطرح سقفًا عاليًا للتعامل مع القضية. وتسعى في إطار تحقيق مصالحها الخاصة إلى سقف منخفض عن ذلك بكثير. ولعل تجربة المفاوضات الإسرائيلية-السورية التي بدأت في واشنطن بين “رابينوفيتش” و”حكمت الشهابي” واستُكملت بلقاء الرئيس “حافظ الأسد” و”كلينتون” في جنيف، تقدم مثالًا مهمًّا على ذلك، حيث أقر الرئيس الأسد آنذاك بأن بلاده على استعداد لتطبيع كامل مقابل سلام كامل. وكاد البلدان يوقعان اتفاق سلام تعثر بدايةً بسبب الحدود الدولية بين البلدين، حيث طلبت سوريا أن تصل هذه الحدود إلى مياه “طبرية”، بينما أصرت إسرائيل على إبعادها 3 كيلومترات، على اعتبار أن تلك الأرض فلسطينية وليست سورية. وكاد الاتفاق يتم من خلال إقناع تركيا بضخ كميات مياه مضاعفة تعوض ما كانت تأمله سوريا من بحيرة “طبرية”، إلا أن مقتل “رابين” أوقف العملية. هكذا كانت المصالح السورية لها أولوية.

بل إنّ التباين العربي تبلور على مدى السنوات الماضية فيما يتعلق بالقوى الإقليمية التي تسعى للهيمنة على المنطقة ومقدراتها، ليس فقط على مستوى إسرائيل، بل على مستوى إيران التي تراها دول عربية العدو الأول، وأن ممارساتها المذهبية تستهدف ضرب المصالح العربية. وكذلك تركيا التي يسعى “أردوغان” لبناء مشروعه العثماني لاحتواء المنطقة، وهي مشاهد أوضحت الانقسام العربي بصورة كبيرة.

الشاهد هنا أن المواقف العربية على امتداد التاريخ الحديث لم تكن مواقف موحدة، وأن التباينات هي الأصل، وأن تفاوت الرؤى هو عنصر أصيل فيما بين الدول العربية. والشاهد كذلك أن ما يسمى “الموقف العربي المشترك” أصبح حديثًا بلا محتوى، وأنه لا توجد أية عوامل تكفل موقفًا موحدًا تجاه ما يهدد الأمن القومي العربي، بل إن التحالفات الثنائية والإقليمية أصبحت الإطار الذي يحكم المنطقة.

توقيت الاتفاق

جاء الاتفاق الثلاثي في ظروف استثنائية تمر بها المنطقة العربية والتي يمكن إيضاحها فيما يلي:

1- الوضع الصعب الذي تمر به القضية الفلسطينية، خاصة بعد قرارات “ترامب” فيما يتعلق بالقدس وصفقة القرن التي أضاعت الكثير من الحقوق الفلسطينية وثوابت القضية، وتجاوزت كل ما تم الاتفاق عليه في مدريد وأوسلو، حيث وقف العرب والعالم عاجزين عن مواجهة ذلك أو التأثير على تلك السياسة وما تسببه من خسائر للقضية الفلسطينية

2- العجز الفلسطيني الواضح عن التفاعل الإيجابي مع تلك التطورات، والتخندق وراء الرفض والشجب دون التجاوب مع دعوات المواجهة من خلال الحوار. وكذلك استمرار الانقسام الفلسطيني الذي يُعتبر مبررًا للسياسة الإسرائيلية. ولعل ما تقوم به حماس وبعض الفصائل المساندة لها –كل فترة- من عمليات ضد إسرائيل لا يُرتب أية مكاسب سوى مزيد من التعبئة لليمين الإسرائيلي ليبرر الخطوات المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية. 

3- طَرَحَ العرب المبادرة العربية لتكون إطارًا للتفاوض، واكتفت الجامعة والدول العربية بذلك ورفضتها إسرائيل، ولم يتحرك العرب لتفعيلها أو تطويرها بما يتوافق مع معادلات التوازن ومعطيات السياسة الدولية الراهنة، وكأنها اكتفت بتسجيل موقف، وهو ما أدى إلى جمود في عملية التفاوض. في الوقت الذي ترى بعض الدول العربية تجنب الالتزام بمواقف جماعية على هذا المستوى. ولعل عجزَ القمم العربية عن اتخاذ قرارات ترقى لمستوى التطورات دليلٌ كافٍ على ذلك.

4- وقوف الموقف العربي عاجزًا أمام صفقة القرن بما تضمنه من ضياع للأراضي الفلسطينية، وهو ما يُثير التساؤل حول ما هي الخسائر التي يمكن أن تنتج بعد الاتفاق الثلاثي قياسًا بذلك؟ حيث إن احتمال وقف الضم مقابل العلاقات الثنائية يمكن أن يرتب تأثيرًا على الداخل الإسرائيلي ويهيئ مناخًا إيجابيًا لو نجح “جو بايدن” في الانتخابات الأمريكية، حيث تعود المفاوضات مرة أخرى وتستوعب بعض الآثار السلبية لقرار الضم ويفتح الباب لمبادرات جديدة.

أبعاد وتداعيات

لا شك أن الاتفاق يمثل نوعًا من الحراك الجيوسياسي في المنطقة، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، ويُدخل المنطقة في معادلة توازن جديدة، حيث إن تأجيل الضم مقابل التطبيع قد حرك الملف الفلسطيني الساكن، ودفع الطرف الآخر إلى تأجيل الضم مقابل العلاقات المفتوحة، وهي صيغة جديدة يمكن استثمارها سواء من الدول التي لها علاقات مع إسرائيل، أو تلك التي على وشك إقامة تلك العلاقات، وبدء حوار قد يحرك جمود المفاوضات الفلسطينية لو أُحسن استثماره. 

وسيكون من حق دولة الإمارات وأية دولة يُرجح إقامتها علاقات مع إسرائيل أن توقف بعض مجالات التطبيع للضغط على وقف المستوطنات إذا أرادت، وأن تطلب ذلك نوعًا من الحوار والمناقشة بين تلك الدول والطرف الفلسطيني والدول العربية ذات التأثير ضمن استراتيجية جديدة تستلهم بعض الاتفاقيات التي وردت في اتفاق أوسلو، وتوقف نزيف الخسائر في القضية الفلسطينية، وتعيد طرح فكرة حل الدولتين على مائدة التفاوض.

كما أن هذا الحراك يمكن أن يرتب تأثيرًا على الداخل الإسرائيلي من خلال تهدئة التوتر والعداء، وتخفيف الاندفاع نحو اليمين المتطرف إذا أُحسن استثماره عبر منهج للحركة والحوار. ومن الضروري هنا صياغة استراتيجية عربية تستفيد من ذلك التأثير عبر حراك سياسي وحوار مع الداخل الإسرائيلي لوقف الاندفاع نحو اليمين المتطرف.

ولا شك أن المعارضة التركية والإخوانية لخطوة دولة الإمارات تكشف بوضوح عن النفاق السياسي الذي تمارسه تركيا؛ فعلاقاتها مع إسرائيل أقوى من علاقات أي من الدول العربية التي أقامت علاقات معها، سواء على المستوى العسكري أو الاستخباري العميق أو الاقتصادي. كما لم يعبر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين عن رفضه لمستوى هذه العلاقات في الوقت الذي ينتقد ويهاجم فيه دولة الإمارات. بل إن بعض المواقف التي حاول من خلالها “أردوغان” أن يعبر عن حرصه على الفلسطينيين، مثل هجومه على بيريز في مؤتمر دافوس، قد انكشفت مؤخرًا، حيث أوضح رئيس وزرائها الأسبق داود أوغلو أنه كتب بنفسه خطاب الاعتذار الذي أرسله “أردوغان” إلى “بيريز” يعتذر فيه عن هذه الخطوة التي احتفلت بها قطاعات كبيرة من الفلسطينيين والعرب. 

وإذا كان من الطبيعي تصور الرفض الفلسطيني للاتفاق، إلا أن المؤسسات الفلسطينية مدعوة لتجاوز مرحلة الرفض والاتجاه إلى صيغ للتعامل مع المواقف الأمريكية والإسرائيلية الساعية لتصفية القضية، وهو ما يسمح بنوع من الاختراق للمجتمع الإسرائيلي، والاستفادة من أية معطيات مستجدة لتحقيق بعض المكاسب للقضية.

في تقديري أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وافق مرغمًا على تأجيل الضم لن يتنازل عن مخططه بهذا الخصوص باعتباره هدفًا استراتيجيًّا يجعل منه القائد التاريخي لإسرائيل، إلا أن ذلك لا يمنع في ظل الوضع العربي الحالي والتوازنات الدولية القائمة من العمل على إعادة هيكلة الاستراتيجية العربية، والتعامل مع إسرائيل، وإدارة هذا التعامل من خلال مواقف جماعية -بقدر الإمكان- لا تقدم تنازلات دون مقابل، الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة المواقف السياسية والإعلامية من الدول التي قررت إقامة علاقات مع إسرائيل واعتبرت أن ذلك من حقها السيادي، حيث لا يُتصور الاكتفاء بالرفض والشجب وعدم تجاوز ذلك.

كما أن الموقف الأمريكي الذي رافق وتبنى الإعداد للاتفاق استهدف بالدرجة الأولى مصلحة مباشرة للرئيس “ترامب” في حملته الانتخابية. ورغم أنه صاحب صفقة القرن، إلا أنه تبنى الطلب الإماراتي بتأجيل الضم ومارس ضغوطًا على إسرائيل لتحقيق ذلك.

إن ما قامت به الإمارات قد أحدث صدمة يراها الكثيرون إيجابية في المنطقة، وأكدت على حق أي دولة في تحديد مصالحها والوسائل التي تراها مناسبة لتحقيق هذه المصالح، في ظل حقيقة تحتاج إلى دراسة بأن الشأن الفلسطيني ليس مسئولية دولة الإمارات وحدها، وأن ما قامت به لا يتجاوز ما اتفق عليه الفلسطينيون مع الإسرائيليين في اتفاق “أوسلو” (الاعتراف المتبادل، والتطبيع، ووقف المقاومة، والتنسيق الأمني).

المنطقة تشهد تغيرًا جيوسياسيًّا كبيرًا تتفاعل فيه استراتيجيات دول إقليمية للهيمنة، خاصة إيران وتركيا وإسرائيل. ومن الضروري التعامل مع هذا التغيير بموضوعية؛ فالإمارات التي تعتبر الطرف الرابع الذي يقيم علاقات مع إسرائيل بعد مصر والأردن والفلسطينيين سوف تتبعها دول عربية أخرى تقيم علاقات أوسع من المرجح إقامتها بين أبوظبي وتل أبيب، ولكن في الخفاء. وعلى الفلسطينيين إجراء حوار مع الأطراف المعنية لخدمة القضية الفلسطينية بعيدًا عن الاتهامات والشجب.

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

مقالات أخرى للكاتب