وحدة الدراسات الاقتصادية

العلاقات الاقتصادية المصرية الألمانية: نموذج للتطور البنّاء

شهدت العلاقات المصرية-الألمانية تطورًا ملموسًا في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والسياسية والاجتماعية، حيث تسعى مصر للاستفادة من التجربة الألمانية فيما يتعلق بتنمية وتطوير القطاع الصناعي بدعم من تراكم خبراتها في هذا المجال. وتعد مصر ثالث أكبر شريك تجاري لألمانيا في الشرق الأوسط، وأهم شريك تجاري لها في منطقة شمال إفريقيا، كما أنها تعتبر من المناطق الجاذبة للاستثمارات الألمانية، حيث يوجد في مصر العديد من المنشآت، على رأسها غرفة الصناعة والتجارة المصرية-الألمانية التي افتتحت في محافظة الجيزة منذ 50 عامًا لتعميق التعاون التجاري بين البلدين. وبالإضافة إلى ذلك، تقدم ألمانيا مساعدات تنموية إلى مصر سنويًا في شكل قروض ومنح ومعونات فنية…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهدت العلاقات المصرية-الألمانية تطورًا ملموسًا في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والسياسية والاجتماعية، حيث تسعى مصر للاستفادة من التجربة الألمانية فيما يتعلق بتنمية وتطوير القطاع الصناعي بدعم من تراكم خبراتها في هذا المجال. وتعد مصر ثالث أكبر شريك تجاري لألمانيا في الشرق الأوسط، وأهم شريك تجاري لها في منطقة شمال إفريقيا، كما أنها تعتبر من المناطق الجاذبة للاستثمارات الألمانية، حيث يوجد في مصر العديد من المنشآت، على رأسها غرفة الصناعة والتجارة المصرية-الألمانية التي افتتحت في محافظة الجيزة منذ 50 عامًا لتعميق التعاون التجاري بين البلدين. وبالإضافة إلى ذلك، تقدم ألمانيا مساعدات تنموية إلى مصر سنويًا في شكل قروض ومنح ومعونات فنية بهدف دعم مختلف القطاعات التنموية.

هذا المقال يتناول تاريخ العلاقات الثنائية بين مصر وألمانيا، وتطور التبادل التجاري بينهما، وحجم الاستثمارات وعدد السائحين خلال السنوات العشر الأخيرة. 

أولًا- سجل حافل في تاريخ العلاقات المصرية-الألمانية 

تتميز الرؤيتان المصرية والألمانية تجاه العديد من القضايا، لا سيما مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، بالانسجام والتوافق. ولطالما أشاد المسئولون المصريون والألمان بمواقف بعضهما من هذه القضايا في العديد من المحافل الدولية. 

وفيما يتعلق بالاتفاقيات الموقّعة بين الدولتين، وقّعت مصر وألمانيا ثلاث اتفاقيات في مايو 2009 بهدف تعزيز التعاون الثنائي في مواجهة التداعيات السلبية الناجمة عن الأزمة المالية العالمية. وعلى الرغم من ذلك، شهدت العلاقات بين الدولتين حالة من الجمود عقب ثورة 30 يونيو 2013 بسبب تحفظ الجانب الألماني على التغييرات السياسية التي شهدتها مصر في هذه الفترة. لكن سرعان ما عادت العلاقات إلى ما كانت عليه بفضل تبادل الزيارات بين الجانبين بصورة مستمرة بهدف تعزيز العلاقات وتعميق مستوى التعاون فيما بينهما، حيث مثلت زيارة الرئيس “السيسي” إلى برلين في عام 2015 عامل تحول في الموقف الألماني بشأن ثورة يونيو، كما وضعت الأساس الناجح الذي ساهم في إتمام زيارة “ميركل” للقاهرة في مارس 2017.

تبع ذلك توقيع أربع اتفاقيات تعاون بين مصر وألمانيا في يونيو 2015 من أجل تعزيز شبكات توزيع الكهرباء، وتدريب الشباب المصري في مجال التدريب المهني. كما قدم برنامج التعاون الإنمائي الألماني 20 مليون يورو للتعليم الفني والتدريب، يتم توجيهها بالأساس لتطوير البنية التحتية للمدارس الفنية، بالإضافة إلى تدريب المعلمين. وشهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأربع الأخيرة تبادل الزيارات واللقاءات التي جمعت الرئيس “عبدالفتاح السيسي” مع المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”، كان آخرها زيارة الرئيس “السيسي” لبرلين في نوفمبر 2019 للمشاركة في اجتماعات مجموعة العشرين وإفريقيا التي أطلقتها الرئاسة الألمانية عام 2017 بهدف دعم التنمية في البلدان الإفريقية وجذب الاستثمارات إليها. وشهدت هذه الزيارة التوقيع على اتفاقية بقيمة 154 مليون يورو للاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة ومكافحة التغيرات المناخية. 

ثانيًا- تطور العلاقات الاقتصادية الثنائية 

هناك العديد من المؤشرات حول تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر وألمانيا، منها حجم التبادل التجاري، والاستثمار، وعدد السائحين الوافدين من ألمانيا إلى مصر. 

1- حجم التبادل التجاري 

تتمثل أهم الصادرات المصرية للسوق الألمانية في مواد البناء والحاصلات الزراعية والملابس الجاهزة والمنتجات الكيماوية والأسمدة والصناعات الغذائية، بينما تشمل أهم الواردات السلع الهندسية والإلكترونية والصناعات الطبية. وبلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر وألمانيا 2.11 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري؛ إذ سجلت قيمة الصادرات المصرية لألمانيا 290 مليون دولار، في حين وصلت الواردات منها إلى 1.8 مليار دولار. ويوضح الشكلان (1) و(2) تطور حجم الصادرات والواردات بين مصر وألمانيا خلال السنوات العشر الأخيرة. 

الشكل رقم (1): تطور حجم الصادرات المصرية إلى ألمانيا (مليار دولار)

Source: Trade map, bilateral trade between Germany and Egypt.

الشكل رقم (2): قيمة الواردات المصرية من ألمانيا (مليار دولار)

Source: Trade map, bilateral trade between Germany and Egypt.

ويتضح من الشكل رقم (1) أن الصادرات المصرية إلى ألمانيا حققت اتجاهًا عامًا موجبًا خلال السنوات العشر الأخيرة، بمتوسط 0.63 مليار دولار لكل سنة. وارتفعت قيمة الصادرات بنحو 8.7% خلال هذه الفترة 2019. كما يتضح من الشكل رقم (2) أن قيمة الواردات المصرية من ألمانيا سجلت تراجعًا منذ بداية عام 2016؛ إذ انخفضت بنحو 25% من 6.06 مليارات دولار إلى 4.53 مليارات دولار، وذلك عقب قرار الحكومة المصرية بتعويم الجنيه مما أسفر عن انخفاض حاد في قيمة الجنيه وهو ما شجع بطبيعة الحال الحكومة على الاتجاه نحو خفض حجم وارداتها. 

2- الاستثمارات الألمانية في مصر 

تحتل ألمانيا المرتبة العشرين ضمن قائمة أهم الدول المستثمرة في مصر، حيث يوجد في مصر حوالي 900 شركة ألمانية تعمل في جميع أنحاء الجمهورية، ودائمًا ما يسعى المسئولون المصريون إلى جذب استثمارات المزيد من الشركات والمؤسسات إلى السوق المحلية. وخلال عام 2015، وقع وزير الكهرباء “محمد شاكر” عقدًا لإنشاء 3 محطات لتوليد الكهرباء في مصر بالتعاون مع شركة “سيمنز” الألمانية، في حين توصلت وزيرة التعاون الدولي “سحر نصر” في نوفمبر 2019 إلى اتفاقية تعاون مع الوزير الاتحادي للتعاون الاقتصادي والتنمية “جيرد مولر” لتمويل عدة مشروعات في مجالات كفاءة الطاقة وتأهيل المدارس المهنية والتعليم وتطوير البنية الأساسية في المناطق الحضرية. 

وتخطط الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة لعقد اجتماع مع الغرفة الألمانية العربية للصناعة والتجارة بحلول سبتمبر 2020 من أجل عرض الفرص الاستثمارية المتاحة على 120 شركة ألمانية في خطوة تهدف إلى تعميق قنوات الاتصال مع مجتمع الأعمال الألماني بصفة مستمرة، وبحث سبل التعاون في جذب مزيد من الاستثمارات الألمانية إلى مصر. علاوة على ذلك، تستهدف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تعزيز التعاون بين البلدين في هذا المجال عن طريق تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات الألمانية في مصر. ويوضح الشكل رقم (3) تطور حجم الاستثمارات الألمانية في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة. 

الشكل رقم (3): تدفقات الاستثمارات الألمانية إلى مصر (مليون دولار)

source: Central Bank Of Egypt, Foreign Direct Investment (FDI) in Egypt by country.

سجلت الاستثمارات الألمانية في مصر معدل نمو بلغ 110.7% بين العامين الماليين 2009/2010 وحتى 2018/2019 وذلك بدعم من الجهود المصرية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية للسوق المحلية. في حين بلغ متوسط قيمة هذه الاستثمارات 186.06 مليون دولار لكل سنة.

3- ألمانيا تمثل أكبر مصدر للسياحة الأوروبية لمصر 

قفز عدد السائحين الألمان الذين زاروا مصر إلى 2.5 مليون سائح خلال 2019، لتحتل بذلك المركز الأول في قائمة الدول التي ترسل سائحيها إلى مصر، مقارنة بحوالي 1.8 مليون سائح خلال 2018، وهو ما يمثل زيادة بنحو 38.8% على أساس سنوي.

وبشكل عام تُعتبر ألمانيا من أكبر الدول المصدرة للسياحة في العالم، ففي عام 2019 سافر 55 مليون ألماني إلى الخارج بغرض السياحة، فيما بلغ عدد رحلات السائحين الألمان 70.1 مليون رحلة، وقضوا أكثر من 1.7 مليار يوم في الرحلات. وكشف تقرير لمنظمة السياحة العالمية أن ألمانيا تصدرت قائمة الأسواق السياحية الوافدة إلى مصر أوروبيًا وعالميًا في 2017، حيث حققت 1.2 مليون سائح بارتفاع 88% عن عام 2016، وقضوا نحو 12.6 مليون ليلة سياحية بزيادة 138% مقارنة بالعام الذي يسبقه، بدعم من تحسين خدمات الفنادق وتعزيز خدمات القرى السياحية وحركة الملاحة النيلية مع زيادة عدد رحلات مصر للطيران وتوفير طائرات متوسطة وكبيرة الحجم.ختامًا، يمكن القول إن العلاقات الثنائية بين مصر وألمانيا تُعتبر نموذجًا لنجاح الجهود المصرية الساعية لتحسين مستوى العلاقات على جميع الأصعدة عقب توترها منذ سبعة أعوام. ومن المتوقع أن تشهد هذه العلاقات المزيد من التطور خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل المساعي المصرية لتوسيع مجالات التعاون من أجل الاستفادة من التجربة الألمانية في التطور الصناعي والتكنولوجي.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة