أثيوبيا وهي تلعب بنيران القرن الأفريقي

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

بعد أيام من استلام رئيس الوزراء الأثيوبي جائزة “نوبل” للسلام، خرج الرئيس الأمريكي في جمع حاشد أثناء أحد لقاءاته، ليذكر بطريقته الخاصة التي اختلطت ما بين الزهو وتأكيد الحقائق، أن الأمر جاء في إطار صفقة ما، حين قال نصا: “لقد عقدت صفقة، لقد أنقذت بلدا، وسمعت أن رئيس تلك الدولة يحصل الآن على جائزة نوبل للسلام عن دوره في إنقاذ بلاده، هل لي دور في هذا؟ بالقطع نعم، ولكن هكذا تجري الأمور عادة”. حينها كان الرئيس الأمريكي، يشير إلى اتفاقية السلام التي جرى توقيعها بين أثيوبيا وأريتريا، بعد حرب حدودية دامية جرت بين البلدين في الفترة من عام 1998 وحتى…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

بعد أيام من استلام رئيس الوزراء الأثيوبي جائزة “نوبل” للسلام، خرج الرئيس الأمريكي في جمع حاشد أثناء أحد لقاءاته، ليذكر بطريقته الخاصة التي اختلطت ما بين الزهو وتأكيد الحقائق، أن الأمر جاء في إطار صفقة ما، حين قال نصا: “لقد عقدت صفقة، لقد أنقذت بلدا، وسمعت أن رئيس تلك الدولة يحصل الآن على جائزة نوبل للسلام عن دوره في إنقاذ بلاده، هل لي دور في هذا؟ بالقطع نعم، ولكن هكذا تجري الأمور عادة”. حينها كان الرئيس الأمريكي، يشير إلى اتفاقية السلام التي جرى توقيعها بين أثيوبيا وأريتريا، بعد حرب حدودية دامية جرت بين البلدين في الفترة من عام 1998 وحتى عام 2000، أسفرت عن مقتل نحو (80 ألف شخص) قبل أن يسود الجمود الكامل لعلاقتهما نحو 20 عاما. 

أثيوبيا التي طالما صدعت رؤوس جيرانها من البلدان الأفريقية، بالتنصل والانقلاب على حقبة الاستعمار واتفاقيات الاستعمار، رغم كونها من البلدان القليلة بالقارة التي استفادت كثيرا من تلك الحقبة، فقد اتفقت إيطاليا وبريطانيا مع انتهاء تلك الحقبة على قيام الاتحاد الإثيوبي الإرتيري، من خلال تقديم مشروع فيدرالي بدعم من الأمم المتحدة. هذا بالطبع كان سببا في تفجر غضب إريتريا التي كانت تسعى لنيل استقلالها. أما الإمبراطور هيلا سيلاسي الإثيوبي حينها فقد رحب بالفكرة، وتجلى أن الهدف من القرار جاء لضمانة الاستحواذ على أكبر قدر من المصالح للدولة الأثيوبية في القرن الإفريقي، حيث تواجه معضلة عدم امتلاكها لمنافذ بحرية. وعندما أعلن الشعب الارتيري احتجاجه وقام بمواجهات محدودة من أجل نيل استقلاله، اتخذها الإمبراطور الإثيوبي ذريعة وضم إليه إريتريا بشكل أحادي، ملغيا النظام الفيدرالي من جانب واحد في عام 1962. استمرت بعد ذلك حرب لا هوادة فيها لثلاثة عقود، إلى أن انتصرت “الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا” وتمكنت من تحرير كامل أراضيها، وأجري استفتاء كبير استفتاء على مصير إرتيريا برعاية دولية في أبريل 1993، اختار فيه الناخبون الإريتريون الاستقلال لتعترف أثيوبيا أخيرا في 3 مايو من العام نفسه، بسيادة إريتريا على كامل أراضيها واستقلالها. 

اتفاق السلام الموقع بين أثيوبيا وأريتريا والذي حصل “آبي أحمد” بمقتضاه على جائزة “نوبل”، أثار في البداية آمالاً عريضة باعتبار أن هناك تغييرا في السلوك الأثيوبي قادم، على النحو الذي كانت حملات العلاقات العامة الدولية تحاول تصوير الأمر، إلا أن الواقع كشف وكذب تلك الآمال بعد أن تعثر تنفيذه لشهور طالت، حيث ظلت الأطماع الأثيوبية على حالها وبقي الجمود وعدم القدرة على إدارة المشهد السياسي، يكبل أديس ابابا ويفصح عن وجهها الحقيقي بعيدا عن الأصباغ الاحتفالية. أريتريا كانت تضع شروطا منطقية لأي سلام مع اثيوبيا، أولها تطبيق اثيوبيا لقرار ترسيم الحدود الصادر في ابريل 2002، وإعادة منطقة “بادمي” المتنازع عليها والتي آلت السيادة عليها لإريتريا، وسحب القوات الاثيوبية من الأراضي الارترية المحتلة، هذه الشروط لم تكن تقبل التفاوض باعتبار التواجد العسكري الاثيوبي بعد القرارات التي صدرت لصالح إريتريا، بمثابة احتلال وانتهاك للسيادة. الاختلاف العميق في الرؤى وتوجهات أديس ابابا فضلا عن التحولات المتسارعة في الداخل الاثيوبي، أدخلت اتفاق السلام إلى نفق مظلم ونزعت عنه الوهج والحماسة التي صاحبت توقيعه، فعليا انقطعت الزيارات المتبادلة لمسؤلي البلدين منذ فترة، في الوقت الذي تأكد لدى أسمرة بأن اثيوبيا تحكمها ثلاث حكومات وأن “آبي أحمد” لا يسيطر على زمام الأمور فيها.

رئيس الوزراء الاثيوبي الذي اختال ما بين الدول الأفريقية، وآخرها دولة السودان في تقديم نفسه كقيادة أفريقية تمثل جيلا جديدا، صانعا للسلام وراعيا لاتفاقيات الانتقال السياسي، كان في ذات الوقت يتجاهل ويتعامى عن مشاكله الداخلية التي التفت حول عنقه سريعا، وصرفته عن التوجه الدولي ونزعته من مربع الأضواء الإعلامية الذي بدأه بزخم احتفالي عال وغير واقعي، فالصراعات بين الإثنيات الاثيوبية الكبرى “الاورومو” و”الأمهرة” و”الصومال” و”التيجراي” بدأت تدخل مرحلة جديدة يصعب التحكم بها، وهذا أهم وأخطر مظاهر ضعف الحكومة الاثيوبية. 

ربما وكعادة نظام الحكم في أثيوبيا، بعد تسببه في حالة “الموت السريري” لاتفاق السلام مع الجارة اريتريا، ورغبته في الهروب مما يحدث بالداخل المضطرب، خرج رئيس الوزراء بلا مناسبة ولا “مبرر معقول” سوى الكشف عن طموح متهور، وهو يعرض “خارطة” تضمنت إريتريا، ووصفها بأنها تقع ضمن الثروات التي تمتلكها إثيوبيا أثناء الحديث عن الثروة البحرية. مما دفع “الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا” وهي الحزب الحاكم في أسمرة، لأن تصدر بيانا شديد اللهجة يستنكر هذا العرض الأثيوبي المتجاوز معتبرة إياه تعديا على استقلال الشعب الإريتري، الذي دفع فيه دماء وطنية غالية ليتمكن من انتزاعه بموجب الاستفتاء الشعبي لخيار الاستقلال في مايو 1993، وحينها تم إعلان استقلال إريتريا برا وجوا وبحرا لتنال بعده العضوية الكاملة كدولة ذات سيادة بالمجتمع الدولي. الجبهة بالطبع أصابها انزعاج كبير، وحمل بيانها خشية من إعادة أثيوبيا انتاج التجربة الاستعمارية التي لم تبرح أذهان الشعب الإريتري، والذي قدم في سبيل نيل استقلاله آلاف الشهداء والجرحى من أبناء الشعب. ولذلك أرفق بيانه بمطالبة صريحة للجانب الأثيوبي، أن يخرج بتفسير واضح من الحكومة الرسمية لتصحح موقفها أمام كلا من الداخل الاثيوبي والاريتري، فضلا عن الرأي العام العالمي غير المدرك لخطورة مثل تلك التصريحات والرؤى الاثيوبية، التي يوجد ما يشير إلى امكانية حدوثها على الأرض وفي طيات الأحداث ما بين الجارتين.

لعب حقيقي بالنار تمضي أديس ابابا قدما إليه، فالقرن الأفريقي الذي أنهك لعقود ومازال مثقل بالعديد من الاضطرابات ومهددات الإرهاب والصراعات المسلحة، والتي شاركت وتشارك للأسف أثيوبيا في الكثير من عوامل صناعته. لا يحتمل المزيد من التوترات التي تفضي إليها مثل تلك الرؤى، حيث تظل مواقف وتفاصيل من هذا النوع بقادرة على كشف الوجه الحقيقي لنظام الحكم في أثيوبيا، الذي يراهن طوال الوقت على أن معادلة إثارة الفتن والصراعات من حوله، هي الضمانة الوحيدة لبقائه متماسكا وتحفظ وضعه الداخلي من التشظي أو الانهيار. 

نقلا عن جريدة الدستور، 19 أغسطس 2020.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب