كورونا وثقافة التمرد

عضو الهيئة الاستشارية

عندما ظهر فيروس كورونا لأول مرة في دولنا، كان انتشاره محدودا نسبيا لكن الخوف منه كان كبيرا، خاصة مع فرض الحجر الصحي العام. لكن ومنذ بدأ تخفيف تدابير الحجر، عاد الوباء للانتشار بصورة أكبر، بينما بات الخوف منه، هذه المرة، صغيرا ومحدودا. والنتيجة ارتفاع نسبة الإصابات بشكل قياسي وازدياد حالة الوفيات، امام إصرار مجتمعي على التعاطي مع الفيروس باستخفاف بالداء واستهتار بتدابير الوقاية منه. في المغرب، مثلا، باستثناء ارتداء الكمامة، التي بات يقترن ارتداؤها بالخوف من الشرطة والغرامة وليس بالضرورة الاقتناع بالعملية الوقائية (ينص القانون على ان عدم ارتداء الكمامة هو جنحة ضبطية تتراوح عقوبتها بين الحبس من شهر الى…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

عندما ظهر فيروس كورونا لأول مرة في دولنا، كان انتشاره محدودا نسبيا لكن الخوف منه كان كبيرا، خاصة مع فرض الحجر الصحي العام. لكن ومنذ بدأ تخفيف تدابير الحجر، عاد الوباء للانتشار بصورة أكبر، بينما بات الخوف منه، هذه المرة، صغيرا ومحدودا. والنتيجة ارتفاع نسبة الإصابات بشكل قياسي وازدياد حالة الوفيات، امام إصرار مجتمعي على التعاطي مع الفيروس باستخفاف بالداء واستهتار بتدابير الوقاية منه.

في المغرب، مثلا، باستثناء ارتداء الكمامة، التي بات يقترن ارتداؤها بالخوف من الشرطة والغرامة وليس بالضرورة الاقتناع بالعملية الوقائية (ينص القانون على ان عدم ارتداء الكمامة هو جنحة ضبطية تتراوح عقوبتها بين الحبس من شهر الى ثلاثة أشهر وغرامة مالية من 30 دولار الى 120 دولارا لكل المخالفين لارتداء الكمامة) لم يعد كثيرون يهتمون بتفادي الخروج الا للضرورة القصوى، ولم يعد هناك امتثال لمسائل التباعد الاجتماعي او تفادي التجمعات، الا من رحم ربي. 

هذا التمرد في التعامل مع الجائحة يعود لمجموعة من العوامل: أولا، في الثلاثة أشهر الأولى من ظهور الوباء، اعتبرت منظمة الصحة العالمية ان قناع الوجه غير ضروري للأصحاء، ثم اوصت بعد ذلك بضرورة وضع الكمامة بالنسبة لجميع الأشخاص عند التواجد في الأماكن العامة. هذه الارتجالية والتناقض في اعلان التدابير الوقائية من الوباء شعر معها البعض بالخداع أو الغش مما جعل بعد ذلك الأمر سهلا عليهم أن يفعلوا ما يريدون ويقررون بأنفسهم. و

ثانيا، الطبيعة البشرية تميل غالبا الى التمرد عندما يتم إخبار الناس بما يجب عليهم فعله، حتى إذا كانت تلك الإجراءات في سبيل حمايتهم الشخصية. بعض الافراد حول العالم يقدرون حريتهم لدرجة الهوس، وقد يصابون بالضيق أو الغضب عند محاولة تعدي الآخرين عليها، من خلال فرض ارتداء كمامة مثلا. 

ثالثا، تلاشي الخوف والشعور بالملل من الإجراءات في ظل الاستخفاف بالمرض، من ناحية. ومن ناحية اخرى ميل المواطن الى خرق أي قرار او تدبير جماعي لأسباب متعددة منها الحقد على الدولة/ المؤسسات، او الشك وغياب الثقة الكاملة في الخطاب الرسمي. ومن ناحية ثالثة، قلة الوعي وانعدام الشعور بالمسؤولية المجتمعية الذي تسبب فيها سنوات من تغييب المواطنين والاستثمار في تجهيلهم.

أحيانا، قد يفعل الجاهل بنفسه وأهله وبني وطنه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه. والجهل هنا لا يعني فقط الامية او الافتقار الى المعارف والعلوم، انما هو جهل ناتج عن سوء الفهم والتقدير والاستخفاف واخذ الأمور الجادة باستهتار، لأن هناك دائما ميل الى الاعتقاد بنظرية المؤامرة، والاعتقاد بأن الدعوات إلى الاحتراس والحذر فيها تهويل ومبالغة عالمية تخدم اجندات بعض الدول، علما ان كل الدول المعنية تجرعت مرارة الداء ولا تزال تدفع فاتورة تداعياته الكارثية. 

تراخي الشعوب في الالتزام بقواعد الوقاية سيقود بالنهاية الى نهج “مناعة القطيع”، لكن هذا الاختيار يبقى الاسوأ بحيث سيضغط كثيرا على المؤسسات الصحية، وسيزيد من أعداد الوفيات، خاصة في مرحلة يستعد فيها العالم للموجة الثانية من الوباء، في شهري سبتمبر وأكتوبر، والتي تشير التقديرات إلى أنها ستكون موجة أكبر من الأولى، كما هو معتاد في الأوبئة. فالفيروس انتقل بين ملايين البشر وطوّر من نفسه ضد الأسلحة التي تم استخدامها وضد جهاز المناعة للإنسان، بحيث أصبح أقوى. 

خطورة الموجة الثانية للوباء تحتاج منا أفرادا ومجموعات ومؤسسات بذل المزيد من الجهود الإيضاحية والإقناعية والإرشادية والإعلامية بخصوص مخاطر الفيروس وتحولاته الجينية، والتحذير من خطورة التمرد على الإجراءات الوقائية، مقابل دفع المواطنين، عن طريق الاقناع والتوعية، الى الالتزام بالإجراءات الوقائية، والالتزام بإجراءات التباعد الجسدي وارتداء الكمامة التي أثبتت نجاعتها في تقليل عدد الإصابات.

ارتداء الكمامة والحفاظ على التباعد الجسدي يمكن ان يجنبنا الكثير من الإصابات وبالتالي تفادي الكثير من الوفيات، ويمكن ان يجنب دولنا تداعيات اقتصادية لم يعد لنا طاقة على تحملها أكثر، خاصة وان الدول التي تسجل بها أكبر نسب إصابات باتت منغلقة على نفسها وموضوعة على اللائحة السوداء للسياحة والاستثمار. 

يكفي ان نستذكر وباء الإنفلونزا الإسبانية (1918-1920) التي تسببت في أكبر حزمة من القيود في كثير من الدول وشمل ذلك إغلاق المدارس والكنائس والمسارح ودور السينما والمتاجر ومحلات الحلاقة. وكانت هناك غرامات مالية بحق السعال والعطس والبصق والتقبيل وحتى التحدث في الهواء الطلق. وفي أمريكا تم توظيف شرطة خاصة بالإنفلونزا لإلقاء القبض على الأطفال الذين يلعبون في الشوارع وأحيانا حتى في ساحات منازلهم الخلفية. ورغم قساوة هذه القيود فقد وافقت عليها الشعوب، مع اعتراضات قليلة في البداية. 

اما نحن اليوم فكل ما هو مطلوب منا تجاه جائحة كوفيد-19، هو المزيد من الوعي بمخاطر الفيروس وقلة حيلة العالم تجاه لقاح او علاج له، لليوم، والالتزام بمسؤولية ارتداء الكمامة، والحفاظ على مسافة الأمان، ثم استكمال الحياة بطريقة شبه طبيعية. فهل لا تستحق سلامتنا وسلامة شركائنا في الوطن هذه التضحية؟

نقلا عن جريدة الأهرام، 20 أغسطس 2020.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب