وحدة الدراسات الاقتصادية

حفز الاستهلاك المحلي لمواجهة تداعيات كورونا

على مدى السنوات الست الماضية كان للدولة دور كبير فيما يتعلق بتوفير كافة الاحتياجات الأساسية التي يحتاجها المواطن من سلع وخدمات. لذا تم إطلاق العديد من المبادرات الرسمية التي تهدف إلى أن يحصل المواطن على كافة الاحتياجات من سلع وخدمات، بمستوى عالٍ من الجودة وبأسعار تعكس التكلفة الحقيقية دون مبالغة وبهامش ربح بسيط جدًّا. وقد أدى انتشار فيروس كورونا المستجد في أوخر عام 2019، إلى تدهور الاقتصاد العالمي بسبب تباطؤ النمو، وإعاقة التبادل التجاري بين الدول بسبب القيود التي فرضتها الدول على حركة الطيران الدولي، مما نتج عنه انخفاض الطلب على السلع والخدمات، بالإضافة إلى انخفاض المعروض من السلع والخدمات…

سارة ناصح

على مدى السنوات الست الماضية كان للدولة دور كبير فيما يتعلق بتوفير كافة الاحتياجات الأساسية التي يحتاجها المواطن من سلع وخدمات. لذا تم إطلاق العديد من المبادرات الرسمية التي تهدف إلى أن يحصل المواطن على كافة الاحتياجات من سلع وخدمات، بمستوى عالٍ من الجودة وبأسعار تعكس التكلفة الحقيقية دون مبالغة وبهامش ربح بسيط جدًّا.

وقد أدى انتشار فيروس كورونا المستجد في أوخر عام 2019، إلى تدهور الاقتصاد العالمي بسبب تباطؤ النمو، وإعاقة التبادل التجاري بين الدول بسبب القيود التي فرضتها الدول على حركة الطيران الدولي، مما نتج عنه انخفاض الطلب على السلع والخدمات، بالإضافة إلى انخفاض المعروض من السلع والخدمات بسبب خلل في القوة العاملة إما نتيجة لإصابة العاملين بالفيروس، أو للحصول على إجازة لرعاية ذويهم.

كما أدت الجائحة إلى تغيير في أولويات المستهلكين وتفضيلاتهم، حيث قل الطلب على الاستهلاك، وهو ما استدعى وجود مبادرة دعم المنتج المحلي وزيادة الاستهلاك، لذلك أطلقت الحكومة عدة مبادرات لدعم الاستهلاك المحلي وخلق الطلب باعتباره أحد أهم مكونات الناتج المحلي الإجمالي. وفيما يلي عرض لأحدث جهود الحكومة في هذا المجال ومردودها المتوقع على الاقتصاد المصري.

أولًا- مبادرة الرئيس لدعم الاستهلاك المحلي تحت شعار “ميغلاش عليك”

أطلقت الحكومة مبادرة جديدة في 26 يوليو الماضي لدعم المنتج المحلي وتشجيع الاستهلاك، وذلك بمشاركة البنك المركزي المصري، وشركات تمويل المستهلكين، واتحاد الصناعات والغرف التجارية، وشركة e-finance، حيث تقوم وزارة المالية بإتاحة دعم قدره 200 جنيه لكل فرد بالبطاقات التموينية وبحد أقصى 1000 جنيه للبطاقة، وذلك لمدة 3 أشهر قابلة للتجديد مرة أخرى في ضوء ما تحققه من نتائج إيجابية في رفع معدل نمو الإنفاق الاستهلاكي، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وتهدف المبادرة إلى تشجيع المواطنين باختلاف قدراتهم المالية وشرائحهم الاجتماعية على زيادة الاستهلاك نظرًا لدوره المهم كأكبر مكونات الناتج المحلي الإجمالي في مصر، مما يعمل على انتعاش السوق المحلي مرة أخرى، وزيادة خطوط الإنتاج داخل المصانع، وبالتالي زيادة معدلات التوظيف مما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

وتقوم هذه المبادرة على عدد من العناصر الرئيسية، أولها تقديم خصومات بنسبة 20% من الصناع والتجار المشاركين خلال فترة المبادرة، بالإضافة إلى تقديم دعم مالي من الدولة لحاملي البطاقات التموينية الذين يصل عددهم إلى 64 مليون مواطن، على أن تتحمل الخزانة العامة للدولة هذا الخصم الإضافي بقيمة إجمالية قدرها 12 مليار جنيه من موازنة العام المالي الحالي 2020/ 2021 لدفع عملية الشراء ولضمان تحريك الأسواق بقيمة تتجاوز مبلغ الدعم. هذا فضلًا عن تشجيع البنوك على تقديم قروض استهلاكية بفائدة مخفضة، علاوة على قيام أجهزة الدولة المختلفة بتقديم كافة أوجه الدعم لمبادرة تحفيز الشراء والاستهلاك المحلي.

وتوفر المبادرة العديد من منتجات الإلكترونيات والأجهزة المنزلية، والملابس الجاهزة، ومنتجات الجلود، والأثاث، ومنتجات تشطيب المنازل، والصناعات الحرفية التي سيتم عرضها للبيع من خلال منافذ ونقاط توزيع الشركات والمصانع والمحلات والسلاسل التجارية المشاركة في المبادرة، أو من خلال الموقع الإلكتروني الخاص بهذه المبادرة. كما تدعم المبادرة الشراء “أون لاين”، وذلك تيسيرًا على المواطنين بما يخفف الأعباء عن كاهلهم، وتقليل التزاحم في المحلات لتحجيم انتشار الفيروس.

وتتيح المبادرة خدمة التقسيط لعملاء بطاقات الائتمان على فترة من 12 وحتى 24 شهرًا بحد أدنى 500 جنيه، أما بطاقات الخصم والمدفوعة مقدمًا فتوفر لها المبادرة قرضًا شخصيًّا بحد أدنى 5 آلاف جنيه وبحد أقصى 25 ألف جنيه لمن يرغب وتنطبق عليه شروط منح القرض وفقًا لسياسة البنك وبسعر عائد مماثل للمتفق عليه مع جهة العمل، على أن تصل فترة التقسيط حتى 24 شهرًا. وبالنسبة لشركات تمويل المستهلكين؛ فتُمنح تمويلًا بحد أقصى قدره 100 ألف جنيه للعميل بحد أقصى 24 شهرًا، وبدون مصاريف إدارية طوال فترة المبادرة.

وتتمثل مصادر تمويل المبادرة في الحكومة إلى جانب بنك ناصر الاجتماعي، والبنوك المصرية المشاركة في تمويل المبادرة، كبنك مصر والبنك الأهلي وبنك القاهرة والبنك التجاري الدولي، بالإضافة إلى شركات التمويل الاستهلاكي المشاركة في المبادرة. فضلًا عن مشاركة بعض البنوك المصرية وشركات التمويل الاستهلاكي في تحمل جزء من عبء التكلفة التمويلية لهذه المبادرة مع الحكومة المصرية، وذلك بهدف تخفيف الأعباء التمويلية عن كاهل الدولة من جهة، وتوسيع القاعدة التمويلية للمبادرة من جهة أخرى. وبحسب وزارة المالية تم تسجيل 4 آلاف و231 منتجًا، بالإضافة إلى 1178 تاجرًا بعد اعتماد بياناتهم من اتحاد الصناعات، واتحاد الغرف التجارية.

ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة زيادة كبيرة في مبيعات الكثير من الشركات المنتجة والمراكز التجارية وتجارة التجزئة، مما يساهم بشكل أساسي في الحفاظ على العمالة، بل وزيادة فرص العمل المتاحة في هذه المصانع والشركات المشاركة، وبالتالي زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة النمو الاقتصادي، وتحريك عجلة الإنتاج في السوق المصري من خلال تحفيز المستثمرين في هذه المجالات على التوسع في أنشطتهم الإنتاجية، وضخ استثمارات جديدة وتوفير فرص عمل، وتقليل فاتورة الواردات، مما يعمل في النهاية على تخفيف الآثار السلبية الناتجة عن انتشار جائحة كورونا.

ثانيًا- صندوق ضمان وتحفيز الاستهلاك

أعلنت وزارة المالية في يوليو 2020، أنها ستقوم بتدشين صندوق ضمان وتحفيز الاستهلاك، برأسمال 2 مليار بتوجيهات من الرئيس عبدالفتاح السيسي. ويأتي هذا الصندوق ضمن سلسلة المبادرات التي تطلقها الدولة المصرية، لدفع عجلة الاقتصاد. وينتمي هذا الصندوق إلى فئة “الصناديق القابضة”، أي يندرج تحته عدد من الشركات أو الصناديق التابعة له، وكل منهم يركز على مجال محدد يهتم بتنشيطه وزيادة خطوط إنتاجه، ويهدف إلى تحفيز النمو الاستهلاكي لزيادة مساهمة الإنفاق الاستهلاكي، وزيادة حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات وشراء العقارات، وكذلك توفير تمويل منخفض التكلفة وذلك لبعض المبادرات مثل تمويل شراء بعض الأجهزة المنزلية للمواطنين وإحلال السيارات القديمة، علاوة على تغطية المخاطر التمويلية لبعض الأنشطة، مثل شراء السيارات والأجهزة المنزلية وغيرها مثل العقارات.

بمعنى آخر، سيكون صندوق الضمان وسيطًا بين المواطن والبنك لحصول المواطن على التمويل اللازم، وسيكون الصندوق بمثابة ضمانة للبنك للحصول على أمواله التي أقرضها للمواطن. وقد يشارك الصندوق في تحمل تكاليف الفائدة مع المواطن بحسب استراتيجية الدولة. كما يسهم الصندوق في تمويل تخريد السيارات وبذلك يدعم صناعة السيارات ويحرك نمو القطاع، وفي الوقت ذاته يحقق هدفًا بيئيًّا، وهو تخريد سيارة قديمة مما يقلل نسب التلوث التي تطلقها السيارة والعوادم المنبعثة منها. وفي الظروف العادية قد لا يكون بوسع المواطن استبدال سيارته بسبب أوضاعه المالية، ولكن يشترط في هذا التمويل أن تكون السيارات التي يتم شراؤها مصنعة أو مجمعة داخل مصنع مصري، بما يحرك الاقتصاد ويؤدي إلى تنشيط القطاع وخلق فرص التشغيل وتحقيق نمو اقتصادي.

ومن المتوقع أن ينتج عن إنشاء هذا الصندوق زيادة تحفيز الشركات الصناعية والخدمية والعقارية وشركات التمويل الاستهلاكي على البيع بالتقسيط وإقراض المواطنين، علاوة على رفع قدرة المواطن على الحصول على السلع والخدمات والعقارات، هذا إلى جانب تقليل المخاطر على الجانب التمويلي لتلك الجهات.

ونتيجة لتطبيق الدولة لتلك المبادرات، أكد صندوق النقد الدولي أن ما قامت به مصر والحكومة المصرية من إجراءات اقتصادية وتطبيقها لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، مكنها من استعادة تعافي الاقتصاد بسرعة، حيث إنها استطاعت خلال الفترة الماضية امتصاص الأزمة، واتخذت العديد من الإجراءات التي تمكنها من التعافي والعودة مرة أخرى لمرحلة النمو بالمستويات التي كانت تستهدفها قبل انتشار الجائحة.

ختامًا، ستؤدي المبادرات المذكورة أعلاه، إلى زيادة الطلب على سلع السوق المحلي، وتحفيز النمو الاستهلاكي لزيادة مساهمة الإنفاق الاستهلاكي في التنمية الاقتصادية، وزيادة حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات المحلية والعقارات، فضلًا عن تغطية المخاطر التمويلية لبعض الأنشطة. هذا إلى جانب توفير تمويل منخفض التكلفة وذلك لبعض المبادرات والاستراتيجيات والمشروعات التي تطلقها الدولة، لذلك توجد فرصة مهمة أمام الاقتصاد المصري للتعافي من الآثار السلبية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا.

سارة ناصح