وحدة الدراسات الاقتصادية

التداعيات الاقتصادية لانفجار مرفأ بيروت

شهد لبنان يوم الثلاثاء الموافق الرابع من أغسطس، واحدًا من أسوأ الأيام التي مرت عليه عبر التاريخ، حيث تعرض مرفأ “بيروت” الواقع على البحر المتوسط لانفجار قوي، أسفر عن سقوط عشرات الضحايا وتسجيل آلاف الإصابات، مما زاد من معاناة الدولة التي تسجل ارتفاعًا في معدلات الدين العام، وتراجع مستويات الاحتياطي النقدي خلال الشهور القليلة الماضية، مما أدى لانهيار العملة الوطنية وما صاحب ذلك من زيادة في معدل التضخم. كل ذلك بالإضافة إلى تداعيات أزمة كورونا على الاقتصاد العالمي التي طالت لبنان بطبيعة الحال. ويتراوح حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الانفجار بين ثلاثة مليارات دولار إلى خمسة مليارات دولار نتيجة لتعطل…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهد لبنان يوم الثلاثاء الموافق الرابع من أغسطس، واحدًا من أسوأ الأيام التي مرت عليه عبر التاريخ، حيث تعرض مرفأ “بيروت” الواقع على البحر المتوسط لانفجار قوي، أسفر عن سقوط عشرات الضحايا وتسجيل آلاف الإصابات، مما زاد من معاناة الدولة التي تسجل ارتفاعًا في معدلات الدين العام، وتراجع مستويات الاحتياطي النقدي خلال الشهور القليلة الماضية، مما أدى لانهيار العملة الوطنية وما صاحب ذلك من زيادة في معدل التضخم. كل ذلك بالإضافة إلى تداعيات أزمة كورونا على الاقتصاد العالمي التي طالت لبنان بطبيعة الحال.

ويتراوح حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الانفجار بين ثلاثة مليارات دولار إلى خمسة مليارات دولار نتيجة لتعطل الميناء عن العمل وتكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بالميناء، بحسب محافظ بيروت “مروان عبود”، وهو ما يمثل 9.36% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد البالغ 53.37 مليار دولار خلال 2019. كما تُعادل هذه الخسائر أربعة أضعاف قيمة السندات البالغة 1.2 مليار دولار، والتي تخلف لبنان عن سدادها في مارس الماضي. وترتفع الخسائر الإجمالية الناجمة عن الانفجار نتيجة لتصدع وانهيار العديد من الأبنية السكنية والمحلات التجارية وغيرها إلى ما يقدر بنحو 15 مليار دولار. ويتمثل أحد أهم الخسائر في تدمير صوامع القمح المتواجدة في ميناء بيروت. ولذلك، من المتوقع أن يواجه القطاع الاقتصادي والحركة التجارية المزيد من الأزمات بضغطٍ من نقص السلع الأساسية. علاوة على ذلك، قد يتم تخزين شحنات الغذاء في مرافئ ثانوية أصغر حجمًا.

وفي هذا الإطار، صرح وزير الأشغال العامة اللبناني “ميشال نجار” بأن الحكومة بدأت بتحديد الخيارات المتاحة لتعويض غياب مرفأ بيروت بمرافئ أخرى مثل ميناء “طرابلس”، ليأتي الرد سريعًا من مدير الميناء “أحمد تامر”، الذي أكد أن ميناء “طرابلس” غير مجهز لتخزين الحبوب به.

أولًا- الأهمية الاقتصادية لمرفأ بيروت 

يُعتبر مرفأ “بيروت” أهم ميناء في لبنان، كما أنه يحتل مكانة متميزة في قائمة أهم عشرة موانئ على ساحل البحر المتوسط، حيث يتعامل مع 300 ميناء عالمي، ولذلك فهو يتمتع بأهمية استراتيجية تنبع من موقعه كنقطة وصل تربط بين القارات الثلاث (إفريقيا، وآسيا، وأوروبا). كما ينظر إلى الميناء باعتباره البوابة الرئيسية لاستيراد وتصدير السلع للبلاد، حيث تبلغ نسبة البضائع التي تدخل عبره نحو 70% مما يستورده لبنان. وكان المرفأ خلال فترة السبعينيات أهم محطة للتجارة الدولية مع الدول العربية، كونه المنفذ البحري الأساسي للدول العربية الآسيوية.

ويتألف الميناء من أربعة أحواض رئيسية يتراوح عمقها بين 20 مترًا إلى 24 مترًا. كما يضم 16 رصيفًا وعدة مستودعات وصوامع تخزين قمح. ويخصص الرصيف “رقم 8” بالميناء -الذي يبلغ طوله 220 مترًا وعمقه 13 مترًا- لاستيراد القمح، وتخزينه قبل بيعه للمطاحن بسعة 145 ألف طن. وللاستدلال على أهمية الميناء يُمكن الاستعانة بالمؤشرات الآتية:

1- الارتباط بشبكة النقل البحري للمرافئ: احتلّ مرفأ بيروت المرتبة 73 بين إجمالي 960 مرفأ على مستوى العالم، والمركز التاسع بين 61 مرفأ عربيًّا في مؤشر الارتباط بشبكة النقل البحري المنتظم للمرافئ خلال 2019، الصادر سنويًّا عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).

2- إيرادات المرفأ السنوية: ارتفعت إيرادات مرفأ بيروت من 168 مليون دولار في عام 2009 إلى 199 مليون دولار خلال عام 2019، بزيادة قدرها 18.4%. 

ويتضح من الشكل رقم (1)، أن إيرادات مرفأ بيروت سجلت اتجاهًا عامًا موجبًا خلال السنوات العشر السابقة، رغم انخفاضها بنحو 14% خلال 2019 على أساس سنوي في ظلّ انخفاض عدد السفن التي رست فيه وكمية البضائع التي تم نقلها عبره.

3- حجم الواردات عبر الميناء: تتمثل الأهمية الرئيسية لمرفأ بيروت -كما ذكرنا سابقًا- في استقباله حوالي 70% من واردات لبنان، في ظل اعتماد الدولة بالأساس على الاستيراد، خاصة السلع الاستراتيجة كالقمح والحبوب. ويوضح الشكل رقم (2) حجم الواردات التي تمر عبر الميناء نسبة إلى إجمالي واردات السلع اللبنانية خلال ثلاث سنوات بشكل شهري. 

يتضح من الشكل السابق أن هناك فرقًا طفيفًا بين إجمالي وارادت السلع القادمة إلى لبنان بشكل عام والوارادت التي تدخل ميناء بيروت، وهو ما يدلل على مدى اعتماد الدولة على المرفأ في استقبال وتخزين السلع بداخله لسد الحاجات الأساسية للسكان.

4- عدد السفن المارة بالمرفأ: يقدر عدد السفن التي ترسو في مرفأ بيروت بنحو 3100 سفينة سنويًّا، وبلغ عدد السفن العابرة بالميناء في يناير 2017 حوالي 158 سفينة لتصل إلى 185 سفينة بحلول ديسمبر 2019 بمعدل نمو يبلغ نحو 17.1%.

ويتّضح من الرسم السابق أن أعداد السفن القادمة إلى مرفأ بيروت شهدت تذبذبًا واضحًا خلال الفترة محل الدراسة لتنمو بأعلى وتيرة شهرية في ديسمبر الماضي بنحو 21.7% من 152 سفينة خلال نوفمبر 2019 إلى 185 سفينة بحلول أواخر العام المنصرم.

ثانيًا- كيف يُمكن أن يؤثر انفجار الميناء على الاقتصاد اللبناني؟ 

ويُمكن الاستشهاد من العرض السابق على أهمية مرفأ بيروت الحيوية للاقتصاد اللبناني الذي يعاني بالفعل من العديد من الأزمات الهيكلية على المستويين المالي والنقدي، ولهذا فمن المتوقع أن يترتب على تدميره المزيد من الأزمات التي يُمكن تستغرق سنوات لمعالجتها، ومن أمثلة تلك الأزمات.

1. المساهمة في ارتفاع معدلات التضخم: يعاني لبنان من ارتفاع معدل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة بضغطٍ من انهيار قيمة العملة المحلية التي سجلت 7350 ليرة مقابل الدولار بحلول الثاني عشر من أغسطس، وتراجع النقد الأجنبي بالإضافة إلى انكماش الاقتصاد الوطني. وفيما يلي عرض لتطور مؤشر أسعار المستهلكين شهريًّا منذ 2017 وحتى منتصف 2020.

من الرسم السابق، يتبين أن مؤشر أسعار المستهلكين –الذي يعتبر مؤشر أسعار المواد الغذائية أحد أهم مكوناته الرئيسية- سجل أعلى مستوياته خلال يونيو 2020 عند 206.83 نقطة مقارنة مع 98.47 نقطة في يناير 2017، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنحو 110%.

ويُمكن أن يدفع انفجار مرفأ البيروت معدلات التضخم إلى المزيد من الارتفاع، وذلك بسبب ما سيترتب على الحادث من نقص في حجم البضائع وتراجع مستوى الواردات، ونظرًا لاعتماد الاقتصاد اللبناني –كما سبق القول- على الواردات بدلًا من الإنتاج المحلي، فضلًا عن تخزين غالبيتها العظمى في هذا الميناء، فمن الممكن أن يساهم حادث الانفجار في زيادة أسعار السلع بشكل مطرد.

2- حرمان الدولة من عوائد التصدير: من المرجح أن يترتب على انفجار ميناء بيروت تراجع حجم الصادرات، وحرمان الدولة من عائداتها، مما سيُلقي بظلاله على الاحتياطي النقدي المتراجع بالفعل خلال الشهور القليلة الماضية. ويُمكن الاستعانة بالرسم التالي لعرض حجم صادرات السلع اللبنانية شهريًّا.

سجلت قيمة صادرات السلع اللبنانية 408.95 ملايين دولار في ديسمبر 2019 مقارنة بـ424.03 مليون دولار خلال نوفمبر 2019، وهو ما يعني أن قيمة الصادرات الشهرية شهدت انخفاضًا بحوالي 3.55%. وعلى الرغم من انخفاض قيمة الصادرات نسبة إلى الواردات، إلا أنها تُعد مصدرًا أساسيًّا يُمكن الاستناد إليه لسداد خدمة الدين العام وتغطية فاتورة الاستيراد.

3. تهديد الأمن الغذائي: يغطي الإنتاج المحلي للقمح في لبنان ما يتراوح بين 10% إلى 20% فقط من احتياجات المواطنين، وبهذا تستورد الدولة باقي الاحتياجات من القمح من باقي دول العالم خاصة روسيا وأوكرانيا. ويعني انفجار مرفأ بيروت أنه سيصبح غير قادر على استقبال المزيد من واردات القمح حتى يتم إصلاحه.

وعلاوة على تدمير قدرة الميناء على تخزين المزيد من السلع الغذائية مستقبليًّا، فقد نتج عن الانفجار تلوث كبير، إضافة إلى القضاء على أطنان القمح والذرة المخزنة بداخله، الأمر الذي أثار المخاوف المتعلقة بانقطاع السلع الأساسية عن السوق الذي يشهد بالفعل غلاء في الأسعار.

وفي الختام، يُمكننا الجزم بأن حادث انفجار مرفأ بيروت سيرفع مستوى انهيار الاقتصاد اللبناني الذي يمر بالفعل بأسوأ أزمة اقتصادية شهدها في تاريخه.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة