هل سيقود الانفجار لتغيير النظام السياسي في لبنان؟

عضو الهيئة الاستشارية

“المصائب لا تأتي فرادى”، ينطبق هذا المثل تماما على لبنان المتهالك جراء الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تعصف به منذ فترة، والتي اشتد لهيبها منذ احتجاجات 17 أكتوبر الماضي، واستفحلت حدتها في ظل جائحة كورونا، مما أدى الى ازدياد نسب البطالة، وتدهور العملة اللبنانية امام الدولار الأمريكي، ليأتي انفجار مرفأ بيروت المروع ويزيد من حدة الازمات ويزيد من معاناة اللبنانيين وينفخ الروح مجددا في ثورتهم الشعبية. خلف انفجار بيروت أزيد من 158 قتيلا ونحو 6 آلاف جريح ومئات المفقودين في حصيلة غير نهائية للانفجار، ودمر او الحق الضرر بنحو نصف بيروت، بعدما طال الدمار المرافق والمنشآت والمنازل، مما تسبب في…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

“المصائب لا تأتي فرادى”، ينطبق هذا المثل تماما على لبنان المتهالك جراء الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تعصف به منذ فترة، والتي اشتد لهيبها منذ احتجاجات 17 أكتوبر الماضي، واستفحلت حدتها في ظل جائحة كورونا، مما أدى الى ازدياد نسب البطالة، وتدهور العملة اللبنانية امام الدولار الأمريكي، ليأتي انفجار مرفأ بيروت المروع ويزيد من حدة الازمات ويزيد من معاناة اللبنانيين وينفخ الروح مجددا في ثورتهم الشعبية.

خلف انفجار بيروت أزيد من 158 قتيلا ونحو 6 آلاف جريح ومئات المفقودين في حصيلة غير نهائية للانفجار، ودمر او الحق الضرر بنحو نصف بيروت، بعدما طال الدمار المرافق والمنشآت والمنازل، مما تسبب في فقدان 300 ألف شخص لمساكنهم. أما مرفأ بيروت الذي حصل فيه الانفجار، فقد كان قبل وقت قصير البوابة الرئيسية لاستيراد السلع والوقود وتصديرها؛ نحو 80% من البضائع التي يستوردها لبنان والتي يصدرها تمر عبر هذا المرفأ. وهو كان يعد الشريان الحيوي للبلد، وواحدا من أهم الممرات لعبور السفن بين الشرق والغرب، وكان يتمتع بميزة تجارية عالية، وكان في سبعينيات القرن الماضي واحدا من أهم المحطات للتجارة الدولية مع الدول العربية المحيطة. ويتعامل المرفأ مع 300 ميناء عالميا، ويعد نقطة ترانزيت للعديد من الشحنات.

كارثة مرفأ بيروت التي تهدد بزيادة زعزعة الاستقرار في لبنان، تسببت في خسائر اقتصادية تتجاوز 5 مليار دولار، وفق تصريحات مسؤولين لبنانيين، تشمل الأضرار التي لحقت بالمنشأة وتعطل النشاط بها، واحراق الاف السيارات المستوردة المخزنة بالميناء، والعقارات السكنية والتجارية المجاورة، بما في ذلك مطاعم وفنادق، وصومعة الحبوب الوحيدة بلبنان، وغيرها.‬ ‬‬

لا يستطيع لبنان المنهك اقتصاديا، مواجهة هذه الازمة بمفرده، ولن يستطيع تعويض خسائره ولا اعتماد حلول ترقيعية يمكن ان تقوده الى حافة الانهيار. فاذا اختار طباعة المزيد من الأموال فهذا يعني المزيد من التضخم، الذي سينعكس بالمزيد من ارتفاع الأسعار ودخول أشخاص تحت خط الفقر. في المقابل، ستعمل بعض الجهات على استغلال هذه الأزمة من اجل فتح باب أمام نفوذ أجنبي، وهذا ما دفع ألمانيا الى التفكير في عقد مؤتمر دولي للمانحين لصالح البلد “المنكوب”. بينما نظمت فرنسا، بشراكة مع الأمم المتحدة، مؤتمرا عبر الفيديو بهدف مساعدة لبنان، شارك فيه 15 رئيس دولة وحكومة، تعهد فيه المشاركون على تقديم مساعدات بلغت 252,7 مليون يورو، ستمر عبر الأمم المتحدة. في الوقت نفسه، ربطت فرنسا أي دعم مالي في المستقبل بالإصلاحات التي يطالب بها اللبنانيون.

ما يطالب به اللبنانيون هو اسقاط الطبقة السياسية. فمع استئناف احتجاجاتهم وثورتهم الغاضبة في وجه السياسيين والأحزاب، وعلى رأسها حزب الله المسيطر على المعابر والمرافئ في البلاد؛ في ظل غياب دور الدولة في مراقبة العديد من المرافق والمعابر؛ طالب المحتجون الجميع بالرحيل، والتهمة: الفساد وسوء الحكم والادارة. في المقابل، أعلن مسؤولو لبنان عن تشكيل لجنة تحقيق، ووعدوا بمحاسبة المتسببين بالكارثة. ومن اللافت أن من يتحدث عن محاسبة المتسببين متهمون هم أنفسهم بالفساد مع دعوات لاستقالتهم أو اقالتهم ومحاسبتهم. 

يبدو ان الانفجار مثلما سيفاقم أزمة لبنان الاقتصادية، سيكون له أيضا تداعيات كبيرة على المستوى السياسي. الشعب اللبناني، اليوم، أكثر تصميما على محاسبة سياسييه، وسقف مطالب الموجة الثانية من احتجاجاته يبدو اعلى، بعدما رفع المتظاهرون شعار “كلن يعني كلن”، مطالبين الحكومة بالاستقالة بسبب ما وصفوه بالإهمال الذي أدى إلى انفجار الثلاثاء. وهي المطالب التي استجابت لها في البداية وزيرة الاعلام ووزير البيئة والتنمية الإدارية، اعقبها استقالة وزيرة العدل ثم وزير المالية، قبل ان يقدم رئيس الحكومة، الاثنين الماضي، استقالة حكومته بالكامل للرئيس ميشيل عون. علما ان الحكومة المستقيلة ستبقى مسؤولة عن تصريف الاعمال الى حين تشكيل حكومة جديدة، وهو الامر الذي قد يستغرق وقتا طويلا. 

بعض الأصوات تطالب بالذهاب نحو انتخابات نيابية مبكرة، لكن لا يوجد، لحدود الان، توافق على إجراء هذه الانتخابات بين الأغلبية والمعارضة، خاصة في ظل افتراق المواقف السياسية بينهم ما يجعل الاتفاق امرا صعبا، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، الذهاب للانتخابات في وقت ازمة وجودية يبدو امرا مستحيلا. والذهاب إليها بنفس القانون الحالي سيفرز نفس التركيبة السياسية الحالية، مرة أخرى، والتي توجد، بأغلبيتها ومعارضتها التقليدية، في مرمى اتهامات المتظاهرين ولا تحظى بثقتهم على الإطلاق. 

أمام هذه التطورات المتسارعة والوضع الاقتصادي المالي الضاغط، يبدو أن لبنان قد دخل منعطفا جديدا، وأن أزمته السياسية الحالية ستطول، وربما لن تحل بالنهاية الا بتغيير حقيقي في النظام السياسي وارساء ميثاق سياسي جديد، سبق وتحدث عنه الرئيس الفرنسي اثناء زيارته الأخيرة لبيروت. والى حين تحقيق التغيير المرجو، من المرجح أن يستمر ضغط الحراك الشعبي لوقت طويل، لكن اذا ما انزلقت الأمور نحو مزيد من العنف، فلن يكون مستبعدا تكرار سيناريو الحرب الاهلية، لا قدر الله.

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس 13 أغسطس 2020. 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب