مدينة صنعها الترماي

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الثاني عشر من أغسطس، تاريخ لا يتذكره أحد، وإن كان يمثل يوما وذكرى مهمة في تاريخ القاهرة، فهو اليوم الذي سار فيه الترام الكهربائي لأول مرة في شوارع العاصمة. حدث ذلك في عام 1896، أي قبل قرن وربع القرن تقريبا، فغير وجه الحياة في المحروسة، وحولها من مدينة تنتمي للقرون الوسطى إلى مدينة حديثة. حتى ذلك الوقت كانت الحمير والخيل هي وسيلة الانتقال الرئيسية، سواء امتطاها الركاب مباشرة، أو جلسوا فوق العربات الخشبية، الحنطور والكارو وعربات سوارس، التي تجرها الحيوانات. كان هناك حدودا لأعداد المسافرين الذين يمكن نقلهم باستخدام الحيوانات، كما كان هناك حدودا للمسافات التي يمكن قطعها بهذه الطريقة،…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الثاني عشر من أغسطس، تاريخ لا يتذكره أحد، وإن كان يمثل يوما وذكرى مهمة في تاريخ القاهرة، فهو اليوم الذي سار فيه الترام الكهربائي لأول مرة في شوارع العاصمة. حدث ذلك في عام 1896، أي قبل قرن وربع القرن تقريبا، فغير وجه الحياة في المحروسة، وحولها من مدينة تنتمي للقرون الوسطى إلى مدينة حديثة. حتى ذلك الوقت كانت الحمير والخيل هي وسيلة الانتقال الرئيسية، سواء امتطاها الركاب مباشرة، أو جلسوا فوق العربات الخشبية، الحنطور والكارو وعربات سوارس، التي تجرها الحيوانات. كان هناك حدودا لأعداد المسافرين الذين يمكن نقلهم باستخدام الحيوانات، كما كان هناك حدودا للمسافات التي يمكن قطعها بهذه الطريقة، لكن الأهم من ذلك هو أن الاعتماد على حيوانات الجر أبقى المدنية على نفس الحال الذي كانت عليه قبل ألف عام عندما أسسها الفاطميون لأول مرة؛ حتى جاء الترام وغير كل شيء. 

وافق مجلس النظار في نوفمبر 1894 على منح امتياز بإنشاء سكة ترام كهربائي في العاصمة لشركة بلجيكية. نص الامتياز على أن تلتزم الشركة بمد وتسيير ثمانية خطوط للترام، يبدأ ستة منها من ميدان العتبة الخضراء؛ يتجه الخط الأول إلى القلعة، والثاني إلى بولاق، والثالث إلى باب اللوق فالناصرية بالقرب من السيدة زينب، والرابع إلى العباسية مارا بالفجالة، والخامس إلى مصر القديمة، والسادس إلى فم الخليج، حيث يمكن للركاب الانتقال بزورق بخاري إلى الشاطئ الآخر، ليستقلوا من هناك قطارا إلى الجيزة، وهذا هو الخط السابع؛ أما الخط الثامن فيبدأ من قصر النيل ويسير موازيا لترعة الإسماعيلية، التي كانت تبدأ بالقرب من ميدان التحرير الحالي في ذلك الزمان، وصولا إلى كوبري الليمون، بالقرب من محطة القطارات الرئيسية عند باب الحديد. 

لم تتوقف القاهرة عن التوسع منذ أنشأ عمرو بن العاص الفسطاط، فكانت الأحياء الجديدة تضاف إلى القديمة، لتصبح المدينة أكثر اتساعا.  لكن هذه كانت المرة الأولى التي يتم فيها التفكير في كل هذه الأحياء كأجزاء من كيان واحد، يتم ربطها معا عن طريقة شبكة واحدة تخدم المدينة كلها. 

تم إنشاء خطوط الترام لتأخذ شكل شبكة تربط أطراف المدينة بمركزها في العتبة الخضراء، فاكتسب ميدان العتبة مكانة مركز العاصمة وقلبها، بعد أن كان مركز المدينة لقرون في القلعة والأحياء المحيطة بالجامع الأزهر. كان ميدان العتبة مركزا للأنشطة التجارية الحديثة، التي أصبحت محور الحياة في القاهرة، ليحل بذلك محل المركز السياسي القديم في القلعة، والمركز الديني في الأزهر. لقد كان إنشاء شبكة الترام، إذا، جزءا من عملية التحديث الاقتصادي والاجتماعي السريع الذي شهدته القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 

شبكة الترام هي أكبر مشروع للبنية التحتية يتم إنشائه في القاهرة حتى ذلك الوقت، ومعه تغير معنى التعمير من إقامة المباني والأحياء الجديدة، إلى تطوير جودة الحياة والخدمات في المدينة كلها، وليس في الأحياء الجديدة فقط. كانت شبكة المياه النقية قد دخلت إلى المدينة منذ عام 1872، عندما تم إنشاء أول محطة لتنقية ورفع المياه عند فم الخليج. لكن توسيع هذه الشبكة اتسم بالبطء الشديد، حتى أنه بعد عشرين عاما، وفي سنة 1892، عندما كان في القاهرة 55597 بيتا و379 مسجدا، فإنه لم يكن متصلا بشبكة المياه النقية منها سوى 4397 بيتا وعشرة مساجد، بنسبة تقل كثيرا عن عشرة بالمائة من بيوت ومساجد المدينة. 

كان الترام أسرع أداة لتحديث القاهرة. كانت معظم شوارع المدينة على الفطرة، كما وجدت منذ مئات السنين، لكن إدخال الترام تسبب في تسريع التعمير والتطوير. ساعد مد خطوط الترام على توسع العمران، فتحولت العشش الكثيرة والأرض الخراب إلى بيوت أنيقة، فكتبت جريدة المؤيد في 13 ديسمبر 1903 تحت عنوان “القاهرة ومستقبلها الزاهر بالعمران “قسمت المنازل الفسيحة وحدائقها للبناء، وهذه جهات التوفيقية والحلمية وقصر الدوبارة، وما امتد من أطراف العباسية وأقسام الخليفة والسيدة زينب، وما تجدد في بولاق والجزيرة وشبرا، وما أنشئ من الضواحي التي امتدت إلى مسير نصف ساعة بالقطار البخاري، أو ساعة بالترام على نماء مستمر”. 

أحدث ظهور الترام ثورة هائلة في الحركة العمرانية، وغير من نظرة السكان إلى المنازل، فبعد أن كان الناس يألفون السكنى في الحواري الضيقة، وكان أشرافهم يفضلون الإقامة في الأزقة المسدودة، ويدفعون الثمن الأعلى في آخر بيت منها، لبعده عن الحركة والضوضاء والغوغاء، صاروا لا يألفون إلا السكني في الشوارع الواسعة، ويطلبون المخرج قبل المدخل. لقد ظهر الشارع العمومي المتسع النظيف الذي يحظى بالإضاءة والرصف وتتحرك فيه وسائل المواصلات الحديثة، فصار هو المفضل للسكن، وصار صاحب الدار الفسيحة يهجر داره لأن طريقه مسدود، ويطلب دارا أخرى أقل سعة على شارع ينتهي للفضاء من الجانبين. كره الناس الحواري الضيقة التي عشقها آبائهم، ورغبوا في الإشراف على الميادين، فحصل من ذلك تغير اجتماعي كبير، عندما هجر الموسرون الأحياء الوطنية بأزقتها وحواريها، وانتقلوا للعيش في الشوارع الجديدة التي يخترقها الترام. خرج الموسرون من الحياة الجماعية التشاركية في الحارة الضيقة، إلى الخصوصية والتفرد في المجال العام الذي ظهر في الشارع العمومي الواسع؛ وها هم في أيامنا هذه يهجرون المجال العام الواسع، ويلجئون لعزلة اختيارية في منعزلات طبقية، ذات أسوار وبوابات. 

التغير هو سنة الحياة، ومن شأن كل تغيير ندخله على العمران أن يترك آثاره على المجتمع والاقتصاد والثقافة. ومثلما كان للتحديث الذي لحق بالقاهرة في مطلع القرن العشرين آثارا اجتماعية وثقافية عميقة، فإن مشروعات التطوير الجارية فيها الآن لابد وأن تترك هي أيضا آثارها. لا يمكن إيقاف التغير الاجتماعي، ولكن يمكن ببعض التدبر والبحث والدراسة توجيه التغير الاجتماعي الناشئ في اتجاهات أقل ضررا وأكثر فائدة. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس 13 أغسطس 2020.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب