وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

الجبهة الشرقية لداعش.. التنشيط والمتغيرات المقلقة

شهدت العراق الأسبوع الماضي عملية إرهابية نوعية نفذها وتبناها -على الفور- تنظيم داعش، سقط على اثرها “العميد الركن/ أحمد عبد الواحد اللامي، آمر “اللواء 29” بفرقة المشاة السابعة بالجيش العراقي. وشمل الضحايا أيضا ضابط آخر برتبة ملازم أول و3 جنود و4 من المصابين. خلية الإعلام الأمني الحكومية أعلنت في بيان لها أن العملية وقعت عند نقطة تفتيش في قضاء “هيت” غربي محافظة الأنبار (170 كم غرب بغداد). ناقوس الخطر الذي دق في غرفة عمليات قوات مكافحة الإرهاب العراقية، ولدينا أيضا، أن هذه العملية تعد الثانية خلال فترة زمنية محدودة على ذات النموذج؛ فقبل أسابيع شهدت مدينة “الطارمية” التي تعد ضمن…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

شهدت العراق الأسبوع الماضي عملية إرهابية نوعية نفذها وتبناها -على الفور- تنظيم داعش، سقط على اثرها “العميد الركن/ أحمد عبد الواحد اللامي، آمر “اللواء 29” بفرقة المشاة السابعة بالجيش العراقي. وشمل الضحايا أيضا ضابط آخر برتبة ملازم أول و3 جنود و4 من المصابين. خلية الإعلام الأمني الحكومية أعلنت في بيان لها أن العملية وقعت عند نقطة تفتيش في قضاء “هيت” غربي محافظة الأنبار (170 كم غرب بغداد). ناقوس الخطر الذي دق في غرفة عمليات قوات مكافحة الإرهاب العراقية، ولدينا أيضا، أن هذه العملية تعد الثانية خلال فترة زمنية محدودة على ذات النموذج؛ فقبل أسابيع شهدت مدينة “الطارمية” التي تعد ضمن حزام العاصمة الأمني (20 كم شمال بغداد)، عملية هجوم أودى بحياة قائد عسكري بارز هو اللواء/ علي غيدان الخزرجي، آمر “اللواء 59” بالفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش، فضلا عن بعض مرافقيه من الجنود في الوقت الذي دمرت فيه الآليات التي كانوا يستقلونها.

الضربات التي تلقاها تنظيم “داعش” خلال الفترة الماضية، تمثل أبرزها في انهيار سيطرته على مساحات من الأرض في كل من سوريا والعراق، ثم مقتل زعيمه الاستثنائي “أبو بكر البغدادي” الذي احتفظ طوال فترة قيادته لنفسه بالقرارات الاستراتيجية والتكتيكية معا في الأمور العسكرية، فضلا عن المهم من الشؤون التنظيمية، لذلك مثل مقتله ضربة شديدة لتنظيم -طوال تاريخه القصير- لم يتعرض لاختبار أو تجربة من هذا النوع، بدا بعدها أنها أدخلته في فترة اهتزاز عنيفة لم يتعرض لها منذ إعلان دولته في يونيو 2014. التنظيم قضى العام الماضي بعد هذه الضربات يحاول لملمة شتات هذا المشهد، وفي العراق بالخصوص بدأ يستعيد قوته تدريجيا وإن كان قد ظهر باستراتيجية جديدة، تحول فيها من حلم إنشاء “دولة الخلافة” إلى “السرايا المتحركة” مستخدما الأخيرة، أو عدد محدود من عناصر نخبتها في تنفيذ ضربات نوعية، وعمليات هجوم تستهدف بشكل أو بآخر تدعيم فكرة أن التنظيم سيظل مستمرا لمستقبل غير منظور ملامحه، بداخل كلا من العراق وسوريا باعتبارهما لازالا على قدر من الهشاشة تمكنه من تنفيذ الاستراتيجية الجديدة.

في العراق، وهي محل استعادة النشاط الرئيسي للتنظيم الآن، كان هناك ظرفين تزامنا ومثلا مناخا مهيئا كان “داعش” ينتظره كي ينطلق مرة أخرى، الأول هو إعادة انتشار “القوات الأمريكية” التي انكفأت داخل قواعدها العسكرية الحصينة، بعد الاشكاليات التي تعرضت لها من قوى عراقية محلية، البعض استهدفها مباشرة مثل عمليات قصف مقر السفارة والمنطقة الخضراء وغيره، وأخرى سهلت وأوعزت لعمليات الاستهداف بالمناطق التي كانت القوات تتواجد فيها، وتنخرط في عمليات ملاحقة “داعش” في الفضاءات الصحراوية وخارج المدن. الظرف الثاني هو التفشي الكبير لجائحة “كورونا” وتأثيراته، حيث صنعت مرة أخرى خواصر هشة خالية من قوات الأمن العراقي، التي انسحبت من المناطق المفتوحة وأطراف المدن نحو المناطق المكتظة بالسكان داخل المدن، تنفيذا لقرارات حظر التجوال والعزل المنزلي والمناطقي الذي فرضه الظرف الاستثنائي الصحي. هذه التحركات الفجائية غير المرتبة قبلا لقوات الأمن والوحدات المنخرطة في مكافحة الإرهاب، واختلاطها لفترات طويلة مع المكونات السكانية بالمدن والقرى، هناك من يتحدث بأنها مثلت بيئة مثالية لعمليات اختراق استخباراتية نفذها التنظيم بحق تلك القوات، وهي مهارة يبرع فيها “داعش” وعدت من الأسباب الرئيسية لنجاحه في عمليات استهداف القيادات العسكرية الأخيرة، التي افتتح بها عملياته الكبرى من حيث التأثير والنتائج في حين كانت “قليلة الكلفة” بالنسبة له باعتبارها عمليات “اغتيال”.

التنظيم وفق العديد من المراقبين المتخصصين في دراسة نشاطه الإرهابي، يبدو وأن له قراءة استراتيجية خاصة لمسرح العمليات العراقي الذي يعاد تشكيله، وهي أيضا من المهارات التي يتمتع بها التنظيم حتى وهو يمارسها من وضع الاختباء أو الحركة السريعة. فـ”داعش” يراهن إلى حد كبير على أن خطط مغادرة القوات الأمريكية للعراق، ستمثل له مساحات أرحب كثيرا للحركة وإعادة التموضع، وهو يرصد اليوم ـ على الأقل ـ انتقال الاهتمام العام للتحالف الدولي من محاربة الإرهاب، إلى مواجهة إيران والمليشيات الطائفية المسلحة العملة في العراق، وامتداداتها بالداخل السوري وخطوط الاتصال بينهما. فالشهور الأولى من هذا العام شهدت سحب عدد من الدول لجزء من قواتها داخل التحالف، بريطانيا وألمانيا وفرنسا كانت على رأس هذه الدولة تحت ذريعة تفشي فيروس “كورونا”، ولكن ايضا سبقه اختلافات كبيرة مع الولايات المتحدة بقيادة التحالف على رؤية مكونات المشهد، الذي تنخرط تلك القوات في ترتيبه أمنيا والحفاظ -افتراضيا- على مكتسباته وعدم السماح بانزلاقه أو الانشغال عنه، وهو لم يكن مؤخرا على قدر من التوافق بين المكونات الاستخباراتية لهذه الدول الأربع الرئيسية.        

جزء آخر من قراءة تنظيم “داعش” للمشهد بمتغيراته الاستراتيجية، يرى أن إيران لن تتخلى بسهولة عن خيار مراهنتها على مليشياتها الطائفية المسلحة بداخل العراق، ولا عن حلم ربط سيطرتها ـ المليشيات ـ ونفوذها مع نظائرها بالداخل السوري. باعتبار هذا المكون صار اليوم داخل العراق بعد سنوات من التسمين، هو سلاحها الرئيسي في مواجهة الولايات المتحدة وبعض من مكونات الداخل العراقي، مع الوضع في الاعتبار أن قواعد سيطرته بالداخل السوري لازالت مؤمنة، مما يدفع طهران إلى التمسك بهذا السلاح رغم محاولات الخلع المختلفة التي تحاول زعزعة هذه السيطرة، دون جدوى حقيقية في امكانية تقييد أو تدمير التغلغل المؤثر حتى الآن. هذه بيئة صديقة ومناخ موات إلى حد بعيد، لاستعادة داعش لنشاطه في ظل أوضاع مرشحه للاستمرار لسنوات، يحلم خلالها التنظيم بتنشيط قدراته المالية التي تمثل اليوم نقطة الضعف لديه، لكن خبراته في هذا المجال ترشحه لإمكانية تجاوزها سريعا، مما يدعو للكثير من القلق ومثله بالانتباه إلى تلك الاستعادة في ظل الانشغالات الأخرى العديدة.  

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية