وحدة الدراسات الاقتصادية

العلاقات التجارية بين مصر واليونان تمهّد للخطوة التالية

وقّع وزير الخارجية المصري “سامح شكري” مع نظيره اليوناني “نيكوس دندياس” الخميس الماضي (6 أغسطس 2020) اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين في شرق البحر المتوسط، وهي منطقة يعتقد أنها قد تضم احتياطات ضخمة من النفط والغاز. ومن المتوقع أن تتيح الاتفاقية الجديدة التوصل إلى مزيد من التعاون الإقليمي بين الجانبين المصري واليوناني في مجال الطاقة، نظرًا لعضوية البلدين في منتدى غاز شرق المتوسط. ومن جانبه، أكد وزير الخارجية اليوناني “نيكوس دندياس” خلال مؤتمر صحفي أن الاتفاقيات بين مصر واليونان تقوم على احترام مبادئ وأساسيات القانون الدولي، مشددًا على وجود تواصل تام ومستمر بين الدولتين، مشيرًا إلى أن الفترة…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

وقّع وزير الخارجية المصري “سامح شكري” مع نظيره اليوناني “نيكوس دندياس” الخميس الماضي (6 أغسطس 2020) اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين في شرق البحر المتوسط، وهي منطقة يعتقد أنها قد تضم احتياطات ضخمة من النفط والغاز. ومن المتوقع أن تتيح الاتفاقية الجديدة التوصل إلى مزيد من التعاون الإقليمي بين الجانبين المصري واليوناني في مجال الطاقة، نظرًا لعضوية البلدين في منتدى غاز شرق المتوسط. ومن جانبه، أكد وزير الخارجية اليوناني “نيكوس دندياس” خلال مؤتمر صحفي أن الاتفاقيات بين مصر واليونان تقوم على احترام مبادئ وأساسيات القانون الدولي، مشددًا على وجود تواصل تام ومستمر بين الدولتين، مشيرًا إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تعاونًا ثنائيًّا في مختلف المجالات.

وتأتي هذه الخطوة بعدما وقّعت حكومة الوفاق الليبية وتركيا اتفاقيتين، إحداهما حول التعاون الأمني، وأخرى في المجال البحري في نوفمبر 2019، وهو ما أثار انتقادات واسعة النطاق من الجانبين اليوناني والمصري. كما أكدا في العديد من التصريحات على اعتبار هذه الاتفاقية “لاغية وغير قانونية”، مشيرين إلى عدم شرعية قيام “السراج” بالتوقيع على مذكرات مع دول أخرى خارج إطار الصلاحيات المقررة في اتفاق الصخيرات -الذي وُقع في المغرب- عام 2015. 

ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المقال تاريخ العلاقات التجارية الثنائية بين مصر واليونان خلال الفترة (2015-2019)، مع إلقاء الضوء على آفاق هذه العلاقات في المستقبل.

1- أبرز محطات العلاقات التجارية الثنائية

تُعتبر اتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية -التي تم توقيعها في يونيو 2001- هي المنظم الرئيسي للعلاقات التجارية بين مصر واليونان، حيث بدأ العمل بالشق التجاري منها اعتبارًا من أول يناير 2004، ثم دخلت حيز النفاذ في يونيو 2004.

وتُعد العلاقات بين مصر واليونان من أقدم العلاقات بين بلدين في العالم، إذ يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد بنحو 300 عام، ولطالما أكد المسئولون رفيعو المستوى على أهمية استمرار العلاقات التجارية بين الجانبين كأولوية أساسية لكلٍ منهما، كما يُنظر إلى اليونان كحلقة وصل رئيسية تربط مصر بدول قارة أوروبا باعتبارها أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر في منطقة حوض البحر المتوسط، وذلك نظرًا للدور المصري اليوناني المحوري في ربط أسواق دول وسط وشرق أوروبا وأسواق دول الخليج العربي وقارة إفريقيا تجاريًّا.

ونشطت العلاقات التجارية اليونانية-المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية، مع تزايد عدد الزيارات والقمم المنعقدة بين الطرفين من أجل إجراء مناقشات حول تعميق التعاون فيما يتعلق بالتجارة والاقتصاد، وكيفية استغلال إمكانيات الموقع الجغرافي للدولتين في قطاعات كالطاقة والنقل.

وفي السياق ذاته، صرح المسئولون المصريون في العديد من المناسبات بأهمية وضع استراتيجيات مشتركة تمهّد الطريق للقطاع الخاص بالبلدين لتنفيذ مشروعات تعاون ملموسة تخدم الاقتصادين المصري واليوناني في ضوء المساعي الهادفة لتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، خاصة في مجال العلاقات الاقتصادية والتجارية.

وشهد عام 2015 -على سبيل المثال- ثلاث زيارات متتالية من الجانب اليوناني إلى مصر من أجل بحث سبل تطوير العلاقات الاقتصادية الثنائية، لا سيما في المجالات التجارية والاستثمارية، مع استعراض تطورات الأوضاع بالمنطقة على صعيد الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاسها على الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.

وفي عام 2018، شارك الرئيس “السيسي” في القمة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، وشهدت هذه القمة عقد العديد من الاتفاقيات؛ تمثلت أهمها في توقيع مذكرة للتعاون الجمركي الفني، ومذكرة تفاهم في مجال المشروعات الصغيرة، فضلًا عن اتفاقية التأمينات الاجتماعية التي تتيح فرصة للعمالة المصرية باليونان لتنظيم مستحقاتها التأمينية خلال فترة عملها بتلك الدولة، بما يضمن حقوقها ومستحقاتها كاملة عند عودتها إلى وطنها. ثم كان هناك أخيرًا مذكرة تعاون بين مصر وقبرص واليونان فى مجال الاستثمار. في حين اتفقت الحكومتان المصرية واليونانية في أبريل 2019 على تشكيل مجموعة عمل مشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين خلال المرحلة المقبلة بهدف وضع خطة عمل محددة للوصول إلى نتائج ملموسة تنعكس آثارها إيجابيًّا على العلاقات الاقتصادية بين مصر واليونان، وجاء ذلك خلال زيارة وزير التجارة والصناعة “عمرو نصار” للعاصمة اليونانية أثينا، والتي تناولت مستقبل التعاون الاقتصادي بين البلدين وعددًا من الملفات الاقتصادية المطروحة على الأجندة العالمية خلال المرحلة الحالية.

2- تطور العلاقات التجارية المصرية اليونانية: 

تميزت العلاقات التجارية بين مصر واليونان بالنمو السريع. ويوضح الشكلان (1) و(2) حركة الصادرات والواردات بين الدولتين خلال الفترة (2015-2019).

الشكل (1): حجم الصادرات المصرية لليونان (2019-2015) (مليار دولار)

Source: Trade map, bilateral trade between Egypt and Greece.

ويتضح من الشكل رقم (1) أن الصادرات المصرية إلى اليونان شهدت تزايدًا ملحوظًا خلال الفترة المشار إليها؛ إذ ارتفعت من 143.926 مليونًا في سنة 2015 إلى 716.772 مليونًا في سنة 2019، بنسبة ارتفاع بلغت 407%. ورغم أن الصادرات المصرية إلى اليونان في عام 2019 لا زالت تمثل نسبة محدودة من إجمالي الصادرات المصرية في ذلك العام (حوالي 2.3% فقط من إجمالي الصادرات المصرية في ذلك العام)، لكن بالنظر إلى الاتجاه العام لتطور هذه الصادرات، سنجد أن هذه النسبة من المرجح أن تتزايد خلال السنوات القليلة المقبلة.

الشكل (2): حجم الواردات المصرية من اليونان (2019-2015) (مليار دولار)


Source: Trade map, bilateral trade between Egypt and Greece.

ويتضح من الشكل رقم (2)، أن الواردات المصرية من اليونان ارتفعت بين العامين (2015-2016) بنحو 10% على أساس سنوي، لتنخفض بعد ذلك بحوالي 49.5% إلى 0.5 مليار دولار في 2017، وذلك في ظل انخفاض إجمالي الواردات المصرية خلال هذه السنة بشكل عام من 70.64 مليار دولار إلى 66.76 مليار دولار عقب تعويم الجنيه المصري في 2016، الأمر الذي أثر على الواردات بالتراجع. وسرعان ما عاودت الواردات الارتفاع بحلول عام 2018 وحتى العام الماضي (2019) إلى 1.03 مليار دولار، لتصبح نسبة الارتفاع بين العامين 2015 و2019 حوالي 12%. ومن ثم، نلاحظ أن الاتجاه العام للمؤشر هو اتجاه موجب.

3- آفاق العلاقات اليونانية-المصرية

مما سبق يُمكن القول إن العلاقات الاقتصادية المصرية-اليونانية شهدت ازدهارًا على مدار السنوات الماضية، وانعكست أهم مظاهر هذا الازدهار في توقيع اتفاق الحدود البحرية الذي وصفه وزير الخارجية المصري “سامح شكري” بأنه يعكس العلاقات المتميزة بين مصر واليونان، ويمهد الطريق لمزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدولتين الرئيسيتين في منطقة شرق المتوسط. ومن ثم تشير كافة التوقعات والدلالات إلى تطور العلاقات الثنائية في المستقبل القريب، بما ينعكس إيجابيًّا على اقتصادهما، وذلك بدعم من اتفاق الرؤى المستقبلية لكلٍ منهما تجاه العديد من القضايا المشتركة، سواء كانت اقتصادية أم سياسية وأمنية، حيث يمثل التواصل المستمر والدائم بين حكومتي البلدين ورجال الأعمال العامل الرئيسي لدفع العلاقات الاقتصادية الثنائية بينهما.

وفي المستقبل، يُمكن أن تتطور العلاقات الاقتصادية بدعم من الفرص الضخمة المتاحة أمام الدولتين في مجال إنشاء المراكز اللوجستية والمناطق التجارية الحرة، والمقاولات، وتكنولوجيا المعلومات، والتنمية الزراعية، والصناعات الغذائية، والطاقة.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة