تجديد الفكر المدني

رئيس الهيئة الإستشارية

الشائع بيننا هو البحث في الكيفية التي يتم بها تجديد الفكر الديني، خاصة بعد التطورات التي جرت خلال العقود الأخيرة، وفيها جرى الانتقال من “الأصولية الدينية” المتطرفة إلى درجات مختلفة من العنف أصابت ما سمي “العدو القريب” في بلاد العالم الإسلامي، وما سمي “العدو البعيد” في بقية بلاد الدنيا. لم يعد في الحقيقة هناك ما كان يسمي “دار الإسلام” و”دار الحرب”، وأصبح كل العالم ساحة معركة دامية. الموضوع ولا شك شائك ومتشعب، ولكن جانبا مهما منه ارتبط بنوعية الفكر الديني الذي يدفع إنسانا لقتل أخيه الإنسان وحرقه والتمثيل بجسده، أو حتى يقوم بالعمليات الانتحارية التي يضيع فيها المنتحر مع ضحاياه. …

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

الشائع بيننا هو البحث في الكيفية التي يتم بها تجديد الفكر الديني، خاصة بعد التطورات التي جرت خلال العقود الأخيرة، وفيها جرى الانتقال من “الأصولية الدينية” المتطرفة إلى درجات مختلفة من العنف أصابت ما سمي “العدو القريب” في بلاد العالم الإسلامي، وما سمي “العدو البعيد” في بقية بلاد الدنيا. لم يعد في الحقيقة هناك ما كان يسمي “دار الإسلام” و”دار الحرب”، وأصبح كل العالم ساحة معركة دامية. الموضوع ولا شك شائك ومتشعب، ولكن جانبا مهما منه ارتبط بنوعية الفكر الديني الذي يدفع إنسانا لقتل أخيه الإنسان وحرقه والتمثيل بجسده، أو حتى يقوم بالعمليات الانتحارية التي يضيع فيها المنتحر مع ضحاياه. 

الجانب الأمني هنا ليس موضوعنا، ولكن الجانب الفكري ذهب بتركيز كبير على المؤسسات الدينية، وعما إذا كانت قد قامت بواجبها أم لا في شرح صحيح الدين المعتدل والوسطي. ومن ناحيتي فأنا من المقدرين للجهد الذي قامت به مؤسسات الأزهر والأوقاف وما زالت تقوم به في هذا الاتجاه في حدود ما هو معلوم من حدود وقدرات وإمكانيات وبنية مؤسسية قامت واستقرت لأكثر من ألف عام. ولكن ما يهمني في الموضوع هو أن التجديد لابد وأن يكون في الفكر مدنيا كان أو دينيا، ليس فقط لمقاومة الإرهاب، أو مواجهة ما هو متطرف وعنصري ولا أخلاقي، وإنما لإعلاء قدرة الإنسان المصري علي التفكير في أمور الحياة المتغيرة، والتعامل معه لتحقيق “التقدم” الذي هو بدوره قيمة كبيرة وتستحق التفكير والعمل من أجلها. 

“تجديد الفكر الديني” لا يكون فقط من خلال التعامل مع الأصول الدينية، وإنما أيضا بتقديم فكر مدني لا يكتفي فقط بنقد الفكر الديني، أو هجاء الشعوذة الشعبية أو السلفية، أو النظر من أعلى لعادات أهلية متخلفة، وعندما تجري في إطارات مقارنه مع عالم متقدم فإنها تضعنا في أسفل السافلين في المقام والأخلاق العامة. مثل ذلك يمكن تقدير الشجاعة فيه، ولكنها من ناحية أخري لا تؤدي إلى تغيير المجتمع مكتفية بتصنيفه إلى شرائح وطبقات راقية ووضيعة، متقدمة ومتخلفة، وهكذا تقسيمات. 

ومن الملاحظة والتجربة لما يحدث في بلادنا فإنه لم توجد معركة من نوعية “البوركيني والبيكيني” إلا وصبت في قناة التقسيم المجتمعي ولصالح الجماعات الأكثر تطرفا. وبالملاحظة والتجربة في بلاد العالم التي سبقتنا، ورغم السبق فإنه لا زال فيها التفكير التآمري والكثير من الشعوذة الدينية، فإن بداية التغيير لم تأت فقط من “الإصلاح الديني” وإنما جاءت من “العلم” و”العلوم” و”المعرفة” في العموم. ولو أن كتابنا ومفكرينا المهتمين بهذه القضية صرفوا جزءا مهما من وقتهم، ومساحات أكبر من كتابتهم، إلى التفكير العلمي والبناء المنطقي وأساليب البحث في الأمور، والعلاقة بين المقدمات والنتائج، والكيفية التي تطورت بها الدنيا على مدى العشرة آلاف عام الماضية التي بدأ عندها التاريخ الإنساني شاملا أديانا وأفكارا وتقاليد وأخلاقيات كانت ضرورية لتحقيق سلام الإنسان مع ذاته، وتعاونه مع أخيه الإنسان.

التاريخ هكذا ليس مجرد تسجيل صعود وهبوط الأمم، وانتصارات الإسكندر الأكبر وبطولات خالد بن الوليد وفتح الأندلس وغزوات نابليون وهتلر، وإنما هي كيف جاء الإنسان من كهفه، ورحلته من جمع الثمار حتى الوصول إلى القمر. هذا التطور منذ وقوف الإنسان على قدميه معلنا خروجه من المملكة الحيوانية وحتى بات يقترب من مركبات تسير بسرعة الضوء، وبعد أن كان يعلن “العجز” قبل سن الثلاثين وحتى بات شابا من هو في الثمانين، هي قصة تستحق أن تروى علميا وتكنولوجيا وفلسفيا أيضا. 

وبقدر ما يحكي تاريخ البشرية قصتها مع التطور والرفعة، فإن التاريخ المصري وحده فيه أبلغ القصص ليس فقط بإقرار الوحدانية والحساب بعد الموت، وإنما في التعامل مع الجسد الإنساني وقوانين الجاذبية أيضا. وظيفة التاريخ للإنسان والشعوب أنه مخزن التجربة ليس خطأ أو صوابا، وإنما عما إذا كان مفيدا أو غير مفيد. وضع أحكام قيمية، وفي كثير من الأحيان ليبرالية ومستمدة من تجربة القرنين الأخيرين من التاريخ البشري غير عادلة لوظيفة التاريخ الذي إذا ما أثقلناها بمعايير أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية لما بات التاريخ تاريخا كان فيها الإنسان أسيرا لظروف العصر والزمن والتطور. التاريخ أيضا ليس هو ما فات، وإنما ما هو قادم أيضا طالما أن العلاقة واقعة مع الزمن الذي فات، والآخر الذي سوف يأتي. هنا مربط الفرس في تجديد الفكر المدني أن يكون نافعا في بناء مصر الحديثة والمعاصرة؛ وبصراحة يكون أكثر تحملا للمسئولية عن تقدم مجتمعنا. 

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الأحد ٩ أغسطس ٢٠٢٠ 

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث