وحدة الدراسات الاقتصادية

مكاسب مشتركة: اتفاق ترسيم الحدود البحرية المصرية اليونانية

وقّعت مصر واليونان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما لتحديد المناطق الاقتصادية في السادس من أغسطس الجاري (2020)، وذلك في ظل ضغوط قصوى تُمارسها تُركيا في حوض شرق البحر المتوسط تنصب في مُعظمها على المصالح الاقتصادية للدولتين، لذلك بادرت الدولتان إلى ترسيم الحدود بينهما، بما يؤمن مصالحهما المُشتركة. ويناقش هذا المقال الممارسات التركية في الإقليم، وكيف جاء اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان ليُشكل حماية لمصالح الدولتين في الوقت الحالي وبداية لشراكة اقتصادية بينهما في المُستقبل. أولًا: العراقيل التُركية في الإقليم  بذلت تُركيا كل ما تستطيع من جهود لعرقلة الاستغلال الاقتصادي لاكتشافات الغاز في البحر المتوسط، بحيث فرضت نفسها على الإقليم…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

وقّعت مصر واليونان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما لتحديد المناطق الاقتصادية في السادس من أغسطس الجاري (2020)، وذلك في ظل ضغوط قصوى تُمارسها تُركيا في حوض شرق البحر المتوسط تنصب في مُعظمها على المصالح الاقتصادية للدولتين، لذلك بادرت الدولتان إلى ترسيم الحدود بينهما، بما يؤمن مصالحهما المُشتركة.

ويناقش هذا المقال الممارسات التركية في الإقليم، وكيف جاء اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان ليُشكل حماية لمصالح الدولتين في الوقت الحالي وبداية لشراكة اقتصادية بينهما في المُستقبل.

أولًا: العراقيل التُركية في الإقليم 

بذلت تُركيا كل ما تستطيع من جهود لعرقلة الاستغلال الاقتصادي لاكتشافات الغاز في البحر المتوسط، بحيث فرضت نفسها على الإقليم بشكل عام، لاستقطاع ما تستطيع من ثرواته بعيدًا عن القانون الدولي. فبدأت أولًا بالتنقيب في المياه الاقتصادية الخالصة القبرصية، بدعوى المُحافظة على حقوق القبارصة الأتراك في جمهورية قُبرص الشمالية التي لا يعترف بها أحد في العالم سوى تركيا. وعلى الرغم من أن المنطقة القبرصية الشمالية الافتراضية تقع على الحدود مع تُركيا، إلا أن التنقيبات التُركية جاءت بعيدًا عنها، بحيث وقعت في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية الجنوبية، أو في الجزء الجنوبي من الجزيرة كما توضح الخريطة التالية. 

وقد دخلت سفينتا “فاتح” و”بربروس” المياه الاقتصادية القبرصية الجنوبية، وقامتا بتنقيبات في بلوكات مُنحت امتيازات التنقيب فيها فعليًا لشركتي توتال وإيني، وذلك لمرات عديدة، منها على سبيل المثال في شهري يوليو وأكتوبر 2019. ثم تجددت هذه الاعتداءات خلال شهر يوليو 2020، وعلى وجه الخصوص في البلوكين 8 و9 القبرصيين. وسبقت ذلك بمنع سُفن تنقيب تابعة لشركة إيني في فبراير 2018 من مزاولة أعمالها بالتنقيب في امتيازات ممنوحة لها من جانب الحكومة القبرصية.

كذلك اتجهت تُركيا في نوفمبر 2019 لتوقيع اتفاق حدودي مع حكومة السراج مُنتهية الولاية القانونية في ليبيا لتعيين الحدود البحرية بين الدولتين رغم عدم تشاطئهما. وقد جاءت الاتفاقية لتعتدي على المنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين لكلٍ من قبرص واليونان، كما توضح الخريطة التالية. 

وقد جاء “تصميم” المنطقة الاقتصادية التُركية بهذا الشكل لمنع دولتي الإنتاج إسرائيل وقبرص من إنشاء خط “إيست ميد” East med لنقل الغاز من مناطق إنتاجهما إلى اليونان، ومنها إلى مناطق الاستهلاك في أوروبا، بالإضافة إلى منع مصر من تمديد خطوط الربط الكهربائي مع اليونان ومنها إلى أوروبا دون المرور بالمنطقة الاقتصادية التُركية، بما يؤدي إلى عرقلة الاستفادة من الثروات المُنتجة بدون مُشاركة تُركية، لذلك عجلت كل من اليونان ومصر بترسيم الحدود البحرية غير المُرسمة بينهما، بما يحمي مصالحهما ويخفف الضغوط التُركية.

ثانيًا: اتفاق الترسيم وحماية مصالح الدولتين 

جاء توقيع اتفاق الترسيم ليُنهي عشرات الأعوام من الهجر الاقتصادي لمنطقة الحدود المُشتركة بين الدولتين، ويمنع تُركيا من عرقلة مشاريع استغلال الثروات الموجودة في كامل الحوض. ونوضح فيما يلي المكاسب التي تعود على البلدين نتيجة إتمام ترسيم الحدود: 

1- اليونان

أ- اتفاق ترسيم الحدود البحرية التُركي مع حكومة السراج ينتقص في الأساس من المنطقة الاقتصادية الخالصة اليونانية، بما يعني أن أول استفادة تجنيها اليونان من ترسيم الحدود البحرية مع مصر هو توفير إطار قانوني يضبط حدودها البحرية غير المُرسمة لعشرات الأعوام في منطقة شرق المتوسط، وهو ما يطوق نتائج الاتفاق التُركي مع حكومة السراج، وذلك من خلال: 

(1) إعطاء سند قانوني لليونان -بالإضافة لقانون البحار- في شكل اتفاقية دولية تناقض الاتفاق التُركي-الليبي، مما يُعزز من موقفها في حفظ مياهها الاقتصادية الخالصة، أمام المُنظمات الدولية والمُجتمع الدولي بشكل عام.

(2) تفويت الفُرصة على تُركيا في ترسيم حدودها البحرية مع مصر التي تُعتبر مُشاطئة لها، وهو ما سعت له تُركيا بشدة خلال الفترة الماضية، من خلال عرض منطقة اقتصادية أكبر من تلك التي قد يُسفر عنها الترسيم مع اليونان، لكن مصر رفضت ذلك تمسكًا منها بقواعد القانوني الدولي بشكل عام، وبقانون البحار بشكل خاص. 

ب- ظلت المنطقة البحرية جنوب شرق جزيرة كريت غير مُستغلة اقتصاديًا بسبب عدم ترسيم الحدود مع مصر لعشرات الأعوام، على عكس المناطق في البحر الأيوني التي طُرحت للتنقيب غرب البلاد خلال عامي 2019/ 2020. وبدأت الشركات العالمية عمليات المسح والتنقيب فيها فعليًا، على الرغم مما تُشير إليه التوقعات بوجود كميات ضخمة من النفط والغاز في حوض شرق البحر المتوسط عمومًا. وتُظهر الخريطة التالية المناطق اليونانية الجاري فيها عمليات استكشاف وتنقيب.


ويتضح من الخريطة وجود مساحات شاسعة -مُظللة باللون البُرتقالي- من المنطقة الاقتصادية الخالصة اليونانية خالية من أنشطة التنقيب بسبب عدم ترسيم الحدود مع مصر، في حين تُشير التقديرات إلى وجود كميات ضخمة من الغاز فيها.

ج- ترسيم الحدود مع مصر يُمكّن اليونان من التحول إلى معبر للطاقة الأوروبية من ناحية الجنوب، وذلك بعد إتمام مشروع خط غاز شرق المتوسط East- Med مع كُل من إسرائيل وقبرص، والذي يستهدف نقل الغاز من الدول المُنتجة في الحوض إلى داخل أوروبا عبر الأراضي اليونانية، وما يرتبط به من الحصول على تفضيلات سعرية وتعريفات مرور تخدم الاقتصاد اليوناني. بالإضافة إلى تلقيها شحنات الغاز المصرية المُسالة من إدكو ودمياط عبر محطة Revithoussa غرب أثينا، وأخيرًا عبر الربط الكهربي بينها وبين مصر، وهي مشروعات جميعها كانت مهددة في ظل المنطقة الاقتصادية الخالصة التُركية المزعومة، والنتائج المُترتبة عليها من قطع الاتصال الجغرافي بين دول شرق المتوسط واليونان.

2- مصر

أ- يُتيح الاتفاق لمصر استكشاف المنطقة الغربية من حدود البحر المتوسط لاستخراج الثروات الموجودة بها، فبينما المنطقة الشرقية تنتشر بها الامتيازات بسبب ترسيم الحدود مع قبرص وإسرائيل، ظلت المنطقة الشرقية بعيدة كُل البعد عن الاستغلال، حيث لا تعمل الشركات الدولية في المناطق غير المُرسمة بحدود مُنضبطة غير مُتنازع عليها. 

ب- يُمكن الاتفاق مصر من استكمال مشروعها في التحول لمركز إقليمي لتداول الطاقة من خلال: 

(1) عبر تسييل الغاز من كُل من قبرص وإسرائيل ونقله للأراضي الأوروبية عبر اليونان، حيث ارتبطت مصر مع إسرائيل عبر شركة دولفيونس المصرية الخاصة من جانب وشركاتي “ديليك دريلينج” وشريكتها الأمريكية “نوبل إنرجي” باتفاق وقع أوائل العام الماضي لتصدير الغاز الطبيعي بقيمة 15 مليار دولار من حقلي “تمار” و”لفثيان”، جرى تعديله في أكتوبر 2019 بزيادة الكميات المُصدرة لتبلغ 60 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر على مدى 15 عاما من 32 مليار متر مكعب في الاتفاق الأصلي. ثم ارتبطت مصر مع قبرص باتفاقية لإنشاء خط غاز يربط بين البلدين لنقل الغاز القبرصي إلى محطات الإسالة المصرية، وقعت في العاصمة القبرصية نيقوسيا بتاريخ 19 سبتمبر 2018، وأصبحت هذه الاتفاقية سارية عقب نشرها في الجريدة الرسمية المصرية بتاريخ 5 يوليو 2019.

(2) إتمام مشروع تداول الطاقة الكهربية، والذي سيكون بدون قيمة حقيقية دون الربط مع أوروبا عبر اليونان، حيث قامت بتوقيع اتفاق للربط الكهربائي مع قبرص ومنها لليونان بما قيمته 2 مليار جنيه سنويًا، بكابل كهربي بقدرة 3000 ميجا وات ساعة، تتجه للارتفاع مع زيادة عدد الكابلات والقدرات المصرية المُتنامية في مجال توليد الكهرباء. كما تعمل على الربط الكهربائي مع السعودية بكابل قدرته 3000 ميجا وات. وأتمت بالفعل الربط الكهربائي مع السودان بقدرة تبلغ 70-220 ميجا وات ساعة. وكذلك مع الأردن بكابل كهربائي بقدرة 550 ميجا وات ساعة باعت مصر من خلاله للأردن، خلال عام 2018 ما إجماليه 188 جيجا وات.

كذلك يُتيح الاتفاق للدولتين التعاون في مجال البحث والتنقيب عن النفط والغاز، في ظل تواجد شركات يونانية ضخمة مثل Energean بالتزامن مع شركات مصرية ناشئة مثل Egas وغيرها، واحتكام الدولتين على مساحات شاسعة غير مُستكشفة برًا أو بحرًا يُمكن من خلالها تعظيم دور هذه الشركات ودفعها لتحقيق مكاسب اقتصادية تعود بالنفع على كلا الاقتصادين، اللذين يُعانيان في الوقت الحالي جراء جائحة كورونا التي تضغط بشدة على قطاع السياحة أحد الدعائم الاقتصادية الأساسية في كلا الدولتين.

خلاصة ما سبق أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية المصرية اليونانية، يأتي كخطوة استراتيجية لتعزيز التعاون القائم بين الدولتين، وذلك عن طريق حماية مصالحهما الاقتصادية الحالية المُهددة باتفاق ترسيم الحدود التُركي مع حكومة السراج في ليبيا. كما أنه يُمثل دعامة لتعزيز التعاون بينهما في المُستقبل، خاصة في مجال البحث والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، وفي تطوير العلاقات الاقتصادية المشتركة إجمالًا بين البلدين. 

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة