وحدة الدراسات الاقتصادية

العلاقات المصرية-اليونانية في إطار منتدى شرق المتوسط

تم اعتماد “منتدى شرق المتوسط للغاز” بداية العام الحالي 2020 كهيئة دولية مقرها القاهرة، وذلك بالتزامن مع اشتعال التنافس بين دول البحر المتوسط حول التنقيب واستخراج الغاز الطبيعي بالمنطقة، وذلك بهدف العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية. وهي الفكرة التي دعت لها مصر واليونان وقبرص في بادئ الأمر. وكانت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS قد ذكرت في عام 2010 أن منطقة شرق حوض البحر المتوسط قد تحتوي على ما يقدر بنحو 3.5 تريليونات متر مكعب من الغاز،…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تم اعتماد “منتدى شرق المتوسط للغاز” بداية العام الحالي 2020 كهيئة دولية مقرها القاهرة، وذلك بالتزامن مع اشتعال التنافس بين دول البحر المتوسط حول التنقيب واستخراج الغاز الطبيعي بالمنطقة، وذلك بهدف العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية. وهي الفكرة التي دعت لها مصر واليونان وقبرص في بادئ الأمر.

وكانت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS قد ذكرت في عام 2010 أن منطقة شرق حوض البحر المتوسط قد تحتوي على ما يقدر بنحو 3.5 تريليونات متر مكعب من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط. وذلك قبل أن تشير دراسات أخرى في عام 2017 إلى اكتشاف أكثر من 3 تريليونات متر مكعب من الغاز بالمنطقة، وإمكانية تضاعف هذه الاكتشافات بثلاثة أضعاف. كما أشارت شركة إيني الإيطالية المسئولة عن التنقيب في بعض مواقع الغاز المكتشفة إلى أنه قد يكون هناك فائض من الغاز يبلغ مقداره 40-50 مليار متر مكعب/ السنة متاح للتصدير. وعلى الرغم من أن المستوى الحالي من النتائج في المنطقة يصل بالكاد إلى 1.5 في المائة من موارد الغاز العالمية، إلا أنها لا تزال نسبة مهمة داخل الإقليم لاعتبارات عديدة سياسية وتجارية.

ويشمل المنتدى جميع دول شرق المتوسط بإجمالي سبعة أعضاء ما عدا تركيا التي يراها أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط بوضعها الحالي مصدرًا للتهديد.

1- بداية فكرة إطلاق المنتدى

في البداية وافقت مصر واليونان وقبرص في أكتوبر 2018 على إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، وذلك قبل أن يجتمع الوزراء المعنيون بالطاقة من الدول السبع في القاهرة يومي 14-15 يناير 2019 لمناقشة إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط ​​ EMGF بدعوة من وزير البترول المصري “طارق الملا”. وأعلن الوزراء أنهم يعتزمون احترام حقوق الأعضاء فيما يتعلق بمواردهم الطبيعية وفقًا لمبادئ القانون الدولي ودعم جهودهم للاستفادة من احتياطاتهم من النفط والغاز، وتأمين احتياجاتهم من الطاقة لرفاهية شعوبهم، موضحين التأثير الإيجابي على قطاع الطاقة وأمنه والتنمية الاقتصادية في المنطقة. 

واتفق الوزراء على أن الأهداف الرئيسية لمنتدى غاز شرق المتوسط ​​تشمل -من بين أهداف أخرى- ما يلي:

– إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال ضمان العرض والطلب، وتحسين تنمية الموارد، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية.

– ضمان العرض والطلب للأعضاء مع تحسين تنمية الموارد، وضمان الاستخدام الفعال للبنية التحتية الحالية والجديدة بأسعار تنافسية وتحسين العلاقات التجارية.

– تعزيز التعاون من خلال إقامة حوار منهجي وصياغة سياسات إقليمية مشتركة بشأن الغاز الطبيعي، بما في ذلك سياسات الغاز الإقليمية.

– تعميق الوعي بالترابط والفوائد التي يمكن جنيُها من التعاون والحوار بين الأعضاء وفق مبادئ القانون الدولي.

– دعم الأعضاء الذين لديهم احتياطيات غاز والمنتجين الحاليين للغاز في المنطقة للاستفادة من احتياطياتهم الحالية والمستقبلية من خلال تعزيز تعاونهم مع أطراف الاستهلاك والعبور في المنطقة، والاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتطوير المزيد من خيارات البنية التحتية لاستيعاب الاكتشافات الحالية والمستقبلية.

– مساعدة الدول المستهلكة في تأمين احتياجاتها، وتشجيع تعاونها مع دول العبور لتطوير سياسات الغاز في المنطقة، بما يتيح إقامة شراكة مستدامة بين الفاعلين في جميع مراحل صناعة الغاز.

– ضمان الاستدامة والاعتبارات البيئية عندما يتعلق الأمر باكتشافات الغاز والإنتاج والنقل وبناء البنية التحتية، وكذلك تحسين تكامل الغاز ومصادر الطاقة الأخرى، وخاصة الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء.

2- المنتدى يضمن حقوق الأعضاء

بعد جهود إقليمية تزعمتها مصر واليونان وقبرص، تم إطلاق المنتدى، لا سيما بعد توقيع الدول الأعضاء (مصر، واليونان، وقبرص، وإسرائيل، والأردن، وفلسطين، وإيطاليا)، بالإضافة إلى الشركات الكبرى مثل إيني وإيكسون. كما تقدمت فرنسا رسميًا بطلب للانضمام إلى المنتدى كعضو، بينما طلبت الولايات المتحدة أن تكون مراقبًا دائمًا.

كذلك، دعا وزير الطاقة اليوناني، كوستيس هاتزيداكيس، أعضاء المنتدى للعمل على ضم تركيا أيضًا شريطة احترام أنقرة للقانون الدولي، وذلك بعدما صعدت تركيا مستوى التوتر في البحر المتوسط ​​بسبب أنشطتها للتنقيب عن الغاز المشكوك فيها قانونًا قبالة الساحل القبرصي واتفاقية الحدود البحرية مع حكومة السراج الليبية، مما أثار صدامات سياسية بين تركيا ودول أخرى في المنطقة، خاصة اليونان، حيث لم تتدهور العلاقات السياسية بينهما إلى هذا المستوى منذ أواخر القرن العشرين.

ومن ناحيتها، وصفت وزارة الخارجية التركية المنتدى بأنه “مبادرة غير واقعية” بدأت “لدوافع سياسية” وتهدف إلى إبعاد أنقرة عن التنافس في التنقيب عن الغاز. كما أعلن الرئيس التركي أن بلاده ستمضي قدمًا في جهود التنقيب عن الغاز، وستبدأ الحفر في أقرب وقت ممكن هذا العام.

3- التنافس اليوناني-التركي على حقوق الغاز

هناك مخاوف متزايدة من وقوع مواجهة عسكرية بين اليونان وتركيا، وذلك في حالة مواصلة تركيا الحفر في المناطق البحرية التي تعتبرها جزءًا من جرفها القاري. بينما تعتبر اليونان، وبجانبها الدول الأعضاء بالمنتدى، تلك المطالبات التركية غير شرعية لأنها تحرم الجزر اليونانية من جرفها القاري ومياهها الاقتصادية بل والإقليمية، وهو ما قد ينتج عنه حاجة إلى التحرك لمنع انتهاك حقوق اليونان السيادية.

وقد أدانت الدول أعضاء المنتدى الاتفاقية البحرية في نوفمبر 2019 بين أنقرة وطرابلس باعتبارها تعتدي على الحقوق السيادية لبعض الدول الأعضاء في مياهها الإقليمية، خاصة اليونان. بالإضافة إلى ذلك، فإن مسألة قبرص شديدة التعقيد وذلك بسبب ما يسمى بقبرص التركية التي تضم الجزء الشمالي من الجزيرة وهي غير معترف بها دوليًّا ولا تعترف بها سوى تركيا وحدها. والواقع الموجود حاليًّا هو أن عمليات التنقيب البحثية التركية تجري دون انقطاع في المياه القبرصية. ولا يزال الاتحاد الأوروبي غير قادر على لعب دور سياسي قاطع في المنطقة، ويحاول التكيف مع الضغط الدبلوماسي لأثينا ونيقوسيا وسط تعاونه الاقتصادي المستمر مع أنقرة. وإذا وجدت السفن التركية الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، وهو ما لم يحدث بعد، فإن الأزمة ستدخل مرحلة جديدة، مع عواقب صعبة التنبؤ.

4- الدعم المصري لليونان

وسط هذه الظروف المتصاعدة، يبدو أن الحليف الأهم لليونان في هذا الصراع هو الدولة المصرية التي تصدت دبلوماسيًّا عدة مرات خلال الأعوام الفائتة للمحاولات التركية المستمرة للتنقيب عن الغاز في مناطق البحر المتوسط التي لا تمتلكها. وقد نجحت هذه الجهود بشكل كبير في تقييد وإبطاء جماح طموحات أردوغان التوسعية. كما أن الرؤى التشاركية بين الجانبين المصري واليوناني هي التي أدت إلى إطلاق المنتدى بعدما كان مجرد فكرة، ليساهم بشكل واقعي وباعتراف دولي في ضمان حقوق الدول الأعضاء. كما تُوِّجت محاولات التعاون المشترك بين مصر واليونان باتفاقية ترسيم الحدود البحرية والتي تصادمت مباشرة مع المحاولات التركية لنيل الاعتراف الدولي باتفاقيتها المثيرة للجدل بترسيم الحدود مع حكومة السراج الليبية.

5- تحديات مستقبل منطقة شرق المتوسط

لا يزال هناك العديد من العوامل التي يتوقف عليها مستقبل التعاون في منطقة شرق المتوسط من غير الممكن التنبؤ بها. إذ إن وتيرة اكتشافات الغاز بالمنطقة تتسارع، مع عدم إمكانية التحديد بصورة دقيقة للحجم الكلي لاحتياطيات الغاز الموجودة بكل إقليم من أقاليم المنطقة. كما أن عمليات التنمية والتصدير والنقل إلى القارة الأوروبية لم يتم الاتفاق عليها كلها. لكن دون شك، فإن إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط والتوقيع مؤخرًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، يفتح المجال واسعًا أمام تنمية الثروات الطبيعية واستغلالها الاستغلال الأمثل لصالح شعوبها. لكن تظل العقبة الرئيسية تتمثل في الموقف المتعنت لتركيا بعدم احترام القانون الدولي لترسيم الحدود البحرية، والعمل بشكل منفرد وفي مواجهة كافة أعضاء المنتدى، وعلى رأسهم مصر واليونان. 

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة