تونس وضرورة تغيير النظام السياسي

عضو الهيئة الاستشارية

لم ينجح البرلمان التونسي في سحب الثقة من رئيسه، راشد الغنوشي، بعدما شارك في التصويت 133 نائبا، 97 منهم أيّدوا لائحة سحب الثقة، و16 رفضوها، وتم إلغاء 18 صوتا باطلا وورقتين بيضاوين. ويشترِط النظام الداخلي للبرلمان، للتصديق على اللائحة، حصولها على أصوات 109 نواب من أصل 217، هم إجمالي عدد النواب. من خلال نتيجة هذا التصويت، يبدو أن المشهد البرلماني لم يتغير كثيرا، إذ أن من رفض منح الثقة للغنوشي عند توليه رئاسة البرلمان (94 نائبا) هم أنفسهم من صوت لسحب للثقة منه (97 نائبا). هذا يعني ان البرلمان التونسي سيعاني مستقبلا نفس الانقسامات والتجاذبات السياسية السابقة، التي لم تفرز…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

لم ينجح البرلمان التونسي في سحب الثقة من رئيسه، راشد الغنوشي، بعدما شارك في التصويت 133 نائبا، 97 منهم أيّدوا لائحة سحب الثقة، و16 رفضوها، وتم إلغاء 18 صوتا باطلا وورقتين بيضاوين. ويشترِط النظام الداخلي للبرلمان، للتصديق على اللائحة، حصولها على أصوات 109 نواب من أصل 217، هم إجمالي عدد النواب.

من خلال نتيجة هذا التصويت، يبدو أن المشهد البرلماني لم يتغير كثيرا، إذ أن من رفض منح الثقة للغنوشي عند توليه رئاسة البرلمان (94 نائبا) هم أنفسهم من صوت لسحب للثقة منه (97 نائبا). هذا يعني ان البرلمان التونسي سيعاني مستقبلا نفس الانقسامات والتجاذبات السياسية السابقة، التي لم تفرز سوى عمل برلماني متشنج، ومزيد من الصراعات والنزاعات التي يبحث أصحابها عن مراكمة المصالح الشخصية والحزبية الضيقة في بلد على حافة الانهيار. 

ما يمكن ان يشكل تغييرا بسيطا هو موقف حركة النهضة. فبعد ضمان رئيسها بقاءه على رأس ثالث سلطة في البلاد، سوف تجد النهضة نفسها مضطرة الى التعاون مع الرئيس قيس سعيد، ومضطرة لدعم رئيس الحكومة المكلف، هشام المشيشي. فهذا الحزب البرغماتي غير مستعد لانتخابات سابقة لأوانها، وهو يدرك جيدا ان فتح جبهات مع الجميع والصراع على كل الواجهات سوف يخسره المزيد من الأصوات، وسيفقده المزيد من شعبيته المتأكلة، ويضعه في مواجهة مباشرة مع المواطنين الذين يعانون تداعيات الظروف الاقتصادية والمعيشية الخانقة والأوضاع الامنية المضطربة.

فيما يتعلق بالعمل الحكومي، لا يبدو أن رئيس الحكومة المكلف سيعمل في ظروف أفضل من سابقه، بالنظر الى استمرار نفس معوقات العمل ونفس الانقسامات ونفس النظام الهجين الذي أقره دستور 2014. فهو مطلوب منه الحصول على تزكية ما لا يقل عن 109 من النواب، ما سيضطره إلى استقطاب أكبر عدد من الأحزاب وتوسيع حزام المشاركة في حكومته حتى لا تسقط بالسهولة التي سقطت بها حكومة الفخفاخ. وهذا ما سيدفعه ربما لتقديم تنازلات من خلال إرضاء الأحزاب بالقبول بترشيحاتها للمناصب الوزارية – خاصة حركة النهضة الحاصلة على الأغلبية البرلمانية – وهو ما ينذر في ظل التجاذبات الحزبية الحالية، بفشل أداء الحكومة حال تشكيلها. 

المشكلة في تونس ليست في تكليف شخصية جديدة مستقلة بتشكيل الحكومة، ولا في تشكيل حكومة تكنوقراط، ولا حتى في حكومة سياسية منفتحة على أكبر قدر ممكن من الأحزاب. والحل ليس في اسقاط رئيس البرلمان او في إجراء انتخابات سابقة لأوانها. المشكلة الأساسية في وجود نظام انتخابي ونظام سياسي هجين لم ولن يفرز سوى التنافس وتنازع الاختصاصات بين رئيسي الدولة ورئيس السلطة التنفيذية، وبين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبسبب هذا النظام فكل الحكومات التي يفرزها ستكون هشة وغير مستقرة، ولن تكون لها اي قدرة على الصمود، وسرعان ما ستنهار بمجرد نشوب خلافات بين مكوناتها. 

يعتمد النظام الانتخابي التونسي على نظام القائمة النسبية، مع اعتماد أكبر البواقي (جمع باقي)، أي أن الانتخابات تتم على مستوى كل دائرة حيث يتم فيها حصر إجمالي عدد الأصوات التي تتحصل عليها كل قائمة في الدائرة ليقسم على عدد المقاعد في تلك الدائرة الانتخابية. ويقوم النظام السياسي على نظام تشاركي يحد من هيمنة رئيس الجمهورية ويعطي للحزب الحاصل على أغلب مقاعد البرلمان الحق باختيار رئيس الحكومة. ويوزع الحكم بين رأسي السلطة التنفيذية، ويترك بعض الصلاحيات غير واضحة مما يخلق أزمة بينهما. وقد جاء هذا النظام السياسي نتيجة توازنات أفرزتها الانتخابات الماضية، وأيضا نتيجة اقتناع حركة النهضة، المؤثرة في الحياة السياسية التونسية، انه لن يكون في استطاعتها انتزاع المنصب الرئاسي لصالحها؛ لكنه لم يأخذ في الحسبان الأزمات التي قد تظهر داخل السلطة التنفيذية، مما أدى مع اول صدام إلى تعارض في المواقف وتعطيل دواليب الدولة.

أمام الصورة المزرية التي وصل إليها البرلمان والرغبة في الاستحواذ عليه، ووعيا منه بثغرات النظام السياسي القائم، قال الرئيس التونسي في خطاب تكليف رئيس الحكومة الجديد، إنه “يحترم الشرعية، لكن آن الأوان لمراجعتها حتى تكون بدورها تعبيرا صادقا وكاملا عن إرادة الأغلبية”. وقبل انتخابه رئيسا عرف عن قيس سعيد انتقاده الدائم للنظام السياسي الحالي وللمشهد البرلماني برمته، وتبنيه مشروع “الديمقراطية المباشرة”، التي تنطلق من إرادة الشعب عبر تركيز المجالس المحلية.

تمر تونس من لحظة سياسية حاسمة تستدعي تغيير شكل النظامين الانتخابي والسياسي بشكل يضمن توازن السلطات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتوضيح صلاحيات كل واحد منهما، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية تجعله في وضع مساواة مع البرلمان. وتصريحات الرئيس التونسي الأخيرة تكرس هذا التوجه. وإذا نجح في الحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب سيتم عرض التعديل على الاستفتاء الشعبي الذي سيكون له الحسم في إرساء نظام سياسي جديد (رئاسي ديمقراطي) يضمن استقرار تونس وتوازنها السياسي. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس 6 أغسطس 2020. 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب