وحدة الدراسات الاقتصادية

كورونا يدفع أسعار الذهب للارتفاع

حققت أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة زيادات قياسية لتسجل أعلى سعر لها منذ تسعة أعوام. إذ ارتفعت قيمة الذهب في النصف الأول من عام 2020 بنحو 25% عن أدنى مستوى له في شهر مارس. وتفوق الذهب بشكل ملحوظ على جميع فئات الأصول الرئيسية الأخرى. وخلال شهر يوليو، استمرت المؤشرات في الارتفاع حتى وصلت إلى أعلى مستوياتها عبر التاريخ الحديث ليتعدى السعر حاجز 1900 دولار للأونصة، في حين سجلت الفضة أعلى مستوى خلال 4 سنوات بعدما أدى الارتفاع الكبير في عدد حالات الإصابة بـ(كوفيد-19) ونمو الآمال في مزيد من إجراءات التحفيز إلى زيادة الطلب على الملاذات الاستثمارية الآمنة، ومنها شراء الذهب.…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

حققت أسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة زيادات قياسية لتسجل أعلى سعر لها منذ تسعة أعوام. إذ ارتفعت قيمة الذهب في النصف الأول من عام 2020 بنحو 25% عن أدنى مستوى له في شهر مارس. وتفوق الذهب بشكل ملحوظ على جميع فئات الأصول الرئيسية الأخرى. وخلال شهر يوليو، استمرت المؤشرات في الارتفاع حتى وصلت إلى أعلى مستوياتها عبر التاريخ الحديث ليتعدى السعر حاجز 1900 دولار للأونصة، في حين سجلت الفضة أعلى مستوى خلال 4 سنوات بعدما أدى الارتفاع الكبير في عدد حالات الإصابة بـ(كوفيد-19) ونمو الآمال في مزيد من إجراءات التحفيز إلى زيادة الطلب على الملاذات الاستثمارية الآمنة، ومنها شراء الذهب. وانعكس ارتفاع سعر الذهب العالمي على سعر الذهب في السوق المصري. إذ وصل سعر الجرام عيار 18 إلى نحو 750 جنيهًا، وسجل الذهب عيار 21 حوالي 875 جنيهًا، ووصل سعر الجرام عيار 24 إلى 1000 جنيه. وبلغت قيمة الجنيه الذهب 7000 جنيه. ورغم هذا التطور الفجائي، فتاريخيًّا لم تكن تلك السابقة هي الأولى لهذا النوع من الصعود في الأسعار؛ إذ سبق لسعر الذهب التزايد بهذا الأسلوب في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بالإضافة للارتفاع الذي شهده خلال السنوات اللاحقة للأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008.

شكل رقم (1): تطور أسعار الذهب خلال الأعوام العشرة الأخيرة (دولار للأونصة)

الظاهرة عبر التاريخ

تاريخيًّا، حقق الذهب عوائد إيجابية في كل من الأوقات الجيدة والسيئة اقتصاديًّا على السواء. وخلال ما يقرب من نصف قرن، ارتفع سعر الذهب بمتوسط ​​14.1% سنويًّا منذ عام 1973 بعد انهيار بريتون وودز، وفصم العلاقة التي تربط الدولار الأمريكي بالذهب. وكان الذهب قد سجل في يناير 1980 سعرًا قياسيًّا عندما وصل إلى 850 دولارًا للأونصة. إلا أنه عاود الانخفاض بعدها وظل ثابتًا عند مستوى (300-400) دولار لبضع سنوات قبل البدء في الصعود مرة أخرى إلى مستويات جديدة. إذ دفع التضخم المرتفع، ومشاكل التأمينات الأمريكية في السبعينيات، وأسعار النفط القوية، والتدخل السوفيتي في أفغانستان، فضلًا عن تأثير الثورة الإيرانية، المستثمرين إلى شراء المعدن بكثافة. 

أما في المرة الثانية، فقد ارتفع السعر من 800 دولار للأونصة في أوائل عام 2009 إلى ما يزيد على 1900 دولار في خريف عام 2011، فيما يُعد أكبر فقاعات الاستثمار في الذهب على الإطلاق. إذ نتج عن تلك الزيادة ثقة زائدة من قبل المستثمرين، بعضها مدفوع بأجندات سياسية قائمة على توقع أن أسعار الذهب ستصل إلى 3000 دولار، وحتى 5000 دولار في غضون سنوات. لكن الأسعار تراجعت بسرعة بعدها، حتى انفجرت الفقاعة وتهاوت أسعار الذهب إلى نحو 1200 دولار بحلول نهاية عام 2013.

وتثير هذه السيناريوهات التاريخية المخاوف لدى المستثمرين والمضاربين، إذ يرى البعض أن كسر سعر الذهب حاجز 1900 دولار للأونصة بالعام الحالي 2020 قد يكون مجرد فقاعة مرة أخرى، أي مجرد تكرار للارتفاع المؤقت السابق.

أسباب تؤدي لارتفاع سعر الذهب

هناك عدة أسباب تزيد من احتمال التأثير على سرعة صعود قيمة الذهب: 

1- ميل أسعار الذهب إلى الارتفاع عندما تكون هناك مخاطر اقتصادية ومالية وجيوسياسية خطيرة في الاقتصاد العالمي. ففي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، كانت سلامة الودائع المصرفية والسندات الحكومية موضع شك بالنسبة لبعض المستثمرين. وحينها لجأ المستثمرون لتخزين ما يُمكن تخزينه من الأصول ذات القيمة. لكن حتى في أثناء هذه الأزمات، قد يكون الاستثمار في الذهب ضعيفًا. ففي ذروة الأزمة المالية العالمية في عامي 2008-2009، انخفضت أسعار الذهب بشكل حاد عدة مرات.

2- التطبيق المتكرر لسياسات التيسير الكمي؛ إذ عندما تلجأ البنوك المركزية إلى هذه السياسات مع انتشار حالة من الخوف وعدم الاستقرار في الأسواق المختلفة، تزداد قيمة الذهب طرديًّا بالتوازي، خاصة إذا ما كانت أسعار الفائدة منخفضة في الوقت نفسه.

3- التضخم، حيث يكون أداء الذهب أفضل عندما يكون هناك خطر ارتفاع التضخم، فعندما يكون التضخم مرتفعًا، تنخفض قيمة العملة الورقية من حيث السلع والخدمات التي يمكن شراؤها، فيزداد الطلب على الذهب مع زيادة التضخم، والعكس صحيح.

4- على عكس الأصول الأخرى، لا يوفر الذهب أي دخل، في حين تحقق الأسهم أرباحًا، والسندات لديها كوبونات، والمنازل توفر الإيجارات، لكن الاستثمار في الذهب هو مجرد مضاربة على مكاسب رأس مالية. ففي حالة الاقتصاد المعافَى، يتم الاقبال أكثر على الاستثمار في الأصول المخاطرة التي توفر دخلًا عوضًا عن الذهب، وفي حالة تضرر قطاعات البورصة والعقارات يحدث العكس.

وهناك عدة أسباب أخرى تتعلق بالسياسات التجارية العالمية والديون وحجم احتياطي الذهب للدول.. إلخ. 

الزيادة الأكبر على الإطلاق عام 2020

مع بروز جائحة كورونا وتأثيرها القوي على الاقتصاد العالمي، شهد العالم سلسلة من التطورات التي تُقدم مزيجًا مثاليًّا لدفع أسعار الذهب بشكل غير معهود. فقد استفاد الذهب من انخفاض أسعار الفائدة عالميًا، وذلك بالتزامن مع خفض البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم للعوائد على السندات الحكومية التي انخفضت إلى الصفر أو سجلت معدلات سالبة، وهو ما جعل الذهب أكثر جاذبية للاستثمار فجأة. إضافة إلى ذلك، فقد أشعل الارتفاع الكبير في الديون المخاوف بشأن ما إذا كانت الحكومات ستكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وما إذا كان سيتم تسييل تلك الديون تدريجيًّا عن طريق تخفيض قيمة العملات المختلفة.

ومع ازدياد تأثير أزمة كورونا، وعدم إيجاد لقاح بصورة سريعة، والغلق الجزئي أو الكامل في معظم الدول؛ توجّه المستثمرون إلى الذهب كأقل أنواع الاستثمارات مخاطرة بعيدًا عن القطاعات التقليدية المتضررة. كما أدّى انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى إلى تكالب المستثمرين على زيادة الطلب على الذهب وذلك لانخفاض سعره مقومًا بالعملات الأخرى، لأن الذهب مقوّم بالدولار. ونظرًا لعودة تفجر تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة، فمن المحتمل أن ينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي سلبًا ويزيد من احتمالات زيادة الإنفاق/ الاقتراض الحكومي الأمريكي، لذا يبدو من المرجّح أنه سيكون هناك المزيد من ضعف الدولار وتمديد فترة ارتفاع سعر الذهب.

ومع تزايد قلق المستثمرين بشأن القوة الشرائية للدولار الأمريكي، دفع الوباء حكومة الولايات المتحدة إلى اقتراض مبالغ ضخمة لدعم اقتصادها، بينما أمرت الشركات بالإغلاق، وتم الاستغناء عن كثير من العاملين. وقد تكون كلفة هذا الاقتراض رفع الضرائب في المستقبل أو طباعة الأموال، وفي كلتا الحالتين، سيكون الاستثمار في الذهب أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالدولار، لأن الاستثمار في الذهب للحفاظ على قوته الشرائية سيساهم في جعل بعض المستثمرين يرغبون في أن يكون بمثابة نوع من بوليصة التأمين في ظروف الاضطراب الاقتصادي.

مستقبل الظاهرة

يرى العديد من محلّلي سوق الذهب أن الأسعار قد تُواصل الارتفاع حتى منتصف عام 2021 أو حتى 2022، ذلك أن العوامل الأساسية، مثل انخفاض أسعار الفائدة، بل وتسجيلها معدلات سلبية في بعض الاقتصادات، وكمية السيولة الهائلة، والسياسات المالية التوسعية للحكومات في محاولتها لدفع النمو وسط أزمة (كوفيد-19)؛ من المتوقع أن تدفع الأسعار إلى الارتفاع. 

ورغم أن هناك توقعات بعودة دول العالم إلى تبني قاعدة الذهب، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم، وصعود الذهب كمنافس قوي للدولار عندما يتعلق الأمر بالاحتياطات؛ إلا أن هذه التنبؤات تعتبر غير واقعية حتى وقتنا هذا. ويبقى التحسن في الأوضاع مرهونًا بمدى سرعة التحكم بانتشار الفيروس الذي لا يزال مؤثرًا رغم الإجراءات الوقائية التي أبطأت من انتشاره وحدت من خطورته، أو التوصل إلى لقاح.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة