وحدة الدراسات العربية والإقليمية

زيارة الرئيس “ماكرون” للبنان.. السياق والدلالات

شأنها شأن أغلب مبادرات الرئيس الفرنسي “ماكرون”، تفرض زيارته للبنان السؤال التالي: هل هي ضربة فاعلة تحرك الموقف بما يخدم مصالح فرنسا ولبنان وبعض الدول الأخرى؟ أم أنها تعبير ساذج عن حسن النوايا؟ رغم رفعها معنويات عدد كبير من اللبنانيين، أم هي حركة مسرحية ترمي إلى تحسين صورة الرئيس “ماكرون” على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية؟ وإلى جانب هذا السؤال، فإن الزيارة تثير أسئلة أخرى، منها: هل هناك مخرج من الوضع الراهن في لبنان؟ وما هو؟ وما هي أهداف فرنسا؟ وهل يمكن تحقيقها في ظل موازين القوى أو الضعف الحاليين؟ وهل ستنجح فرنسا في حشد المجتمع الدولي لإنقاذ لبنان؟ ومن الذي…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

شأنها شأن أغلب مبادرات الرئيس الفرنسي “ماكرون”، تفرض زيارته للبنان السؤال التالي: هل هي ضربة فاعلة تحرك الموقف بما يخدم مصالح فرنسا ولبنان وبعض الدول الأخرى؟ أم أنها تعبير ساذج عن حسن النوايا؟ رغم رفعها معنويات عدد كبير من اللبنانيين، أم هي حركة مسرحية ترمي إلى تحسين صورة الرئيس “ماكرون” على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية؟ وإلى جانب هذا السؤال، فإن الزيارة تثير أسئلة أخرى، منها: هل هناك مخرج من الوضع الراهن في لبنان؟ وما هو؟ وما هي أهداف فرنسا؟ وهل يمكن تحقيقها في ظل موازين القوى أو الضعف الحاليين؟ وهل ستنجح فرنسا في حشد المجتمع الدولي لإنقاذ لبنان؟ ومن الذي يمكنه استغلال الوضع الحالي، وكيف؟.. إلخ. 

ومن المبكر جدًّا الإجابة عن كل هذه الأسئلة، لكن من الممكن حصر ما هو ممكن وما هو غير ممكن، وطرح بعض السيناريوهات، وإلقاء الضوء على موقف ودوافع فرنسا.

دوافع فرنسية

المصالح الموضوعية الفرنسية ليست كثيرة، ذلك أن لبنان ليس شريكًا اقتصاديًّا أو عسكريًّا يعتد به، وموقعه الاستراتيجي لا يعزز ولا يهدد مصالح فرنسا، إلا إذا اعتبرنا أن فرنسا لها مصلحة في منع إيران أو غيرها -الصين تحديدًا- من إيجاد موطئ قدم في البحر المتوسط. في المقابل، تظل مصالح فرنسا في لبنان ذات طابع تاريخي وثقافي ورمزي. 

بين فرنسا ولبنان -على الأقل بين فرنسا والموارنة- علاقات تاريخية مهمة دامت قرونًا. ولعبت فرنسا دورًا رئيسًا في تأسيس لبنان. وهناك ربع مليون لبناني في فرنسا، إلى جانب الفرنسيين من أصل لبناني. وفي نخبة الحكم الفرنسية عدد من الكوادر يعرفون لبنان جيدًا. على سبيل المثال، فإن مدير المخابرات الحالي، ومستشار “ماكرون” الدبلوماسي، كانا سفيرين في لبنان. وعندما زار الرئيس “ماكرون” واشنطن كان هناك باحث لبناني في بعثته. كما أن أشهر رجال أعمال فرنسا “كارلوس غصن” لبناني. كان “رفيق الحريري” من الأشخاص المقربين إلى الرئيس “شيراك”. وقال بعض السفراء إن “شيراك” كان يستشير “الحريري” قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالعالم العربي، ونسبوا موقف “شيراك” السلبي من الشيعة إلى تأثير “الحريري”. أضف إلى ذلك الدور المهم الذي تلعبه المدارس الفرانكفونية وكلية القديس يوسف في تكوين النخب اللبنانية. 

هذه فقط بعض الأمثلة. وفي إطار علاقات تاريخية بهذا العمق والامتداد لا بد أن تكون هناك لحظات تململ؛ فهناك كوادر فرنسية ترى أن اللبنانيين يريدون دائمًا من فرنسا أن تصلح ما أفسدوه. سمعت هذا الكلام في عقد الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وفي العقدين الأخيرين. بالطبع، يمكن القول إن تأثير فرنسا قد تراجع مع تراجع حصة المسيحيين داخل النظام اللبناني، لكنه ما زال مهمًّا ومتنوعًا.

لبنان هي إحدى الساحات القليلة التي تستطيع فيها فرنسا لعب دور القوة العظمى؛ فلها أدوات ونفوذ ورصيد من المشاعر الإيجابية، ولبنان لا يهم الولايات المتحدة وروسيا إلا فيما ندر. من ناحية أخرى، هناك تقليد دبلوماسي رئاسي فرنسي يقوم على نصرة المظلوم والتواجد الجسدي بجواره بطريقة مفاجئة وجاذبة للأنظار، وبمبادرات تنم عن شجاعة كبيرة لرأس الدولة، رغم عدم وجود مصالح مادية حالة ومباشرة للدولة الفرنسية. الأمثلة كثيرة على ذلك، منها زيارة الرئيس “ميتران” لسراييفو، معقل مسلمي البوسنة، وهي محاصرة. وللرئيس “شيراك” موقف شهير في القدس، حيث اشتبك شخصيًّا مع الشرطة الإسرائيلية. وها هو “ماكرون” يتجول في شوارع بيروت مع حراسة رمزية (وحتى وإن فضّل التجول في الأحياء المسيحية). 

خصوصية “ماكرون”

علينا أن نشير إلى مدركات وأسلوب عمل الرئيس “ماكرون” في الملفات الدبلوماسية، فهو يميل إلى تهميش وزارة الخارجية كجهاز، ويشرف بنفسه على الملفات مع الفريق الدبلوماسي في قصر الرئاسة. وقد يستشير باحثين أو سفراء (حاليين أو سابقين) وأصحاب مصلحة. وهو يعتمد كثيرًا على دبلوماسية “المسار الثاني”، ويفضل أسلوب المفاجآت. بدا ذلك واضحًا -على سبيل المثال- عندما أعلن في نوفمبر ٢٠١٨ عن مشروع “جيش أوروبي” دون أن يستشير الجهات المعنية الفرنسية أو الأوروبية، وعندما دعا السيد “جواد ظريف” إلى قمة العشرين دون إخطار سابق للرئيس “ترامب”. ولم يتغير هذا الأسلوب رغم أنه لم يحقق نتائج كثيرة. 

ويرى “ماكرون” أن اللحظة سانحة لفرنسا لتلعب دورًا أكبر في العالم، خاصة في ضوء عدم رغبة إدارة “ترامب” في تحمّل أعباء ريادة وضبط النظام الدولي، وخصوصية اللحظة السياسية التي تمر بها المستشارة “ميركل” التي تختم تاريخها السياسي، وحيث تقلل آليات عمل الدولة الألمانية من حرية حركتها ومن قدرتها على اتخاذ قرارات سريعة، فضلًا عن أزمة معضلة بريكزيت بالنسبة للمملكة المتحدة. وموضوعيًّا تميل الولايات المتحدة إلى إهمال مصالح دول جنوب أوروبا، وتعادي ألمانيا بوصفها “راكبًا لا يدفع تذكرة”. 

كل هذا يخلق وضعًا يمكن لفرنسا أن تأخذ فيه زمام المبادرة، وتحرك ملفات وتثير نقاشات.. إلخ. لهذه المقاربة مزايا وعيوب. وتلعب الخصال الشخصية للرئيس الفرنسي دورًا في تعقيد الصورة؛ فهو بالغ الذكاء، ولديه قدرة على العمل وذاكرة هائلتان، ولكنه -شأنه شأن ترامب- عصبي لا يستطيع السيطرة على مفرداته، مما يرتب له عداوات لا مبرر لها، ويعطي في الكثير من الأحيان انطباعًا بأنه يستغل مناظريه. ويبدو أيضًا أن مهاراته في إدارة الملفات ذات الطبيعة الأمنية أقل من غيرها، وأنه لا يتعلم من أخطائه.

فيما يتعلق بلبنان، من المؤكد أن الرئيس الفرنسي “ماكرون” لم يتشاور مع نظرائه؛ إذ قال -على سبيل المثال- أثناء وجوده في بيروت إنه سيبدأ فور عودته إلى بلاده مشاورات لتنظيم مؤتمر دولي لدعم لبنان على وجه السرعة. ورجّحت المصادر الفرنسية أنه لم يتكلم مع أحد، وتساءلوا إن تسبب هذا في إضعاف موقفه أم لا؟ وقلل سفير سابق من أهمية الطابع الانفرادي لتحرك “ماكرون”، قائلًا إن مطالب صندوق النقد والمجتمع الدولي معروفة.. وإن الكل -شأنهم شأن الشعب اللبناني- مستاء جدًّا من أداء النخب السياسية اللبنانية، ويرى فيها طبقة عاجزة فاسدة تسببت في انهيار لبنان. ويقول خبير في جغرافيا سياسية إن مقاربة “ماكرون” تُحرك المياه الراكدة، وهذا هو المطلوب.

يقول صحفي فرنسي مطلع، إن لقاء “ماكرون” مع زعماء القوى السياسية اللبنانية كان عاصفًا. ووفقًا له، قال “ماكرون” لهم: “نعلم أنكم تقبضون وتعلمون أنني أعلم”. وأضاف أنّه ملّ من تهربهم الدائم من الرد على الأسئلة ومن تحمل المسئولية. ويبدو أنه لوّح أيضًا بعقوبات دولية ضد بعضهم، وعيّرهم قائلًا: “أنا قادر على التجول في شوارع لبنان دون حراسة، وأنتم لا تستطيعون”. وقال صحفيون إنه عنّف مسئولين عن الميناء أمام الجمهور.

ملاحظات مهمة

في ضوء الاعتبارات والمعطيات السابقة، نطرح فيما يلي مجموعة من الملاحظات حول الوضع الراهن في لبنان: 

1- هناك روشتة اقتصادية جاهزة للإصلاح في لبنان وضعها صندوق النقد الدولي في عام ٢٠١٨، ولم توافق عليها الأطراف اللبنانية. هذه الروشتة تركز أساسًا على الإصلاح المالي والبنكي، في ضوء مركزية قطاعي البنوك والسياحة داخل الاقتصاد اللبناني، قبل أن ينهارا شأنهما شأن العملة اللبنانية. كل هذا تسبب في تراجع ضخم لقدرة اللبنانيين الشرائية وللنشاط الاقتصادي. ففي شهر يونيو الماضي بلغ التضخم ٩٠٪، وفي شهر مايو ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة بلغت ٥٥٪ مقارنة بالشهر السابق عليه. ولعب التوتر مع إسرائيل وضعف أداء مرافق الدولة، لا سيما في قطاعات الصحة والكهرباء من ناحية وأزمة الكوفيد من ناحية أخرى، دورًا في التعجيل بالكارثة. الحكومة اللبنانية تأمل في الحصول على ١٠ مليارات دولار من الصندوق، بجانب ١١ مليارًا أخرى من الجهات المانحة، لكنها لم تقم بأي إصلاح ذي مغزى إلى الآن. ويقول بعض المراقبين إن الإصلاح البنكي لن يؤذي “حزب الله” الذي لا يعتمد على البنوك في التمويل، ولكنه يشكل خطرًا على بعض حلفائه مثل “نبيه بري” وبعض السياسيين المسيحيين.

2- قبل الانفجار أجمع كل المراقبين على اعتبار النظام السياسي اللبناني، ومعه أداء كل النخب اللبنانية، أهم أسباب المشكلة. وكرر “ماكرون” هذا التشخيص عندما تفاعل مع الشارع اللبناني، وعند لقائه مع القادة اللبنانيين، لكنه كان أكثر حرصًا في تصريحاته الرسمية وفي المؤتمر الصحفي. وفي تفاعله مع الجماهير قال إنه سيحرص على ضمان وصول المساعدات والدعم إلى الشعب لا إلى جيوب النخبة. ومنذ عامين يشدد أغلب المراقبين على ضرورة إيجاد آليات تضمن الشفافية وحسن استخدام المساعدات، لكن هذا الشرط المفهوم يسمح للمعارضين بالتنديد بالسعي إلى “وضع لبنان تحت الوصاية”.

3- الانفجار تسبب في غلق قد يكون نهائيًّا لميناء بيروت، وهو رئة مهمة للاقتصاد اللبناني. وهناك أزمة تموين للسلع الغذائية تلوح في الأفق نتيجة لهذا الغلق. والسؤال: هل سيوثر ذلك على موازين القوى الداخلية؟

4- هناك سؤال آخر مهم: هل ستحاول الأطراف المختلفة توظيف الكارثة الأخيرة؟ وكيف؟ قد ترى النخب اللبنانية في المأساة فرصة لطلب مساعدات دون شروط، لا سيما أن الإصلاحات الجادة تتطلب وقتًا غير متاح نظرًا لكارثية الوضع. وقد ترى الحكومات الغربية في الظرف الجديد فرصة لزيادة الضغوط من أجل إصلاحات هيكلية عميقة، لا سيما أن غضب الشعب اللبناني ضد نخبه بات واضحًا ومسموعًا. هناك سيناريو محتمل وهو الجمع بين مساعدات عاجلة غير مشروطة ومساعدات مشروطة ما لم يحدث تدهور في الوضع القائم. ويلاحظ أيضًا أن أغلب القوى الغربية متململة من لبنان الذي نال من المساعدات ما نال دون طائل، ولا تريد تحمل أعباء النهوض به. 

5- العلاقات بين “حزب الله” وفرنسا مكون مهم في المعادلة. ويلاحَظ أن فشل الحكومة اللبنانية الحالية هو فشل لحزب الله المهيمن عليها. ويلاحظ أن “حزب الله” له أدوات ضغط على فرنسا وغيرها ليس أقلها وجود ٧٠٠ جندي فرنسي في قوات حفظ السلام، وهم غير مسلحين بالقدر الكافي، وهي قوات منتشرة في منطقة نفوذ “حزب الله”. وينادي الحزب منذ أشهر بضرورة “نسيان الغرب” والتوجه شرقًا، والاعتماد على الصين التي لا تطالب بإصلاحات سياسية. وليس واضحًا إن كان هذا الموقف مناورة للضغط على الغرب أم توجه صادق. ويلاحظ أيضًا أن علاقات فرنسا بإيران أقل سوءًا من علاقات باقي الدول الغربية بطهران، وقد تنجح في التوصل إلى تفاهمات معها، لكن المشكلة أن فرنسا تحتاج إلى دعم مالي خليجي قوي لأنها لن تستطيع تحمل فاتورة إصلاح لبنان لوحدها. بمعنى آخر، يبدو أن هناك معضلة، إذ لن يستمر الدعم المالي الغربي والخليجي بدون إصلاحات سياسية تضر بحزب الله وحلفائه. ومن الصعب التوصل إلى صيغة تسمح بالجمع بين تفاهمات مع “حزب الله” وإيران واستمرار الدعم. 

6- تبقى مشكلة التوتر مع إسرائيل، حيث يُجمع المراقبون على أن الانفجار الأخير خفض التوتر، وخلق وضعًا لا يمكن التصعيد فيه. ونرى أن هذا هو الأرجح، لكن لا نستبعد سيناريوهات أسوأ، قد يتسبب فيها خطأ في الحساب أو رغبة في دفع القوى الدولية في التدخل.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية