استعادة القدرة على الحلم

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

في حديثه عند افتتاح مدينة صناعة الأثاث في دمياط، قبل عدة شهور، لاحظ الرئيس السيسي تواضع مستوى الأداء، وأن الإنجاز المتحقق أقل من الإمكانيات الكامنة، فالمصانع في مدينة صناعة الأثاث الجديدة تنتج بأذواق ومستوى جودة محلية، فيما يحلم الرئيس بتحويل مدينة أثاث دمياط إلى مركز لتصدير أثاث ذا ذوق رفيع وجودة فائقة. شرح الرئيس رؤيته قائلا إن “الحلم اللي عندي هو العالمية”، وأعقب ذلك بتساؤل استنكاري، ينطوي على استهجان تواضع الرؤية والأداء، فتساءل: “هي الناس بطلت تحلم ولا إيه”؟ هذه الكلمات القليلة تمثل مفتاحا لرؤية الرئيس السيسي، وتمثل أيضا مفتاحا لفهم مأزق احتجاز النهضة المصرية وتأخرها، رغم كل الجهود المبذولة. …

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

في حديثه عند افتتاح مدينة صناعة الأثاث في دمياط، قبل عدة شهور، لاحظ الرئيس السيسي تواضع مستوى الأداء، وأن الإنجاز المتحقق أقل من الإمكانيات الكامنة، فالمصانع في مدينة صناعة الأثاث الجديدة تنتج بأذواق ومستوى جودة محلية، فيما يحلم الرئيس بتحويل مدينة أثاث دمياط إلى مركز لتصدير أثاث ذا ذوق رفيع وجودة فائقة. شرح الرئيس رؤيته قائلا إن “الحلم اللي عندي هو العالمية”، وأعقب ذلك بتساؤل استنكاري، ينطوي على استهجان تواضع الرؤية والأداء، فتساءل: “هي الناس بطلت تحلم ولا إيه”؟ هذه الكلمات القليلة تمثل مفتاحا لرؤية الرئيس السيسي، وتمثل أيضا مفتاحا لفهم مأزق احتجاز النهضة المصرية وتأخرها، رغم كل الجهود المبذولة. 

للرئيس السيسي رؤية وحلم يتركز في التنمية بأفق ومعايير عالمية، وفي هذا يتميز السيسي عن القادة الذين توالوا على حكم مصر منذ دخلنا العهد الجمهوري. كان للزعيم عبد الناصر رؤية وحلم متعدد الأبعاد يشمل الاستقلال والتحرر من الاستعمار والزعامة الإقليمية والعدالة الاجتماعية. انشغل الرئيس السادات بتحرير الأرض المحتلة؛ فيما أدار الرئيس مبارك البلاد بمبدأ السلامة والاستقرار أولا. الرئيس السيسي يحلم بالبناء والنهضة أولا وثانيا وثالثا، وبعد ذلك تأتي الأشياء الأخرى، وهو يسعى وراء هذا الحلم بدأب وتركيز، فلا يسمح للمستجدات بتشتيت انتباهه بعيدا عن الهدف.

الامتياز والعالمية هي المعيار والمقياس الذي يتبناه الرئيس لعملية تنمية مصر، وهو في هذا يشبه البنائين الكبار، الذين أقاموا النهضة في بلاد مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان. فالطرق التي يتم شقها في مصر الآن ليست مجرد شوارع مرصوفة، ولكنها طرق عالية الجودة بمعايير عالمية. المساكن التي يتم بنائها لإسكان الفقراء القادمين من العشوائيات الخطرة ليست مجرد مساكن شعبية، لكنها مجتمعات متكاملة، فيها ما يلزم من مؤسسات الرعاية والتنشئة. المدن الجديدة هي نماذج لحداثة عمران القرن الواحد والعشرين في التصميمات والبنية التحتية والاستخدامات والإدارة ووسائل النقل؛ مشروعات الزراعة المحمية تطبق أحدث تكنولوجيا إنتاج حاصلات عالية الجودة، تدخل بسهولة إلى أسواق العالم المتقدم، التي لا تتهاون في أمان وجودة الغذاء. 

عندما يتساءل الرئيس باستنكار عما إذا كان الناس قد توقفوا عن الحلم، ففي تصريح الرئيس ما يوحي بشعوره بوجود مسافة بين طريقة تفكيره، والطريقة التي تفكر بها مكونات في الدولة والمجتمع. لدى الرئيس رؤية تثمن الأفكار غير التقليدية؛ والإصلاح الشامل العميق؛ وتعمل لتحقيق التقدم على جبهات متعددة بشكل متزامن؛ وتحرص على الامتياز في التصميم والتنفيذ والتشطيب؛ وتتطلع إلى مستويات الأداء العالي في العالم الأكثر تقدما؛ وتسعى لتحقيق كل ذلك بإيقاع سريع، بعد أن أهدرنا عقودا طويلة في التهرب من الإصلاح، فزادت مشكلاتنا تعقيدا، فيما حققت دول نامية كثيرة طفرات تنموية مبهرة. 

هناك فجوة بين أداء الرئيس وطريقة تفكيره، وبين أساليب الأداء والمعايير السائدة في أروقة الجهاز البيروقراطي، وفي أوساط كثير من فئات المجتمع، خاصة في الوسط الاجتماعي التقليدي المحافظ، الذي يمثل التيار العام في المجتمع. فبدلا من تقدير الرئيس للأفكار المبتكرة، تفضل البيروقراطية والوسط الاجتماعي المحافظ ما هو شائع ومعتاد من الأفكار وأساليب العمل، رغم أن اختبار هذه الأساليب في الماضي لم يقد سوى إلى نجاح محدود. في مقابل الإصلاح الشامل العميق، يفضل التقليديون في البيروقراطية والمجتمع تسكين المشكلات، وترقيع ما هو قائم بدلا عن تغييره. في مقابل الإسراع في الإصلاح والتنمية على كافة الجبهات، يفضل التقليديون التدرج البطيء ولو لم يكن كافيا لحلحلة المشكلات. في مقابل المعايير العالمية والامتياز في التصميم والتنفيذ، فإن التقليديين غارقين في المحلية، محرومين من الطموح للخروج من إسارها، لتجاوز مستويات الأداء العادي، الذي يكفي بالكاد لإنقاذ البلاد من الغرق، لكنه لا يكفي بالمرة للتحليق بها في آفاق التقدم. 

الارتفاع بقيم وثقافة وطموحات المجتمع لمستوى الرؤيا التي يتبناها الرئيس هي عملية تاريخية طويلة، تتطلب الكثير من الجهد والتعاون بين مؤسسات عدة؛ لكن الأمر مختلف مع الجهاز الإداري، فالمطلوب هو إصلاح الجهاز الإداري للدولة، ورفع مستويات أدائه، ليتحول من عبء على التنمية، يشكو منه المواطنون والمسئولون على حد سواء، إلى رصيد ورافعة للتنمية. المطلوب هو تحويل الجهاز الإداري من ضعف الإنتاجية ونقص الجودة، ليصبح قاطرة للنمو، ومركزا للامتياز، ونموذجا للأداء الفائق، فيكف عن أن يكون مؤسسة محافظة، بطيئة، جامدة، متوسطة الأداء، كما يكف عن أن يكون بؤرة تجذب محدودي الطموح، الذين لا يحلمون بأكثر من المرتب يتسلمونه في نهاية الشهر، ليتحول إلى نقطة التقاء أصحاب المواهب الطموحين، الذين يحملون حلما كبيرا لمصر، ولا يكفون أبدا عن ملاحقة هذا الحلم. 

سيظل الجهاز الإداري هو المسئول الأول عن الحفاظ على انتظام واستدامة الأداء، والمطلوب هو رفع مستوى الأداء المعتاد لجهاز الدولة من العادي المتوسط، إلى الامتياز والاتقان. وكتدريب على الروح والطريقة الجديدة، لماذا لا تتولى أجهزة الإدارة، كل في مجاله، تأسيس وإدارة مشروعات قليلة ممتازة، تختلف عن السائد من المشروعات العادية متواضعة الجودة. لقد كانت مدارس الحكومة هي الأفضل في مصر في وقت مضى، فلماذا لا تنشئ وزارة التربية والتعليم مدارس ممتازة تتفوق على المدارس الخاصة؛ وكانت جامعة القاهرة تضاهي جامعات العالم المتقدم في مجالات العلوم والآداب، فلماذا لا نحول واحدة من جامعاتنا إلى مركز للتعليم الأكاديمي الممتاز، وليس إلى خط إنتاج شهادات محدودة القيمة العلمية والعملية؛ لماذا لا تخفف الهيئات المسئولة عن الإعلام والصحافة من استغراقها في تدبير المرتبات والمعاشات، وتشرع في تأسيس صحيفة وموقع إخباري ومحطة تليفزيون وإذاعة مصرية تنافس المحطات الأرقى والأكثر تقدما في المنطقة. ربما لو نجحت كل هيئة من هيئاتنا في اجتياز اختبار كهذا، لانتشرت عدوى الامتياز والجودة في أرجاء الجهاز الإداري والمجتمع، ولاستعاد الناس القدرة على الحلم مرة أخرى. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس 6 أغسطس 2020

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب