وحدة الدراسات الاقتصادية

المشروعات الصغيرة والمتوسطة في ظل جائحة كورونا

تعرضت معظم القطاعات الاقتصادية -ومن ضمنها قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة- لهزة نتيجة لانتشار فيروس كورونا المستجد في أواخر 2019، الذي أدى إلى تدهور الاقتصاد العالمي بسبب تباطؤ النمو وإعاقة التبادل التجاري بين الدول. ما يعني أن الاقتصاد العالمي تعرض لصدمتين في آن واحد، الأولى هي انخفاض الطلب العالمي على السلع والخدمات، بالإضافة إلى هبوط حاد في الإنفاق على السياحة والسفر نتيجة للقيود التي تفرضها الدول بسبب الجائحة. الثانية، هي انخفاض المعروض من السلع والخدمات بسبب خلل في القوة العاملة، إما نتيجة لإصابة العاملين بالفيروس، أو الحصول على إجازة لرعاية ذويهم المرضى، بالإضافة إلى توقف العديد من المصانع والشركات وتعطل سلاسل…

سارة ناصح

تعرضت معظم القطاعات الاقتصادية -ومن ضمنها قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة- لهزة نتيجة لانتشار فيروس كورونا المستجد في أواخر 2019، الذي أدى إلى تدهور الاقتصاد العالمي بسبب تباطؤ النمو وإعاقة التبادل التجاري بين الدول. ما يعني أن الاقتصاد العالمي تعرض لصدمتين في آن واحد، الأولى هي انخفاض الطلب العالمي على السلع والخدمات، بالإضافة إلى هبوط حاد في الإنفاق على السياحة والسفر نتيجة للقيود التي تفرضها الدول بسبب الجائحة. الثانية، هي انخفاض المعروض من السلع والخدمات بسبب خلل في القوة العاملة، إما نتيجة لإصابة العاملين بالفيروس، أو الحصول على إجازة لرعاية ذويهم المرضى، بالإضافة إلى توقف العديد من المصانع والشركات وتعطل سلاسل الإمدادات التي كانت تركزت في الصين، وهي بؤرة انتشار كورونا. لذا تعتبر جائحة كورونا هي الأزمة الأشد والأقوى التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929.

1- حالة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر

يعتبر قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد أهم القطاعات التي تعطي الاقتصاد قوة ديناميكية، وتُساهم في تحقيق النمو المستدام. وتنبع أهميته في قدرته على توفير فرص العمل، حيث يعمل به نحو 43.1% من إجمالي القوة العاملة في القطاع الرسمي المصري ككل. كما يقوم بسد احتياجات السوق المحلي، ويُشارك كذلك في زيادة الاحتياطي النقدي من خلال تصدير بعض السلع، خاصة المنتجات الحرفية والغذائية، علاوة على مساعدته في تقليل فاتورة الواردات لقيامه بدعم الصناعات الوطنية وتحسين الإنتاجية وزيادة المعروض منها في السوق المصرية.

ونظَرًا لأهمية هذا القطاع في تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية فإنه يحظى بأولوية في استراتيجية مصر 2030، كما تولي أجهزة الدولة، خاصة البنك المركزي وجهاز تنمية المشروعات، اهتمامًا كبيرًا بهذا القطاع، وتعمل على إزالة كافة العواقب التي يواجهها القطاع، سواء عن طريق إطلاق مبادرات لتوفير الدعم المالي، أو عن طريق تقديم الخدمات التسويقية واللوجستية والتكنولوجية، وتوفير التدريب لتأهيل الكوادر البشرية العاملة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى سَنّ التشريعات التي تعمل على تذليل العقبات التي تواجه تلك المشروعات.

ونتيجة لجهود الدولة في دعم هذا القطاع، بلغ عدد المشروعات الصغيرة (المشروع الصغير هو الذي يتراوح حجم أعماله السنوية بين 1-5 ملايين جنيه) 2169 مشروعًا. ويُقدر عدد المشروعات المتوسطة (المشروعات التي يتراوح حجم أعمالها السنوية بين 50 مليون جنيه ولا يتجاوز 200 مليون جنية) 2181 مشروعًا. وبلغت القيمة الإجمالية لتلك المشروعات 703 مليارات جنيه، بقيمة مضافة بلغت 393 مليار جنيه، وذلك وفقًا لنتائج أحدث تعداد اقتصادي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في شهر مارس 2020. وخلال السنوات الست الماضية تم تمويل مليون و267 ألف و897 مشروع نتج عنها توفير مليون و850 ألفًا و573 فرصة عمل.

لكن أزمة جائحة كورونا عصفت بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث أثرت على ذلك القطاع الحيوي بصورة سلبية بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة عند انتشار فيروس كورونا، ومن أهمها فرض حظر على حركة المواطنين، وكذلك القرارات الخاصة بإغلاق المحال والمراكز التجارية وغلق المطاعم والمقاهي ودور السينما والمسارح. وكانت هذه القرارات بمثابة سلاح ذي حدين، حيث أثرت بصورة إيجابية على انخفاض معدلات الحالات المصابة واحتواء انتشار الفيروس، لكنها أثرت بالسلب على المشروعات الصغيرة والمتوسطة بسبب حدوث انخفاض حاد ومفاجئ في المبيعات والإيرادات، وبالتالي نقص في السيولة لدى أصحاب هذه المشروعات. وأمام هذا الوضع المتأزم يلجأ هؤلاء إلى تخفيض العمالة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة مرة أخرى وانخفاض أكبر في الإنتاج، وبالتالي زيادة الاحتياج إلى الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلي.

2- دعم البنك المركزي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال فترة الجائحة

منذ اللحظة الأولى لانتشار فيروس كورونا اتخذ البنك المركزي عددًا من الإجراءات والقرارات التي تهدف إلى حماية المؤسسات الفردية والشركات الصغيرة والمتوسطة من الآثار السلبية الناجمة عن الجائحة وضمان استمرار عجلة الإنتاج، لذا قام المركزي بتمديد مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة لمدة 4 سنوات جديدة، وزيادة قيمتها أكثر من 360 مليار جنيه قابلة للزيادة. كما قام بتأجيل كافة الاستحقاقات الائتمانية للمؤسسات والأفراد لمدة 6 أشهر مع عدم تطبيق عوائد وغرامات إضافية على التأخير في السداد. 

ولتوفير التمويل بأسعار فائدة معقولة قام المركزي بتخفيض عائد مبادرات دعم الاقتصاد في قطاعات الصناعة والقطاع الخاص والقطاع العقاري، وتوسيع نطاقها لتضم القطاع الزراعي، وذلك من 10% إلى 8% متناقصة، كما أتاح المركزي 100 مليار جنيه للقطاع الخاص الصناعي والزراعي تُستخدم في منح تسهيلات ائتمانية لشراء الخامات ومستلزمات الإنتاج والمعدات وصرف رواتب العاملين.

وقام المركزي بتفعيل دور شركة ضمان مخاطر الائتمان في مبادرات السياحة والزراعة والمقاولات، لتوسيع نطاق شركة ضمان مخاطر الائتمان ليشمل ضمان الشركات الكبرى، بالإضافة إلى ضمان الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودخول البنك المركزي كمساهم في الشركة بنسبة 20%. بالإضافة لذلك قام المركزي بإطلاق مبادرة جديدة لدعم العملاء غير المنتظمين لجميع الشركات، سواء الصادر ضدهم أحكام قضائية أو غيرهم من ذوي المديونيات المشكوك في تحصيلها. وفي حالة قيام العميل بالسداد يُحذف من القوائم السوداء، وتسقط عنه القضايا المتداولة ضده في المحاكم.

3- مستقبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة

تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة مستقبلًا محفوفًا بالمخاطر بسبب حالة عدم التيقن الموجودة في الأسواق نتيجة لانتشار فيروس كورونا، حيث يُواجه القطاع العديد من التحديات في الوقت الراهن، منها: عدم امتلاك أصحاب المشروعات الملاءة المالية الكافية لتغطية التكاليف الطارئة، بالإضافة إلى انخفاض في المعروض من العمالة، نظرًا لظروف بعض العمال الصحية، وانخفاض الطلب على السلع والخدمات غير الأساسية، علاوة على خسارة أصول مالية دفعت مسبقًا لاستئجار أركان في معارض، بالإضافة لصعوبة النفاذ إلى الائتمان بسبب ضعف القدرات الفنية والإدارية لدى أصحاب المشروعات، وعدم القدرة على إعداد دراسات جدوى.

لكن أمام تلك التحديات توجد المزيد من الفرص أمام تلك المشروعات، أهمها وجود خلل في استيراد السلع نظرًا للقيود التي تفرضها الدول على حركة التبادل التجاري بسبب انتشار الفيروس، لذا توجد فرصة سانحة أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتعويض خسائرها من خلال استغلال هذه الفجوة وزيادة إنتاجها لسد هذا العجز، بجانب الاستفادة من الإجراءات التي اتخذتها الدولة لدعم هذا القطاع، والتي قد تجعل من هذه المحنة منحة وانطلاقة جديدة لها لتكون قاطرة التنمية في ظل الجائحة. ويتطلب تعظيم استفادة تلك المشروعات من هذه الأزمة المزيد من التكاتف بين القطاع المصرفي وأصحاب هذه المشروعات.

وتُعتبر التجربة الصينية  في الاعتماد على العنصر البشري والمشروعات الصغيرة والمتوسطة في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية من التجارب المهمة التي يُمكن لمصر الاستفادة منها، حيث كانت الصين تُعاني من التدهور الاقتصادي وضعف الاستثمار الأجنبي، علاوة على انتشار البطالة والفقر حتى عام 1978، لكن عملت بكين على استغلال العنصر البشري في النهوض الاقتصادي بالاعتماد بصورة شبه أساسية على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تحولت المنازل في الصين إلى ورش عمل صغيرة، وأصبحت الصين الآن ثاني أكبر مستقبل للاستثمارات في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت هذه المشروعات تشارك بنحو 60% من الإنتاج الصناعي للصين، ويعمل فيها 75% من القوى العاملة، كما تشكل 68% من مجموع التجارة الخارجية للصين.

4- مقترحات للنهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة

أمام التحديات والفرص التي نتجت عن انتشار فيروس كورونا، يجب أن يكون هناك مزيد من التحركات والإجراءات الاستثنائية لتحفيز هذا القطاع الحيوي ليشارك في النجاة والخروج من هذه الأزمة.

يُعتبر القطاع المصرفي هو الداعم الأول للتمويل الخاص بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ولكن في ظل الجائحة تحتاج تلك المشروعات إلى مزيد من الخدمات غير النقدية التي من شأنها أن تضمن استمرار الإنتاج والقوة العاملة بتلك المشروعات، مثل: توفير خدمات توعوية تهدف إلى تقديم النصح والإرشاد لأصحاب المشروعات، بالإضافة إلى تقديم معلومات عن الخدمات التي يُقدمها القطاع المصرفي وكيفية الاستفادة منها، وعرض طرق ومتطلبات الحصول على التمويل اللازم للمشروع، علاوة على نشر التوعية بمنهجية التعامل مع مؤسسات التمويل.

ويمكن للبنوك عقد دورات تدريبية ونشر الإرشادات على مواقعها الإلكترونية لتوعية أصحاب المشروعات بكيفية إنجاز المعاملات البنكية والتدريب على الإنترنت البنكي للشركات، وسبل إدارة الحسابات البنكية في ظل التباعُد الاجتماعي الحالي، علاوة على تقديم خدمات التحليل المالي للمشروعات الأكثر تضررًا من تفشي المرض بأسعار مخفضة، ومساعدته على تخفيض التكاليف وزيادة المبيعات، والتكيف مع متغيرات ومستجدات السوق الحالية، مما يؤدي إلى استمرار عجلة الإنتاج والخروج من الأزمة بأقل الخسائر.

لكن الجهاز المصرفي لن يستطيع دعم المشروعات الصغيرة بمفرده، بل يقع العبء الأكبر على عاتق أصحاب تلك المشروعات، إذ يتعين عليهم التكيف مع الأزمة من خلال التوجه نحو تكثيف التسويق الإلكتروني والاعتماد بصورة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي في عرض السلع والخدمات المقدمة، وإنشاء علاقات عمل مع رواد أعمال لتنويع المعروض لجذب قاعدة أكبر من العملاء، بالإضافة إلى الاستعانة ببعض مكاتب النقل والشحن لتوصيل المنتجات إلى بعض الزبائن والمناطق المحظورة. أضف لذلك ضرورة قيامهم بعمل دراسة للوضع الحالي في السوق، ومعرفة السلع التي يوجد بها عجز، والعمل على زيادة الإنتاج لتحقيق الربح في ظل تلك الجائحة، علاوة على الحفاظ على القوة العاملة بتلك المشروعات، مع تزويدهم ببرامج تدريبية عبر الإنترنت لرفع كفاءتهم.

خلاصة القول، إن قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة يشهد عددًا من التحديات والفرص جراء انتشار فيروس كورونا الذي أنتج حالة من عدم التيقن بشأن المستقبل. لذا يجب على أصحاب تلك المشروعات التركيز على احتياجات السوق المحلية، والعمل على استغلال الإجراءات الاستثنائية التي تقدمها الدولة في الوقت الحالي لتكون تلك الأزمة نافذة للعبور نحو توسيع المشروع ورفع كفاءة العاملين به، وتعزيز التنافسية للنفاذ إلى الأسواق الخارجية.

سارة ناصح