loader

استراتيجية الحصار: الانتشار التركي في دائرة الجوار الإفريقي لليبيا

المستشار الأكاديمي

زيارة وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أغلو” إلى النيجر مؤخرًا تسلط الضوء على توجهات السياسية الخارجية التركية تجاه دول الجوار الليبي، وذلك بالنظر إلى طبيعة الزيارة التي اشتملت على عرض تركي بتوقيع اتفاقية دفاعية وتعاون عسكري وأمني. وعلى الرغم من اكتفاء النيجر بتوقيع اتفاقيات للتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب؛ إلا أن هذا السياق يعكس استجابة أولية من جانبها للمبادرة التركية -وفق مصادر فرنسية- لرفع مستوى العلاقات بين الجانبين. طبيعة التحرك التركي في دائرة الجوار الليبية تقوم تركيا بتحركات دبلوماسية نشطة ركزت على دول الجوار الليبي في المرحلة الحالية، منها الزيارات التي قامت بها إلى كل من تونس والجزائر، ومؤخرًا إلى النيجر،…

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

زيارة وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أغلو” إلى النيجر مؤخرًا تسلط الضوء على توجهات السياسية الخارجية التركية تجاه دول الجوار الليبي، وذلك بالنظر إلى طبيعة الزيارة التي اشتملت على عرض تركي بتوقيع اتفاقية دفاعية وتعاون عسكري وأمني. وعلى الرغم من اكتفاء النيجر بتوقيع اتفاقيات للتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب؛ إلا أن هذا السياق يعكس استجابة أولية من جانبها للمبادرة التركية -وفق مصادر فرنسية- لرفع مستوى العلاقات بين الجانبين.

طبيعة التحرك التركي في دائرة الجوار الليبية

تقوم تركيا بتحركات دبلوماسية نشطة ركزت على دول الجوار الليبي في المرحلة الحالية، منها الزيارات التي قامت بها إلى كل من تونس والجزائر، ومؤخرًا إلى النيجر، سبقتها أيضًا جولات تركية لكبار المسؤولين إلى كل من توجو وبوركينافاسو. كما تُعِد أنقرة لزيارة مرتقبة إلى دول إفريقية أخرى تهدف إلى زيادة الانتشار والتفاعل في هذه الدائرة. وقد استخدمت تركيا أدوات ووسائل متعددة، أبرزها توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة، وتقديم المساعدات عبر عدد من الوكالات المرتبطة بحزب العدالة والتنمية الحاكم، وآلاف المنح الدراسية والتدريبية في قطاعات التعليم والصحة والكهرباء، وكذلك طرح مشروعات شراكة للعمل في بعض الدول الإفريقية. وقد نتج عن ذلك تضاعف حجم التبادل التجاري. وفيما يتعلق بالتحرك التركي في دول الشمال الإفريقي، لا تزال كل من تونس والجزائر والمغرب هدفًا رئيسيًّا للنفوذ التركي. 

وقد استحوذت قضايا التعاون العسكري والأمني على المساحة الأكبر في جدول أعمال زيارة وزير الخارجية التركي إلى النيجر، حيث شملت طبيعة التواجد التركي العسكري في الصومال، والدور العسكري التركي في ليبيا، وهو ما يعكس مقاربة تركية تستهدف عسكرة المسرح الليبي ومحيطه العربي والإفريقي، وهي مقاربة يؤكدها عدد من المؤشرات: 

المؤشر الأول، هو التسلل الناعم؛ حيث يسبق التحرك السياسي والعسكري التركي في هذه الدول نشاط متزايد للوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، وعدد من الوكالات الإغاثية والاقتصادية الأخرى، وهي الجهات المنوط بها التغلغل في مجتمعات هذه الدول، خاصة داخل الطبقات الفقيرة، من خلال المشروعات الخدمية في المجالات الصحية والتعليمية والزراعة وقروض المشروعات الصغيرة، وترتيب الأرضية المناسبة للنفوذ التركي بصورة مباشرة. أضف إلى ذلك التركيز على قطاعات الشباب، ومحاولة ربطهم بالدولة التركية من خلال مئات المنح الدراسية والتدريب. كما تركز هذه المؤسسات أيضًا على اختراق الجمعيات الإسلامية من خلال تمويل مشروعاتها الخيرية، وإقامة المساجد من خلال الوقف التركي المخصص للرعاية الدينية. 

المؤشر الثاني، هو حلف المصالح المشتركة؛ فهناك “كونسورتيوم” تركي-قطري يستفيد من التمويل القطري لإقامة مشروعات اقتصادية في هذه الدول، ويساهم في دعم الاستراتيجية التركية. وقد بدأت بعض المشروعات التي قام بها تحظى بترحيب واضح من قطاعات شعبية خلال الفترة الأخيرة، لكن تحقيق أهداف هذا الحلف ومطامعه في إفريقيا دفع بالآلة العسكرية وجيوش المرتزقة إلى هذه الساحات. إضافة إلى تنظيم الإخوان المسلمين كأداة لوجستية في هذا المشروع، حيث تستفيد كل من تركيا وقطر بصورة كبيرة من مجموعات الإخوان المسلمين في النيجر ودول أخرى، وتقدم قطر تمويلًا كبيرًا لها لدعمها وزيادة تأثيرها الشعبي. 

المؤشر الثالث، هو البنية العسكرية الواسعة، حيث يمثل التواجد العسكري التركي في ليبيا والصومال، والتعاون العسكري مع العديد من الدول الإفريقية، هدفًا استراتيجيًّا لتركيا، لتوفير بنية أساسية تسمح بإمكانية إقامة قواعد عسكرية تركية مستقبلًا. وتساند قطر تركيا لتحقيق ذلك، حيث قدمت 28 مدرعة للصومال وأيضًا 14 مدرعة لمالي. 

المؤشر الرابع، هو استقطاب القواعد الاجتماعية: فالتحرك التركي خلال هذه الفترة استهدف بصورة واضحة جمعيات وتجمعات لقبائل التبو والطوارق، خاصة في مالي والنيجر بصورة غير رسمية. ويكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة بالنظر إلى الامتدادات القبلية المذكورة في جنوب ليبيا والتي تعتبر عاملًا أساسيًّا في إحكام السيطرة على تلك المنطقة. 

أهداف استراتيجية

استراتيجية التحرك التركي في منطقة دول الجوار الإفريقي لليبيا تهدف إلى تحقيق ما يلي:

1- تحرك استباقي لتحقيق مكاسب مستقبلية، من خلال محاولة كسب هذه الدول لدعم السياسة التركية في ليبيا، ولموازنة مواقف دول الجوار المعارضة لها واستثمار ذلك دوليًّا خلال مرحلة تسوية الأزمة في الفترة القادمة. 

2- تغيير موازين القوى على الساحة الليبية، وذلك من خلال عقد تحالفات مع التجمعات القبلية التي تتمركز في الجنوب الليبي، وتغيير ولاءاتها وتقديم مساعدات عسكرية وتمويل متعدد يكفل في النهاية الحد من نفوذ الجيش الوطني، وتعديل موازين القوى في الجنوب. 

3- اختراق ساحة النفوذ الفرنسي، لا سيما من خلال التواجد التركي في النيجر، والذي يشكل محاولة اختراق واضحة لمجال النفوذ الفرنسي في تلك المنطقة في ظل العلاقات السيئة بين البلدين، وامتلاك أوراق مساومة تتعامل بها مع فرنسا خلال المرحلة القادمة. لكن من المتوقع أن تسعى فرنسا لمحاصرة هذا التمدد التركي خلال المرحلة القادمة.

4- خلق تحديات للسياسة المصرية في الدائرة الإفريقية؛ فالتغلغل التركي في وسط وغرب إفريقيا، وكذلك على اتساع القارة الإفريقية، خاصة في القرن الإفريقي، يمثل نوعًا من التحدي للدائرة الإفريقية للسياسة المصرية، وهو هدف استراتيجي تركي. كما تمثل إثيوبيا هدفًا لتركيا بما تمتلكه من تأثير على الأمن القومي المصري. وقد تصاعد حجم الاستثمارات التركية في إثيوبيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتصل إلى ثلاثة مليارات، كما تعمل في إثيوبيا حاليًّا ثلاثمائة شركة تركية يعمل بها نصف مليون إثيوبي.

5- التأثير على النفوذ السعودي والإماراتي في دوائر النفوذ الإفريقية، خاصة الدول التي تجاوبت مع موقف التحالف الرباعي في مقاطعتها لقطر مثل النيجر وتشاد التي سحبت سفيرها من الدوحة.

6- مواصلة اختراق دائرة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والذي ظهر واضحًا من خلال إقامة أكبر قاعدة عسكرية تركية في الخارج في مقديشو، وتوقيع اتفاق بين حكومة الصومال وشركة البيرق -وثيقة الصلة بحزب العدالة الحاكم في تركيا- لإدارة الميناء البحري الصومالي، حيث يتم حاليًّا تأهيله ليصبح قاعدة بحرية عسكرية توفر لتركيا حضورًا على البحر الأحمر. هذا بالإضافة لما أكده موقع “مونيتور” السويدي بأن تركيا وقطر تمارسان ضغوطًا على جيبوتي لتوقيع اتفاق مع تلك الشركة لإدارة ميناء جيبوتي. 

مجمل القول، إن استراتيجية الانتشار التركي في إفريقيا والمنطقة العربية يجب النظر إليها ضمن استراتيجيتها الشاملة لتصبح دولة عظمى، وسعيها لمحاصرة الدول الإقليمية المنافسة، خاصة مصر والسعودية، وكذلك الدول الرافضة لسياساتها مثل دولة الإمارات. وسوف تواصل تركيا تثبيت نفوذها في المناطق التي تؤثر على الأمن القومي لهذه الدول، والاستفادة من المواقف والسياسات الأمريكية والروسية المتباينة واستثمارها، كل ذلك بجانب العمل على عسكرة سياستها الخارجية.

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

مقالات أخرى للكاتب