الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

لماذا الانفتاح الإسرائيلي النشط على أذربيجان؟

أدركت أذربيجان الحاصلة على استقلالها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ضرورة بناء وضع جيوسياسي جديد وآمن يضمن لها استقرارًا أمنيًّا في الإقليم، خاصة في ظل النزاع الممتد والمتجدد بينها وبين أرمينيا على الإقليم الحدودي “ناجورنو قره باخ”. لذا انتبهت أذربيجان إلى ضرورة الرد سريعًا وبإيجابية على “المساعي الإسرائيلية الاستباقية” التي عمدت إلى توثيق التعاون بين الدولتين، وبدأت باكو وتل أبيب في إقامة علاقات متوازنة في مختلف المجالات. فتحت أذربيجان الفرصة لإسرائيل باختراق إقليم صاعد، خاصة أنه ترافق مع أهداف استراتيجية تسعى إسرائيل لتحقيقها في تلك المنطقة من أجل كسب فرصٍ سياسية، أو تحييد تهديدات استراتيجية، وبالتالي اعتمدت في تحركاتها على مجموعة…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

أدركت أذربيجان الحاصلة على استقلالها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ضرورة بناء وضع جيوسياسي جديد وآمن يضمن لها استقرارًا أمنيًّا في الإقليم، خاصة في ظل النزاع الممتد والمتجدد بينها وبين أرمينيا على الإقليم الحدودي “ناجورنو قره باخ”. لذا انتبهت أذربيجان إلى ضرورة الرد سريعًا وبإيجابية على “المساعي الإسرائيلية الاستباقية” التي عمدت إلى توثيق التعاون بين الدولتين، وبدأت باكو وتل أبيب في إقامة علاقات متوازنة في مختلف المجالات.

فتحت أذربيجان الفرصة لإسرائيل باختراق إقليم صاعد، خاصة أنه ترافق مع أهداف استراتيجية تسعى إسرائيل لتحقيقها في تلك المنطقة من أجل كسب فرصٍ سياسية، أو تحييد تهديدات استراتيجية، وبالتالي اعتمدت في تحركاتها على مجموعة من الأدوات متعددة الأبعاد من أجل ترسيخ هذا التعاون.

هذا المقال يحاول فهم الأدوات التي استخدمتها إسرائيل للتقارب مع أذربيجان، وإلى أي حد نجحت إسرائيل في تحقيق أهدافها؟

أدوات التقارب

مثّلت الأداة الدبلوماسية والزيارات السياسية الأداة الأولى للمساعي الإسرائيلية لتدشين علاقات وثيقة مع أذربيجان، إذ شرعت إسرائيل في فتح قنوات اتصال دبلوماسية مع أذربيجان في أبريل 1992، ثم بادرت بفتح سفارتها في العاصمة الأذرية باكو في 1993، وهو الأمر الذي لم يقابل بنفس الدرجة من الحماس من جانب أذربيجان لعوامل ثقافية ودينية، بالإضافة إلى الوزن النسبي للقضية الفلسطينية في السياسة الأذرية. وعززت إسرائيل من هذه الأداة بالزيارات المتكررة من جانب المسؤولين الإسرائيليين، كان أبرزها زيارة “إسحاق رابين” رئيس الحكومة آنذاك لأذربيجان في 1994، وزيارة “أفيجدور ليبرمان” وزير الشؤون الاستراتيجية ووزير الخارجية لاحقًا في السنوات: 2012، 2013، 2014.

وعلى المستوى التجاري، حافظت أذربيجان على قنوات اتصال غير رسمية مع إسرائيل من أجل تعزيز حركة نقل البضائع والأفراد بين البلدين، حتى أصبحت إسرائيل ثاني أهم شريك تجاري لأذربيجان. 

وعلى المستوى العسكري والأمني، مثّل النزاع بين أذربيجان وأرمينيا على منطقة “ناجورنو قره باخ” منذ 1992، دافعًا قويًا للحكومة الأذرية لإقامة تنسيق عسكري وأمني مشترك مع إسرائيل، أخذ شكل عقد الصفقات السلاح. واشتملت هذه الصفقات على شراء معدات تجسس عالية التقنية، وطائرات بدون طيار، وصواريخ مضادة للدبابات وبنادق. في هذا السياق، ذكر مساعد الرئيس الأذري “علي حسنوف” أن إسرائيل تمثل “لنا مَصنعًا للطائرات بدون طيار، وهي تدربنا على كيفية استخدامها جيدًا”.

وفي عام 2012، تم عقد صفقة تسليح بين الجانبين بقيمة 1.6 مليار دولار، اشترت بموجبها أذربيجان طائرات بدون طيار إسرائيلية ومعدات تقنية. وبعد زيارة “نتنياهو” إلى باكو في 2016 تم عقد صفقة بلغت ما يقرب من 5 مليارات دولار، اشتملت على الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للدبابات، وطائرات الاستطلاع “هيرمس”. وتأمل إسرائيل من هذه الصفقات -بالإضافة إلى الجانب المالي- الترويج لمنظومتها الدفاعية “القبة الحديدية” في منطقة آسيا الوسطى. 

ورفعت باكو وتل أبيب هذا التنسيق العسكري إلى “حوار استراتيجي شامل”، سمح للبلدين بإقامة تعاون استخباراتي ساهم في منع وقوع عشرات من الهجمات الإرهابية ضد أذربيجان، سواء من جانب الحركات الجهادية الأصولية، أو الفصائل الشيعية المنتسبة لحزب الله اللبناني بتمويل إيراني ضد سفارات الدول الغربية في باكو؛ وذلك بعد تحذيرات استخباراتية إسرائيلية للأجهزة الأمنية الأذرية. وقد أوضحت صحيفة “ماكو” الإسرائيلية -حسب مسؤولين أمنيين إسرائيليين- أن كاميرات المراقبة التي اشترتها باكو في 2016 تم تركيبها على الحدود الأذرية مع إيران، مما سمح لإسرائيل باستكشاف المنطقة هناك.

وفي سبيل تعزيز الثقة مع أذربيجان، حرصت حكومة “نتنياهو” على تجميد علاقاتها مع أرمينيا من أجل عدم إثارة استياء خصمها التاريخي (أذربيجان)، وهو ما يعكس أهمية الدولة الأذرية بالنسبة لإسرائيل. فقد صرح عضو الكنيست الإسرائيلي والمقرب من صناع القرار الأرمينيين “ألكسندر زينكر” في أكتوبر 2019 بأن إسرائيل لا تنوي فتح سفارة لها في أرمينيا. 

لكن ظلّ العامل الحاسم والمهم الذي ساهم في تقريب العلاقات بين البلدين هو وجود أقلية يهودية في العاصمة الأذرية باكو، حيث لعبت هذه الأقلية دور “اللوبي النشط” المدافع عن المصالح الإسرائيلية داخل أذربيجان.

الأهداف الإسرائيلية

تعكس التحركات الإسرائيلية في منطقة القوقاز، وتحديدًا في دولة أذربيجان، مجموعة من الدوافع والأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في هذه المنطقة، يمكن عرض أبرزها فيما يلي:

1- استغلال الموقع الاستراتيجي لأذربيجان، والتي يحدها إيران من الشمال. إذ ترغب إسرائيل في الوصول إلى المطارات الأذرية من أجل استخدامها كنقطة انطلاق لقصف المواقع النووية الإيرانية. يستدل على ذلك من النفي المتكرر من السلطات الأذرية منح إسرائيل حق استخدام أربعة مطارات سوفيتية قديمة في أذربيجان، وهو ما ذكره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقرير له في 2011.

2- استغلال العمق الثقافي والشعبي لأذربيجان في إيران: إذ تعد الأقلية الأذرية هي أكبر الأقليات العرقية في إيران، وتشكل ما يقرب من 20 مليون أذري. وتستهدف إسرائيل من استغلال هذه الأقلية تحقيق هدفين. الأول، تحشيد هذه الأقلية للانفصال عن إيران وإحداث قلاقل تهدد استقرار الجيب الغربي لإيران، والذي تمر من خلاله أنابيب النفط والغاز الإيرانية، وهو ما ظهر أول ملامحه في فبراير 2012، إذ دعا رئيس حزب أذربيجان الجديدة “يني أذربادزاهان” إلى تسمية بلاده بدولة شمال أذربيجان، مؤكدًا أهمية أن يتحرك الأذريون في إيران من أجل إعلان انفصالهم وإقامة دولة “جنوب أذربيجان”. 

الهدف الثاني، تجنيد بعض عناصر هذه الأقلية من أجل تنفيذ مهام اغتيال داخل إيران بالتنسيق مع عناصر استخباراتية إسرائيلية، وهو ما اتضح في التحقيقات الإيرانية بشأن اغتيال العالم النووي “مصطفى أحمدي روشن” وسط العاصمة طهران بمساعدة أذري إيراني بتنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية.

3- تأمين موارد الطاقة، حيث تمثل أذربيجان محطة مهمة في توريد النفط من منطقة دول القوقاز وبحر قزوين ومنه إلى الشرق الأوسط بواسطة خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان. وتعتمد إسرائيل في أكثر من 40% من وارداتها من النفط على هذا الخط من خلال ممر بحري من جيهان التركية إلى ميناء عسقلان الإسرائيلي. ولا ترغب إسرائيل في تعريض وارداتها النفطية من أذربيجان لتأرجح مرهون بطبيعة العلاقات الإسرائيلية التركية، إذ نقلت القناة العاشرة الإسرائيلية (في سبتمبر 2011) عن السفير التركي في أذربيجان، خلوصي كليتس، مطالبته حكومة باكو بالوقوف إلى جانب أنقرة في أزمتها مع تل أبيب، وإعادة النظر في علاقتها مع إسرائيل.

4- الوصول إلى آسيا الوسطى، حيث ترى إسرائيل في أذربيجان منصة مهمة لترسيخ “سياسة الأطراف”، أي اختراق أقاليم جيوسياسية جديدة تزخر بالفرص السياسية التي تعزز بدورها الوضع الجيوسياسي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط والتي تسمح بخلق فضاءات اقتصادية وسياسية وأمنية مع دول تلك المنطقة. ويمكن للعلاقات الإسرائيلية مع أذربيجان أن تسهم في تعميق التفاهمات بين إسرائيل ودول آسيا الوسطى، خاصة كازاخستان وأوزباكستان المتجاورتين حدوديًّا مع إيران، والزاخرتين بالموارد الطبيعية والنادرة مثل اليورانيوم، والراغبتين في بناء استقرار إقليمي عبر شراء أنظمة دفاعية وقتالية متقدمة. 

وترى أذربيجان في هذا الهدف مصلحة مشتركة، إذ ترغب باكو في أن تصبح ملتقى إقليميًا لتصدير الطاقة إلى السوق الأوروبية الطامحة لتحجيم الهيمنة الروسية على سوق الطاقة من خلال مشروع “الممر الجنوبي”. وبالتالي ترى باكو في السعي الإسرائيلي الدبلوماسي والسياسي باتجاه دول آسيا الوسطى أنه يمثل فرصة لربط حقول النفط في آسيا الوسطى بخطوط الأنابيب الأذرية، وتحقيق مشروع “الممر الجنوبي”.

تحديات لاتزال قائمة

لا تزال هناك تحديات أمام العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، إذ لم تقم أذربيجان حتى الآن بإيفاد بعثة دبلوماسية دائمة إلى إسرائيل. كما لا تزال إسرائيل تجد رفضًا أذريًا للسماح بالوصول إلى تفاهمات محددة، خاصة تلك المتعلقة بفتح المطارات الأذرية أمام الطائرات الإسرائيلية. وهو ما يظهر في النفي المتكرر من جانب أذربيجان بالسماح لأي طرف بتهديد دول مجاورة لأذربيجان في إشارة إلى إسرائيل وإيران.

كما عبّرت باكو عن تحفظها من قرار ضم إسرائيل لغور الأردن تحت سيادتها، إذ أكد سفير أذربيجان لدى الولايات المتحدة “إيلين سليمانوف” لصحيفة “جيروزاليم بوست” (18 يوليو 2020)، أنه في حال اختارت إسرائيل عدم ضم غور الأردن وأجزاء من الضفة الغربية، فهذا يعني أنها ترسل “رسالة حسن نية” إلى الدول الإسلامية، مشيرًا أيضًا إلى أنه “في حين استمرت إسرائيل على نهجها فستكون الخطوة مدمرة للعلاقات المشتركة”. 

أذربيجان تجيد لعبة التوازنات الجيوسياسية في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، ويظهر ذلك في العلاقات التي تربط باكو بعواصم الإقليم، بدءًا من أنقرة، مرورًا بطهران وموسكو، بالإضافة إلى الدول ذات الصلة مثل واشنطن وتل أبيب. يدفعها ذلك الحفاظ على استقرارها السياسي والأمني في منطقة ناشئة تحيطها التناقضات والخلافات الاستراتيجية. 

هذا التوازن الاستراتيجي في الدبلوماسية الأذرية في الإقليم لم يسمح بتحقيق كامل الأهداف الإسرائيلية في علاقاتها مع أذربيجان، ويُبقيها في حدود التعاون الاستراتيجي المباشر الذي يخدم المصالح الأذرية والإسرائيلية في إطارها الثنائي، دون التأثير في محددات الاستقرار الإقليمي عبر تهديد أمن دولة مجاورة من خلال إتاحة أراضيها لتكون مصدرًا لهذا التهديد.

كما يمكن الإشارة إلى أن أذربيجان لم تستخدم ورقة الحركة الانفصالية الأذرية في إيران (عبر استضافتها مؤتمر حركة التحرير الوطني لجنوب أذربيجان في باكو 2013) إلا بعد أن ثبت تورط إيران في مخطط تنفيذ هجمات إرهابية على أهداف أذرية في العاصمة باكو، حيث يمكن وصف التحرك الأذري في هذا الملف برد الفعل المتحدي لأي فعل إيراني مهدد لأمن أذربيجان.

ختامًا، يمكن القول إن هناك دوافع عدة تقف وراء تطور العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان، كما أن لديهما طموحات إقليمية متقاطعة تعزز من هذا التعاون. لكن لا ترغب باكو في إنهاء حيادها الإقليمي بالوقوف في مواجهة إيران بشكل حرج، وهو ما يجعل العلاقة مع إسرائيل تقف عند نقاط محددة لا تتجاوزها.

ربما تحمل أزمة ناجورنو قرة باخ فرصة لإسرائيل لتقويض الهدوء الهش بين باكو وطهران بسبب الدعم الذي تقدمه طهران لأرمينيا في نزاعها. لكن يحد من هذه الفرصة الإدراك الإيراني بضرورة تسوية الأزمة وتقديم مبادرة دبلوماسية من أجل الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان والعمل على إنهاء هذه الأزمة.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية