loader

تشجيع الاستهلاك والنمو الاقتصادي

أعلنت الحكومة المصرية مبادرة لتحفيز الاستهلاك وتشجيع المنتج المحلى تحت شعار «مايغلاش عليك»، وذلك عن طريق منح نسب خصم 20%على أسعار السلع الداخلة في المبادرة وتشمل نحو 4231 منتجا، تضم العديد من السلع الاستهلاكية المعمرة وغير المعمرة، بالإضافة الى دعم آخر لحاملي البطاقات التموينية وعددها 22 مليون بطاقة بمبلغ 200 جنيه وبحد أقصى ألف جنيه للبطاقة الواحدة، تتحملها الخزانة العامة، وذلك لمدة ثلاثة أشهر.  وتأتى هذه المبادرة في إطار الرغبة في تحفيز الاستهلاك وضمان حصول المواطن على السلعة الجيدة بالأسعار المناسبة. جنبا إلى جنب مع العمل على مساندة الصناعة المحلية وتدعيم المنتج المصري عن طريق تشجيع شراء المنتجات المحلية. ويرجع…

عبد الفتاح الجبالي

أعلنت الحكومة المصرية مبادرة لتحفيز الاستهلاك وتشجيع المنتج المحلى تحت شعار «مايغلاش عليك»، وذلك عن طريق منح نسب خصم 20%على أسعار السلع الداخلة في المبادرة وتشمل نحو 4231 منتجا، تضم العديد من السلع الاستهلاكية المعمرة وغير المعمرة، بالإضافة الى دعم آخر لحاملي البطاقات التموينية وعددها 22 مليون بطاقة بمبلغ 200 جنيه وبحد أقصى ألف جنيه للبطاقة الواحدة، تتحملها الخزانة العامة، وذلك لمدة ثلاثة أشهر.

 وتأتى هذه المبادرة في إطار الرغبة في تحفيز الاستهلاك وضمان حصول المواطن على السلعة الجيدة بالأسعار المناسبة. جنبا إلى جنب مع العمل على مساندة الصناعة المحلية وتدعيم المنتج المصري عن طريق تشجيع شراء المنتجات المحلية. ويرجع السبب في ذلك إلى كون الاستهلاك النهائي كان هو المحرك الرئيسي للنمو خلال الفترات السابقة قبل أن يتراجع لمصلحة الاستثمار وصافي التجارة الخارجية خلال العامين الماضيين. إذ هبط معدل نمو الاستهلاك الخاص إلى 0.9% خلال العام المالي 2018/2019 مقابل نحو 4.6% عام 2015/2016. كذلك هبط الاستهلاك العام من 3.9% الى 2.8% خلال نفس الفترة، وبالتالي هبطت نسبة الاستهلاك النهائي للناتج المحلى الإجمالي من 98.2% عام 2016/2017 إلى 90.6% عام 2018/2019، وانخفضت نسبة مساهمته في معدل النمو إلى أقل من 1%، نتيجة لتراجع القوى الشرائية. وأصبحت معدلات نمو نصيب الفرد من الاستهلاك سالبة، وبالتالي انخفضت مستويات الاستهلاك الفعلي وفقا لمؤشرات بحث الدخل والإنفاق. ومما زاد من صعوبة الوضع الآثار السلبية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا والتي أدت لانخفاض دخول نحو 75% من الأفراد إما بسبب التعطل أو تخفيض الأجور. 

من هنا تأتى أهمية هذا الإجراء، خاصة مع قيام الحكومة ببعض الأمور المهمة في هذا الصدد، يأتي على رأسها رفع حد الإعفاء الضريبي، وتوسيع الشرائح الضريبية، وتخفيض المعدل على الشريحة الدنيا، فضلا عن زيادة الأجور والمعاشات التي تقررت مؤخرا. 

يضاف إلى ما سبق هبوط معدل التضخم السنوي إلى أدنى مستوى له منذ نحو أربعة عشر عاما تقريبا، حيث وصل إلى 4.7%خلال مايو 2020، وهبط خلال الفترة (يوليو ــ مايو 2019/2020) إلى نحو 5.7% مقارنة بنحو 14.3% خلال نفس الفترة من العام السابق. 

ومن المعروف أن التضخم وارتفاع الأسعار هما العدو الرئيسي لأصحاب الدخول الثابتة (سواء مكتسب الأجور والرواتب أو أصحاب المعاشات)، وبالتالي فإن أي بادرة تحسن في هذا المؤشر تصب مباشرة في مصلحه هؤلاء. وجدير بالذكر أن تراجع معدل التضخم لا يعنى بالضرورة انخفاض الأسعار، ولكنه يشير ببساطة إلى أن الزيادة في الأسعار قد تم احتواؤها أو على الأقل لم تزد إلا بمعدلات أقل من المعدلات السابقة.

إن الانخفاض في معدل التضخم أسهم في تعزيز الثقة في الجنيه المصري، رغم تراجع الإيرادات من المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية 

(السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، والصادرات، ورسوم المرور في قناة السويس) وهي القطاعات التي تضررت بسبب انتشار فيروس كورونا. ولكن على الجانب الآخر، انخفض العجز التجاري (بدون البترول) نتيجة للتراجع الكبير في الواردات غير البترولية خلال الفترة (يناير- مايو 2019) من 29.9 مليار دولار إلى 23.5 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الحالي وبنسبة انخفاض 21.2%، بينما تراجعت قيمة الصادرات غير البترولية من 11.2 مليار دولار إلى 10.3 مليار خلال نفس الفترة وبمعدل انخفاض 7.8%، الأمر الذي أسهم في تحسن أوضاع الميزان التجاري. 

ولا يمكن إنكار أن المستهلك في مصر يمثل أضعف حلقات التعامل في السوق المصرية، وأن هناك ضرورة لحمايته، وأساس ذلك أن المستهلك يمثل محور العملية الاقتصادية بالنظر إلى أن اقتصاد السوق يعتمد أساسا على أن تخصيص الموارد بين أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة تتم في التحليل الأخير وفقاً لرغبات المستهلك. وبالتالي، فإن حمايته تعد من أهم أهداف السياسة الاقتصادية. 

وعلى الجانب الآخر، فإن المنتجين المحليين أمامهم فرصة ذهبية للاستفادة مما يحدث على الصعيد الدولي وانخفاض حركة التجارة الدولية، وهو ما يمكنهم من الإحلال محل الواردات، وسد حاجة الطلب المحلي. وهو ما يتطلب أن يكون السوق المحلية على أعلى درجة من التنافسية حتى لا يتعرض المستهلك لسيطرة القلة من المحتكرين وبالتالي تؤدى إلى وقوع المستهلك أسيرا في يد هؤلاء.

ولكي تتحقق هذه الأهداف لابد من توافر العديد من العناصر الأساسية والمهمة، يأتي على رأسها وجود جهاز إنتاجي متنوع وقوى وقادر على الإحلال محل الواردات التي سيتم التحكم فيها وكذلك سهولة وإمكانية الانتقال لعناصر الإنتاج بين القطاعات الاقتصادية وبعضها البعض لكى تنتج المزيد من هذه السلع.

ولكي تنجح هذه السياسة وغيرها يجب أن تتم في إطار متناسق ومتناغم مع غيره من الأدوات، ولذلك لابد من إعادة النظر في بعض الإجراءات التي يمكن أن تحد من فاعلية هذا القرار، يأتي على رأسها القانون الخاص بخصم 1% من أجور العاملين بالدولة و0.5% من أصحاب المعاشات، خاصة أن زيادة الأجور تعد من أهم الطرق التي تستطيع بها الحكومات ضمان الحد الأدنى من مستويات المعيشة اللائقة لقطاعات لا بأس بها من السكان. فضلا عن أنها تعد المصدر الأساسي للإنفاق الاستهلاكي لقطاع عريض من المجتمع، وبالتالي فهي تسهم في إنعاش الاقتصاد القومي، وذلك في ضوء الميل المرتفع للاستهلاك لدى هذه الشريحة. 

وعلى الجانب الآخر، فرغم قيام البنك المركزي بتخفيض معدلات الفائدة، إلا أن بعض البنوك قامت بإصدار شهادات ادخارية ذات عائد ثابت (15%) لمدة عام والتي تم طرحها في الثاني والعشرين من مارس الماضي وبلغت قيمة الاكتتابات فيها حتى منتصف يوليو الحالي نحو 255 مليار جنيه، وهو ما يعنى سحب جزء من السيولة من السوق وبالتالي الحد من الاستهلاك، الأمر الذي يتطلب التنسيق بين السياسات الاقتصادية وبعضها البعض لأن النمو يتحدد في نهاية الأمر بالتفاعل بين كل المتغيرات الرئيسية للاقتصاد الكلي، والتي لا تتأثر جميعها في نفس الوقت بعامل واحد في حد ذاته فحسب، بل تتأثر بالسياسة الاقتصادية العامة.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء 29 يوليو 2020. 

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب