loader

انزلاق تركي مباغت بعيد عن الأنظار

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الأخبار التي تخرج عن تركيا ويسلط عليها الضوء، وتتابع فيها تحركات أنقرة وأردوغان وقيادات دائرة حكمه، ظلت محصورة طوال الشهور الماضية في غالبيتها ما بين الجغرافيا الليبية ومياه شرق المتوسط، وفق التحركات والتداخلات الأكثر صخباً وتهديداً، التي يُستخدم في البعض منها وحدات من الجيش التركي بما فيها البوارج البحرية، وأخرى تتصدر العمل عليها عناصر الاستخبارات العسكرية التي تتولى نقل الميليشيات والمرتزقة، من ساحات توافر إلى مناطق احتياج عاجل وفق ما ترى أنقرة أنه يحقق لها ميزات سريعة. وقد حرصت أنقرة خلال الأسابيع الماضية متعمدة صرف الانتباه عن بعض الإشكاليات التي باتت تتداخل بصورة تنذر بخسائر سياسية جسيمة لصورة الحكم التركي،…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الأخبار التي تخرج عن تركيا ويسلط عليها الضوء، وتتابع فيها تحركات أنقرة وأردوغان وقيادات دائرة حكمه، ظلت محصورة طوال الشهور الماضية في غالبيتها ما بين الجغرافيا الليبية ومياه شرق المتوسط، وفق التحركات والتداخلات الأكثر صخباً وتهديداً، التي يُستخدم في البعض منها وحدات من الجيش التركي بما فيها البوارج البحرية، وأخرى تتصدر العمل عليها عناصر الاستخبارات العسكرية التي تتولى نقل الميليشيات والمرتزقة، من ساحات توافر إلى مناطق احتياج عاجل وفق ما ترى أنقرة أنه يحقق لها ميزات سريعة. وقد حرصت أنقرة خلال الأسابيع الماضية متعمدة صرف الانتباه عن بعض الإشكاليات التي باتت تتداخل بصورة تنذر بخسائر سياسية جسيمة لصورة الحكم التركي، فيما ظل بحاجة ماسة لأخبار من نوع جديد، على الأقل كي تتوازن الصورة، من خلال الذهاب بعيداً مثل نموذج «آيا صوفيا»، لينفك الربط بالميليشيات والصراعات التي باتت قرينة للدولة التركية. فما كان ضاغطاً على دوائر الحكم بأنقرة هو الحديث اليقيني لدى الكافة عن نقل تركيا للمرتزقة وعناصر الميليشيات من سوريا إلى ليبيا، والذى ظل محل إنكار لشهور وتغافل من بعض الأطراف التي ظنت أن الأمر قد يمر وستتجاوزه الأحداث، لكن هذا لم يحدث، وبدأ شعور القلق يزداد بعد صدور تقرير «البنتاجون»، الذى كشف أن تركيا أرسلت ما بين (3500- 3800) مقاتل «مدفوع الأجر» لدعم الميليشيات الموجودة بليبيا، ورغم محدودية وخجل العدد الوارد بالتقرير، لكنه حدد أيضاً أن هذا قد جرى في الأشهر الثلاثة الأولى فقط من العام، وفى إشارة صريحة إلى مرتزقة سوريين نقلتهم أنقرة إلى ليبيا.

لذلك جاءت زيارة «خلوصي آكار» المفاجئة إلى الدوحة بعد يوم واحد من إصدار تقرير وزارة الدفاع الأمريكية، حيث اعتبرت دوائر الحكم بأنقرة صدور التقرير على هذا النحو يمثل إحراجاً دولياً لأنقرة في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية الرافضة للتدخل التركي في ليبيا. التقرير دفع «آكار» إلى زيارة الدوحة ليستقبله أمير قطر شخصياً، ويبحث معه بشكل عاجل التحول في وجهة النظر التركية بشأن استخدام المرتزقة السوريين في الحرب الليبية، وضرورة استبدالهم بجنسيات أخرى.

وقدمت قطر مقترحاً بإمكان استخدام الضباط الصوماليين الذين جرى تدريبهم بالدوحة مؤخراً، ليكونوا عوناً لتركيا في تجهيز مجموعة من المرتزقة الصوماليين، حيث يُعد هذا الأمر بعيداً عن أعين الرقابة الأوروبية والأمريكية، وكل من الدوحة وأنقرة تتمتعان عبر سنوات برصيد كبير بالصومال يمكنهما من استثماره لإنجاز الأمر، وهو ما جرى بالفعل عبر إرسال نحو 2000 مقاتل خلال أسابيع مضت وتمولت العملية قطرياً بالكامل. لم تكن قضية نقل المرتزقة إلى ليبيا وحدها هي التي تقضّ مضجع أنقرة، فقد كانت هناك مشاهد وانزلاقات لم يخطر على البال الوقوع فيها، وقت أعلن الجيش التركي، منتصف يونيو الماضي، انطلاق عملية «مخلب النسر» بالشمال الغربي العراقي، فسرعان ما تبين الرئيس التركي ووزير دفاعه أنها ليست نزهة للجيش التركي، بل إنها فعلياً عملية بالغة التعقيد، ولم يكن في حسبان أحد أن تستغرق كل هذا الوقت، فالعملية التي أريد لها أن تكون خاطفة وتستغرق بضعة أسابيع، دخلت شهرها الثاني دون أن تنتهى بذلك النصر المتخيل الذى أرادته الزعامة التركية ليكون وقوداً من أجل رفع شعبيتها أمام الرأي العام الداخلي التركي.

أولى المفاجآت التي داهمت الجيش التركي أنه وجد نفسه قد تورط في قتال شبه يومي، ليواجه عمليات كر وفر ومناورات وكمائن تتعرض لها القوات التركية، لترتفع فاتورة الخسائر المادية والبشرية، مما أدى إلى توسيع اضطراري لنطاق العمليات، ليصل إلى عمق يتجاوز 40 كم داخل الأراضي العراقية. الجيش التركي وجد أنه يجابه اتساع رقعة هجمات مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، وأمام مهارة نصب الكمائن واختيار مناطق دقيقة للاشتباكات تطلب الأمر إقامة أكثر من 30 قاعدة عسكرية مؤقتة، مما استلزم أيضاً جلب المزيد من القوات والدعم اللوجيستي، ليتشكل المشهد على انقياد أنقرة إلى مواجهة استنزافية لم تكن تحسب أن تجرى على هذا النحو.

فالخطة التركية كانت تنحصر في مهاجمة مناطق مدنية حدودية بينها «حفتانين» و«متينا» بالقرب من سوريا غرباً، ومناطق أقرب إلى الحدود الإيرانية، بما في ذلك «أفاسين» و«هاكورك» باعتبارها تمثل نقطة انطلاق محتملة إلى قنديل جنوباً. لكنها في الواقع وجدت أنها تقاتل مجموعات «كوماندوز» وسرايا صغيرة وسريعة الحركة، تتميز بالقدرة على المبادأة وصنع الكمائن ومرونة الانسحابات التكتيكية، وهو ما أوقع الوحدات القتالية التركية في مأزق خطير، فالقوات التركية التي جرى دفعها لعملية «مخلب النسر» زُودت بسلاح ثقيل مهيأ لخوض حرب نظامية مع جيش مقابل، حيث كان الغرض الرئيسي من العملية هو الاستقرار بالأرض، والاستحواذ على مناطق جديدة يجرى ضمها للواقعة تحت الاحتلال العسكري التركي. لذلك برز التناقض سريعاً أمام جماعات «الكوماندوز» العالية التدريب، والتي تتشرب خرائط التضاريس الوعرة للمناطق الجبلية عن ظهر قلب، فلم تقبع في قواعدها بانتظار الهجوم والقصف التركي، بل ذهبت إلى إخلاء سكان القرى الكردية إلى خارج مناطق المناورة رغم ما يكبّد هذا الأهالي من خسائر مالية فادحة، نظراً لترك حقولهم ومصادر رزقهم اليومي، فهذه قرى بسيطة الحال. لكن سكان تلك المناطق في صمت ومع تحركات مدروسة قلبوا المشهد بصورة كبيرة على الجنود والضباط الأتراك.

لذلك فالجيش التركي الذى خاض أكثر من 90 عملية قتالية، ونفذ مئات من الغارات الجوية، بغرض الزحف واحتلال بعض التلال الاستراتيجية الحاكمة للمنطقة، ظل انتزاع كل «تلة» واحدة مهمة عسيرة بالنسبة للقوات التركية، وتبخرت قدرة السيطرة على بلدة «حفتانين» حتى الآن، باعتبارها تمثل الهدف التكتيكي الرئيسي للعملية «مخلب النسر»، لينفتح المدى الزمنى للعملية على صورة غائمة غير محددة الملامح، في ظل اقتتال شرس يجرى يومياً من «تلة» لأخرى دون تحقيق أي نتيجة سوى تخريب المنطقة، وتكبيد سكانها خسائر التهجير وتدمير الممتلكات كفعل انتقامي تركى شامل.

نقلا عن جريدة الوطن، الإثنين 27 يوليو 2020. 

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب