وحدة الدراسات الأسيوية

الهند تستقطب المزيد من الاستثمارات الأمريكية

منذ مطلع عام 2020، استثمرت كبرى الشركات التكنولوجية الأمريكية نحو 17 مليار دولار في الهند، التي تُعد تاسع أكبر متلقٍّ للاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم مع ارتفاعها بنحو 20% خلال 2019، وفقًا لما ذكره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وخلال الفترة الماضية تصاعد الحديث عن ضخ العديد من شركات “وادي السيليكون” مليارات الدولارات في شركات الاتصالات الرائدة في الهند، لا سيما “ريلاينس جيو”، وهي أكبر شركة اتصالات هندية وصل عدد مشتركيها إلى 331.3 مليون مشترك حتى يونيو 2019، متجاوزة بذلك منافستها “فودافون إنديا” التي أعلنت عن تراجع عدد مستخدميها إلى 320 مليون مشترك. هذا المقال يهدف إلى تحليل أنماط…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

منذ مطلع عام 2020، استثمرت كبرى الشركات التكنولوجية الأمريكية نحو 17 مليار دولار في الهند، التي تُعد تاسع أكبر متلقٍّ للاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم مع ارتفاعها بنحو 20% خلال 2019، وفقًا لما ذكره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وخلال الفترة الماضية تصاعد الحديث عن ضخ العديد من شركات “وادي السيليكون” مليارات الدولارات في شركات الاتصالات الرائدة في الهند، لا سيما “ريلاينس جيو”، وهي أكبر شركة اتصالات هندية وصل عدد مشتركيها إلى 331.3 مليون مشترك حتى يونيو 2019، متجاوزة بذلك منافستها “فودافون إنديا” التي أعلنت عن تراجع عدد مستخدميها إلى 320 مليون مشترك.

هذا المقال يهدف إلى تحليل أنماط الاستثمار الأجنبي المباشر في الهند خلال السنوات العشر الماضية، واستعراض تطور قطاع الاتصالات الهندي، مع الإشارة إلى دوافع تركيز الشركات الأمريكية على الهند بشكل رئيس خلال الأشهر القليلة السابقة.

أولًا- تطور الاستثمار الأجنبي المباشر في 10 سنوات

تزايدت الاستثمارات في الهند خلال العقد الماضي، لا سيما في قطاع التصنيع والخدمات المالية والاتصالات في ضوء نمو الاقتصاد الرقمي، حيث حققت الهند قفزة رقمية بعد تحقيق نجاحات كبيرة من خلال تطوير قطاعاتها الأساسية، مثل تكنولوجيا المعلومات وإدارة العمليات التجارية. كما تستفيد البلاد الآن من الفرص الرقمية الجديدة في العديد من القطاعات الأخرى، كالزراعة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والتعليم والطاقة. كذلك، اتخذت الحكومة الهندية تدابير مهمة، مثل: خفض مدة الحصول على الموافقات التنظيمية، وتبسيط الإجراءات، بهدف تحسين ممارسة الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات إلى البلاد.

وتُعتبر الاستثمارات الأجنبية ذات ضرورة حيوية للهند مع حاجة الاقتصاد الماسة إلى إصلاح قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين أوضاع ميزان المدفوعات، وتعزيز قيمة العملة المحلية مقابل العملات العالمية الأخرى.

ويتضح من الشكل السابق أن الاستثمار الأجنبي المباشر وصل إلى أدنى مستوياته خلال 2012 عند حوالي 24.2 مليار دولار بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدل التضخم. ونتيجة لذلك تأثرت ثقة المستثمرين، وتراجعت تدفقات الاستثمار إلى الهند، لتتعافى بعد ذلك مسجلة أعلى مستوياتها خلال 2019، حيث نجحت في جذب 77% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي توجهت إلى منطقة جنوب آسيا على مدار العام المنصرم وحده بفضل تقديم الحكومة حزمًا تحفيزية قوية في مجالات الصناعة التحويلية، والاتصالات، والخدمات المالية، ولهذا نجد أن الاتجاه العام لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر هو اتجاه موجب.

لكن من المرجح أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في الهند بشكل حاد في عام 2020 بسبب تأثير وباء كورونا وما ترتب عليه من إجراءات لإغلاق الاقتصاد، وتعطل سلاسل التوريد العالمية والتباطؤ الاقتصادي الناجم عن ذلك. 

وتعد سنغافورة وموريشيوس والولايات المتحدة أكبر ثلاث دول مستثمرة في الهند. 

ويتضح من الشكل السابق أن سنغافورة احتلت المركز الأول في قائمة الدول المستثمرة في الهند خلال 2019 وذلك مع تراجع الاستثمارات القادمة من موريشيوس في ظل اتجاه الهند منذ 2016 لتعديل المعاهدة الضريبية معها لسد الثغرات التي تستغلها الشركات للتهرب من الضرائب. ولذلك قررت الدولة الآسيوية فرض ضرائب على أرباح رأس المال لتلك الشركات، وقد دخلت هذه التعديلات حيز التنفيذ في أبريل 2019. فيما صعدت مكانة سنغافورة في السوق الهندية بفضل المزايا الهيكلية التي حظيت بها الأولى في المنطقة كسهولة ممارسة الأعمال التجارية، والنظام الضريبي المبسط، وارتفاع عدد المستثمرين من القطاع الخاص.

ثانيًا- مكانة قطاع الاتصالات الهندي

تُعد الهند حاليًّا ثاني أكبر سوق للاتصالات في العالم، كما تمتلك ثاني أكبر عدد من مستخدمي الإنترنت على مستوى العالم؛ إذ حقق قطاع الاتصالات الهندي نموًّا قويًّا خلال العقد ونصف العقد الماضيين. ومن المتوقع أن تزداد مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام القليلة المقبلة بدعم من اهتمام الحكومة بتطوير هذه الصناعة بصورة مستمرة عبر توسيع تغطية شبكات الجيل الثالث “3G” والجيل الرابع “4G”، مع تعزيز البيئة التنظيمية. ويُمكن الاعتماد على المؤشرات الآتية لتوضيح تطور قطاع الاتصالات بخامس أكبر اقتصاد في العالم.

1- عدد مستخدمي الإنترنت

من المتوقع أن يصل عدد مستخدمي الإنترنت في الهند إلى 829 مليونًا بحلول عام 2021، وتستند تلك التوقعات إلى تحقيق البلاد تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بهذا المؤشر.

ويتضح من الشكل السابق أن الهند تشهد زيادة سريعة لعدد مستخدمي الإنترنت بشكل سنوي. ومن المتوقع أن يسهم انتشار وباء كورونا في ارتفاع هذا العدد بسبب اعتماد المزيد من الأشخاص على الخدمات الإلكترونية، سواء في التعليم أو العمل عن بعد.

2- التطبيقات الإلكترونية

تحتل الهند المرتبة الثانية بعد الصين فيما يتعلق بعدد مستخدمي التطبيقات الإلكترونية، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة. كما قضى كل مواطن هندي حوالي 17 ساعة أسبوعيًّا في المتوسط على شبكات التواصل الاجتماعي خلال عام 2018، في حين أنفق المستخدمون حوالي 370 مليون دولار على شراء التطبيقات المدفوعة في عام 2019، حيث يتم تحميل أكثر من 100 مليون تطبيق شهريًّا عبر متجري “آي أو إس” و”أندوريد”.

وكما يتضح من الشكل السابق، شهدت الهند نموًّا بأكثر من 100% فيما يخص عدد مرات تحميل التطبيقات الإلكترونية خلال السنوات الثلاث الماضية؛ إذ سجلت زيادة من 6.51 مليارات تطبيق في 2016 إلى 19 مليار في 2019، ومن المتوقع أن يصل هذا المؤشر إلى 37.21 مليار تطبيق بحلول 2022.

ثالثًا- لماذا توجه الشركات التكنولوجية الأمريكية تركيزها على الهند؟

تتميز الهند –كما سبق القول- بتطور اقتصادها الرقمي. كما لعبت شركات الاتصالات المحلية -مثل “ريلاينس جيو”- دورًا رئيسًا في حصول مئات الملايين من المواطنين والشركات الصغيرة على خدمات الإنترنت، حيث قدمت مكالمات مجانية وعززت سرعة الاتصال بالإنترنت مع تقديم هذه الخدمات بأسعار مناسبة مما ساهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأمريكية لهذا القطاع.

وتتمتع الدولة بقاعدة استهلاكية واسعة النطاق، حيث قدر المنتدى الاقتصادي العالمي أن ينمو الطلب الاستهلاكي بالهند إلى 6 ترليونات دولار بحلول عام 2030. وبالإضافة إلى ذلك، ساهم التوتر القائم والمستمر بين الولايات المتحدة والصين حول العديد من الملفات، لا سيما تلك المتعلقة بالأمن القومي، في اتجاه الشركات الأمريكية إلى الهند، حيث وجهت واشنطن إلى بكين تهمة استخدامها معدات الاتصالات للتجسس على شبكات الدول الأخرى، ولهذا فهي تحاول استبعادها بشتى الطرق من تطوير شبكات اتصال الجيل الخامس “5G”، وهي خطوة من شأنها أن تجعل الولايات المتحدة أكثر ارتباطًا بالهند. ومن أبرز أمثلة الشركات التكنولوجية الأمريكية التي أعلنت عن خطط لضخ استثمارات في نظيرتها الهندية خلال الشهور الماضية، “فيسبوك” التي أعلنت عن استثمار بقيمة 5.7 مليارات دولار في “ريلانيس جيو”، وهو ما يعتبر أكبر استثمار خارجي في تاريخها، فيما كشفت “جوجل” –المملوكة لـشركة “ألفابت”- عن نيتها شراء حصة بنحو 7.7% في الشركة ذاتها بقيمة 4.5 مليارات دولار، وذلك ضمن خطتها لاستثمار 10 مليارات دولار في الهند على مدار خمس سنوات، بينما تخطط شركتا “كوالكوم” و“إنتل” لضخ 97 مليون دولار و253.5 مليون دولار على التوالي في أكبر شركة اتصالات هندية. وفي يناير 2020، أعلن “جيف بيزوس”، رئيس شركة “أمازون”، عن استثمار مليار دولار إضافية في الهند، ليبلغ إجمالي استثمارات شركته في البلاد ما تصل قيمته إلى 6.5 مليارات دولار، وعلاوة على ما سبق، تسعى شركة “وول مارت” للتجارة بالتجزئة إلى زيادة حصتها في مثيلتها الهندية “فليب كارت” من خلال قيادة جولة تمويل جديدة بقيمة 1.2 مليار دولار. وينبغي الإشارة إلى أن “ريلانيس جيو”، هي الشبكة الوحيدة في العالم التي لا تستخدم المعدات الصينية، وربما يكون هذا من بين الأسباب الرئيسية التي شجعت الشركات الأمريكية على الاستثمار فيها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة