بث تجريبي
وحدة الدراسات العربية والإقليمية

واقع المعارضة الموريتانية قبيل الانتخابات الرئاسية 2019

تشهد الساحة السياسية الموريتانية مخاضًا مهمًّا في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في يونيو المقبل. ويزيد من أهمية هذه الانتخابات قرار الرئيس “محمد ولد عبد العزيز” في مطلع العام الجاري عدم الترشح لولاية ثالثة، وما تلاه من دعم الحزب الحاكم لترشح وزير الدفاع الموريتاني السابق “محمد ولد الشيخ الغزواني” الذي أعلن خوضه المنافسة رسميًّا في الأول من مارس 2019. وقد جاءت هذه التحولات على صعيد الحزب الحاكم لتزيد من الاضطراب الذي تعانيه المعارضة الموريتانية، الأمر الذي يفرض أهمية كبرى لمحاولة استشراف المستقبل السياسي لإحدى أهم الدول في منطقة الساحل الإفريقي.

أولًا: تطورات المشهد السياسي في موريتانيا قبيل الانتخابات الرئاسية

منذ مطلع عام 2019، شهدت الساحة السياسية الموريتانية تغيرات جذرية غير متوقعة، ارتبط بعضها بالحزب الحاكم والأحزاب الداعمة، وارتبط بعضها الآخر بأحزاب وقوى المعارضة المختلفة. وتأتي هذه التغيرات لترسم مشهدًا سياسيًّا جديدًا في موريتانيا تتحدد ملامحه فيما يلي:

1- الإعلان عن مرشح رئاسي جديد للحزب الحاكم

أثار البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية في الخامس عشر من يناير 2019 نقطة تحول مهمة فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في يونيو 2019، حيث تضمن البيان الإعلان الرسمي عن رفض الرئيس “محمد ولد عبدالعزيز” إجراء تعديلات دستورية تُتيح له خوض الانتخابات المقبلة لولاية ثالثة، مؤكدًا احترامه الدستور، ونافيًا رغبته في خوض انتخابات الرئاسة المقبلة. ولتجنيب وقوع البلاد في الفوضى أو مواجهة احتمالات مفتوحة، أعلن وزير الثقافة الموريتاني والناطق باسم الحكومة في التاسع والعشرين من يناير 2019 توافق الحزب الحاكم على دعم وزير الدفاع “محمد ولد الشيح الغزواني” مرشحًا للرئاسة في الانتخابات المقبلة.

2- التقارب بين بعض أحزاب المعارضة وبين المرشح الجديد للنظام

شكّل قرار الرئيس الحالي “محمد ولد عبدالعزيز” عدم تعديل الدستور ليتيح له الترشح لفترة جديدة مجالًا حيويًّا لإعادة تشكيل أغلبية جديدة لا تقتصر فقط على الأحزاب الرئيسية الداعمة لمرشح النظام؛ بل يمتد الأمر لاستقطاب قوى معارضة ومستقلة. ولعل مؤشرات ذلك تظهر في إعلان بعض القوى المعارضة تأييدها لمرشح النظام “ولد الغزواني” في الانتخابات الرئاسية كما هو الحال بالنسبة لحزب العهد الموريتاني للديمقراطية والتنمية “عادل”، بالإضافة إلى حزب التجمع من أجل الديمقراطية والتقدم.

3- حل الأحزاب الصغيرة غير الفاعلة

شهدت الحياة الحزبية الموريتانية تطورًا مهمًّا في مطلع مارس 2019 تجلى في حل 76 حزبًا سياسيًّا من أصل مائة وخمسة أحزاب مسجلة، أي نحو 70% من إجمالي الأحزاب الموريتانية. وقد جاء هذا القرار تطبيقًا للمادة (20) من القانون رقم 24 لعام 2012 والمعدل في عام 2018، والذي ينص على حل أي حزب سياسي سبق له أن قدم مرشحين لاقتراعين بلديين اثنين وحصل على أقل من 1% من الأصوات في كل اقتراع، وكذلك حل أي حزب لم يشارك في اقتراعين بلديين اثنين متواليين. وقد طبق هذا القرار على العديد من الأحزاب الصغيرة الضعيفة، سواء المؤيدة للحزب الحاكم أو من أحزاب المعارضة دون تمييز.

4- الانشقاقات في صفوف المعارضة الإسلامية

شهد حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” (الممثل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا) جملة من الاستقالات، حيث استقال كلٌّ من: “المختار ولد محمد موسى” العضو المؤسس للحزب وأحد كوادر الحركة الإسلامية بموريتانيا، و”محمد عبدالرحمن ولد باباه” النائب البرلماني السابق لمقاطعة “واد الناقة” عن الحزب، فضلًا عن استقالة كلٍّ من الدكتورة “لالة بنت سيدي الأمي” عضو مجلس الشورى في الحزب، والدكتورة “عيية بنت عالي ولد الشيخ المهدي” عضو أمانة الشرق. وجاءت تلك الاستقالات نتيجة تباين المواقف داخل الحزب بشأن الانتخابات الرئاسية، علاوة على مركزية القرار في إدارة الشأن العام للحزب، وتأثره بالخلافات ذات الخلفيات العرقية والجهوية، خاصة بين أعضاء المستوى القيادي للحزب.

5- انصراف الشباب عن أحزاب المعارضة الرئيسية

إن فشل الأحزاب المعارضة في التوصل لمرشح توافقي، وتصاعد الخلافات بين قياداتها، دفع الشباب إلى اتخاذ منحى جديد يُمثّل في ظاهره نهج قوى المعارضة ولكن في جوهره يُعد خطوة نحو البحث عن الذات، حيث أعلن مجموعة من الشباب الناشطين داخل حزب اتحاد قوى التقدم انسحابهم من الحزب في السابع عشر من فبراير من عام 2019، وذلك كونه لم يعد إطارًا معبرًا عن تطلعات تلك الشريحة. كما تجلى ذلك أيضًا فيما دعت له حركة “نستطيع” الشبابية نحو تشكيل لجنة خاصة معنيه بدراسة ملف دعم مرشح للرئاسيات المقبلة، والعمل على كافة الحركات الشبابية المعارضة على بلورة موقف ورؤية مشتركة مما يحدث في المشهد السياسي المعارض.

6- ظهور ائتلاف سياسي جديد

مثّل تأخر إعلان هوية المرشح الموحد للقوى المعارضة نتيجة لخلافاتها، دافعًا لبعض القوى المعارضة لتشكيل ائتلاف سياسي جديد من أجل المشاركة في الاستحقاق المقبل بعيدًا عن المسار الذي تتخذه القوى المعارضة المتحالفة. ويضم الائتلاف الجديد رئيس حزب الحركة من أجل إعادة التأسيس، ورئيس حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية (حركة التجديد)، إلى جانب زعيم حركة أفلام، وما يُلاحظ على ذلك القطب أنه يضم القيادات السياسية الممثلة للمكونات الزنجية في موريتانيا.

ثانيًا: التداعيات والانعكاسات المختلفة لواقع المعارضة الموريتانية

هناك مجموعة من الانعكاسات التي تأتي نتيجة للتطورات المذكورة آنفًا وتؤثر على فرص المعارضة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي:

1- أن الاستقالات المتعددة داخل حزب “تواصل” تمثل مسارًا جديدًا ربما يسلكه بعض الكوادر الأخرى المحسوبة على تلك المعارضة، علاوة على كونها قيمة مضافة لمرشح الأغلبية للانتخابات الرئاسية “محمد ولد الغزواني” خاصة بعدما أعلنت تلك القيادات التي قدمت استقالتها دعمها له في ذلك السباق.

2- نتيجة للمشار إليه أعلاه فإن طول أمد المشاورات البينية بين قوى المعارضة سيتسبب في عجز وافتقاد تلك القوى لخطة واضحة وبرنامج انتخابي يعزز من فرص مرشحيها أمام مرشح النظام.

3- أن توجه الأحزاب المعارضة لدعم أحد الرموز السياسية في عهد الرئيس الأسبق “معاوية ولد الطايع” سيؤدي إلى خلق صورة سلبية لدى الشباب الموريتاني حول عجز المعارضة عن تمثيل تلك الشريحة التي تتطلع للتغيير، علاوة على أنه سيمثل دافعًا للمزيد من العزوف السياسي، وذلك كون توجهات الشباب قائمة على رفض ترشح أي رمز من رموز الأنظمة السابقة كأحد الترشيحات التوافقية للمعارضة، بجانب رفض المعارضة أي مرشح من ذوي الخلفية العسكرية، أو من المنتمين لطبقة رجال الأعمال.

4- أن غياب الزعامات المعارضة ذات الشخصية القيادية داخل الأحزاب الموريتانية، علاوة على التنافس والخلاف الداخلي بين قادة المعارضة الحاليين لتصدر المشهد الرئاسي، خلق حالة من التشرذم والإحباط لدى كوادر الجيل الثاني لتلك الأحزاب، مما أفقدها القدرة على تنظيم وترتيب أوراقها في الانتخابات القادمة.

5- تزايد فرص مرشح النظام في ظل مناخٍ يتسم بالتنافر بين أقطاب المعارضة المختلفة، وتقارب بعض القوى المعارضة له مما يخلق فرصة أمام النظام نحو شرعية مرشحه وتدعيمًا لفكرة نزاهة الانتخابات المقبلة.

ثالثًا: المسارات المحتملة للمعارضة في الانتخابات الرئاسية

من كل ما سبق يمكن حصر المسارات المتاحة أمام المعارضة الموريتانية بشأن المنافسة الانتخابية الرئاسية في ثلاثة مسارات رئيسية، هي:

المسار الأول- استمرار الانقسام التقليدي للمعارضة

ففي ظل فشل المعارضة في الاتفاق على تقديم مرشح واحد تدفع به للانتخابات الرئاسية، فإن ذلك سوف يترك الخيار للأحزاب لاختيار مرشحها بشكل منفرد. وفي هذا المسار يمكن الحديث عن أربعة مرشحين؛ أولهم رئيس حركة (إيرا) “بيرام ولد عبيدي” المدعوم من قبل حزب الصواب أحد أبرز الأحزاب القومية. والثاني يتمثّل في الوزير الأول الأسبق “محمد ولد ببكر” الذي لقي دعمًا من جانب كلٍّ من حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” المحسوب على جماعة الإخوان، وحزب الاتحاد والتغيير الموريتاني “حاتم”، وعدد آخر من القوى المعارضة. بينما يتمثل المرشح الثالث في رئيس حزب اتحاد قوى التقدم “محمد ولد مولود”، فهناك مشاورات من قبل حزب تكتل القوى الديمقراطية وحزب اتحاد قوى التقدم وحزب التناوب الديمقراطي “إيناد” لعقد تحالف بينهم لدعم “ولد مولود” في الانتخابات المقبلة. ويأتي “محفوظ ولد بتاح” رئيس حزب اللقاء كأحد الخيارات المطروحة وكنموذج لمرشح موحد من داخل المعارضة، إلا أن وضعه أكثر تأزمًا، خاصة عقب حل حزبه من قبل وزارة الداخلية مؤخرًا.

وربما تسعى أحزاب المعارضة إلى تأليف محاور حزبية في الانتخابات المقبلة، والتنسيق في الجولة الأولى من الانتخابات، ثم التضامن في الجولة الثانية حول مرشح واحد. كما أنه من المحتمل أن تنسق تلك القوى المعارضة مع رجل الأعمال “محمد ولد بوعماتو” رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل لتمويل الحملات الانتخابية في حالة عدم ترشحه لخوض تلك الانتخابات. لكن مآل ذلك المسار يمثل ضربة في مقتل لتلك الأحزاب، ويُضعف من فرص فوزها أو حتى تخطيها الجولة الأولى للانتخابات نظرًا لكونه آلية لتفتيت للأصوات.

المسار الثاني- التوافق بشأن دعم مرشح واحد من خارج المعارضة التقليدية

إن الاختلاف الذي يضرب المعارضة حول اختيار مرشح من داخلها، وعجز بعض أحزاب المعارضة عن تقديم مقترحاتها فيما يتعلق بالمرشح الموحد، جعل الكتلة المعارضة تتجاوز مرحلة الترشيح من داخلها لتحسم قضية الاختيار من خارجها، سواء تولت ترشيحه أو رُشح بشكل مستقل مع الاتفاق على برنامج محدد بين ذلك المرشح وتلك الأحزاب. ولعل إعلان الوزير الأول الأسبق “محمد ولد بوبكر” في السادس عشر من مارس 2019 ترشحه بشكل رسمي لخوض سباق الانتخابات الرئاسية، بمثابة نافذة وخيار أمام المعارضة الموريتانية بصفة عامة، وحزب تواصل على وجه التحديد، لتقديم الدعم له في السباق الانتخابي المقبل. وتجلى ذلك فيما قرره المكتب التنفيذي لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” في الخامس عشر من مارس 2019 لدعم “ولد ببكر”.

وإذا ما كان “ولد ببكر” يحظى بثقة الإسلاميين الذين يشكلون القوة الأكثر تمثيلًا في البرلمان بواقع 14 مقعدًا؛ إلا أنه يواجه تحفظًا من جانب بعض القوى المعارضة الأخرى التي تعتبره مرشحًا خارجيًّا وغير معبر عن أهداف وأجندة تلك القوى. وبالرغم من ذلك فإن قوى المعارضة ترى في ذلك المسار مخرجًا لها من مأزق اختيار مرشح توافقي من داخل أحزاب تكتل المعارضة. وبالنظر إلى الساحة السياسية يمكن القول إن هناك ثلاث قوى تتجلى في الأغلبية والمعارضة والكتلة الصامتة، وترى المعارضة في دعمها مرشحًا من خارج أحزابها يحمل خطابها أرضية مناسبة لاستقطاب تلك الكتلة الصامتة، وإضفاء ديناميكية على العملية الانتخابية، بما يعزز من فرصها خلال ذلك السباق، كما يعتمد منطق اختيار مرشح مستقل ودعمه من جانب القوى المعارضة على فكرة تكتيكية هدفها خلق ميزان قوة انتخابي في مواجهة مرشح النظام.

المسار الثالث- التقرب من المرشح الجديد للنظام

إن معطيات الواقع الموريتاني تتيح لمرشح النظام الفوز بالانتخابات المقبلة، الأمر الذي دفع المعارضة إلى محاولة التقرب للأغلبية الحاكمة في محاولةٍ لإيجاد موطئ قدم لها في السباق الانتخابي، وفتح نوافذ جديدة لعدم تآكلها في ظل حالة التخبط والارتباك التي تشهدها تلك القوى كما أشرنا سابقًا، ولكن المفارقة هنا تتمثل في سعي الإخوان إلى التقرب لولد الغزواني وإعلان دعمه في الانتخابات، وذلك في محاولة للخروج من مأزق الحملة الأمنية التي تقوم بها السلطات الموريتانية تجاه مؤسسات ذلك التنظيم. كما تستهدف بتلك المحاولة إبقاءها على الخريطة السياسية والحزبية، ومحاولة شرعنه تواجدها على الساحة السياسية. لكن يمكن القول، إن تلك المحاولات ستبوء بالفشل في ظل رفض “ولد الغزواني” لذلك التقارب، وانتهاجه سياسات أقرب لسياسات “ولد عبدالعزيز” خاصةً فيما يتعلق بنشاط جماعة الإخوان داخل موريتانيا.

ختامًا، يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية المقبلة تمثل محطة صراع قوي بين الأغلبية الحاكمة مدعومة ببعض قوى المعارضة، وبين القوى السياسية المعارضة التي بدأت في تحديد تموضعها من جديد على الساحة السياسية، خاصة في ظل فشلها في اختيار مرشح توافقي، كما أنها ستمثل “القشة” التي قد تقصم ظهر المعارضة بصورة عامة، لا سيما الراديكالية منها على وجه التحديد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق