بث تجريبي
مقالات رأي

نشر صاروخى أمريكى جديد.. فى إسرائيل!

مثّل النشر الأمريكى لمنظومة (THAAD) الصاروخية فى إسرائيل، فارقاً نوعياً لافتاً بقوة، خاصة وهو يدعم قدرات الدفاع الجوى الإسرائيلى بنظام يوصف بـ«الأكثر تطوراً»، لصواريخ أرض جو التى ستستخدمها الولايات المتحدة، وبعض حلفائها مستقبلاً، فضلاً عن تفاصيل عملية النشر، التى جاءت كتمرين أمريكى يعزّز قدرات قواتها العسكرية، فى النشر السريع لمثل هذه الأسلحة فى أنحاء العالم. وهذا ما جاء معناه فى بيان القيادة الأوروبية للجيش الأمريكى تعليقاً على الحدث، مقروناً كالعادة باعتباره دليلاً على التزام واشنطن بأمن إسرائيل.

بما خرج من معلومات محدودة عن هذه المنظومة، يتضح أن قدراتها التقنية موجهة بالأساس لمهام تأمين المنشآت الحيوية والمناطق السكنية والبنية التحتية الأساسية، حيث يعتمد نظام عملها على اعتراض الصواريخ الباليستية، سواء داخل الغلاف الجوى أو خارجه. وهذا يجعلها وسيلة فعالة لمواجهة منظومة الصواريخ الإيرانية، لا سيما عقب إعلان طهران مؤخراً عن الإطلاق الناجح لصاروخ جديد حمل اسم «هويزه»، ويتخطى مداه 1350 كيلومتراً، كما يتمتع بقدرات التحليق على ارتفاع منخفض، لإصابة أهداف أرضية استراتيجية ثابتة. وهو ما شكل هاجساً واقعياً لدى إسرائيل، بأن مشروع التصنيع العسكرىالإيرانى، يركز بصورة كبيرة على بناء الصواريخ متوسطة المدى لتهديد معادلات أمن المنطقة برمتها. وقد خرجت كل من واشنطن وتل أبيب بعد تشاركهما فى التدريب المشترك «جونيبر فالكون 2019» يناير الماضى، بأن هناك أوجهاً للقصور فيما يتعلق بنوعية محددة من التهديدات. تتمثل فى أن جميع صراعات إسرائيل المستقبلية، ستشهد تعرّض الأخيرة لهجمات صاروخية مكثفة ومتزامنة، وستضرب فيها الجبهة الداخلية المدنية كهدف رئيسى لتلك الهجمات.

هذا دفع القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلى «إيتان بن إلياهو»، إلى توصيف النشر الأمريكى الجديد لمنظومة (THAAD)، باعتباره تجاوباً مع سيناريوهات الحرب المستقبلية. على اعتبار أن هناك حتمية لاستخدام واسع النطاق لسلاح الصواريخ، وأن الاعتماد على تنفيذ الجيش الإسرائيلى لعمليات جوية هجومية ناجحة، يظل غير كافٍ لحماية الداخل من تهديدات الصواريخ المتوقعة. وفى هذا السياق تأتى أهمية إضافية لخطوة نشر المنظومة الأمريكية، وهى القدرة التى اتضحت فى التنسيق و«الدمج السريع»، ما بين أنظمة الدفاع الإسرائيلية (حيتس 2، وحيتس 3، العصا السحرية)، وبين الأنظمة المماثلة الأمريكية، وآخرها المنظومة الحديثة (THAAD). وهذا الدمج لا يقل فى درجة أهميته وتطوره، عن التقنيات الحديثة التى كشفت عنها المنظومة الجديدة، كونها قادرة على التصدى لحالة إطلاق مئات من الصواريخ، قادمة من إيران وسوريا ولبنان فى وقت واحد.

لا يمكن إغفال أن المنظومة الأمريكية الجديدة هىفى جانب رئيسى منها صياغة سريعة لما يُعرف بـ«توازن الردع»، فالعيون العسكرية الأمريكية مفتوحة على اتساعها، تراقب القفزات الروسية فى منظومات (S 300)، و(S 400)، فيما تحظيان به من رواج وقدرات وصفت الأخيرة فيها بالاستثنائية، حيث تتمكن من رصد أهدافها وإسقاطها، فى مدى يتراوح بين (40 إلى 400) كم، وتنطلق صواريخ المنظومة الروسية بسرعة «15 ضعف» سرعة الصوت. ما جعل كلاً من الصين والهند والسعودية وقطر وتركيا، تُجرى اتفاقيات مع موسكو رغبة فى أن تحمى سماءها بتلك الصواريخ. وفى طريق البحث عن هذا التوازن، لا يغيب عن الرصد الإسرائيلى أيضاً أن سوريا تمتلك منظومة (S 300)، وهى فى العديد من المرات استخدمتها دمشق لصالح إيران و«حزب الله». وإمكانية وجود (S 400) بالقرب من الحدود الإسرائيلية، أمر ليس مستبعداً، بل هو أقرب للحدوث، وحينها سيميل بشدة ميزان المحور المناوئ لواشنطن وتل أبيب، وهذا التقدير أسهم فى سرعة وتيرة النشر الأمريكى، والجهد الإسرائيلى الذى بُذل فى اعتماد عملية الدمج ما بين الأنظمة المشتركة.

وعلى خلفية تقدم إجراءات تلك الاتفاقات ما بين أنقرة وموسكو، اندلعت منذ أيام أزمة حادة ما بين واشنطن وأنقرة، بعد إعلان الأخيرة أنها بصدد إتمام عملية تسلّم منظومة (S 400) من موسكو. وإن كان الأمر ظل لشهور مضت فىطى الاحتقان المكتوم ما بين الطرفين، لكن هذا الأسبوع لم يجد البنتاجون بداً من توجيه إنذار صريح معلن فى صيغة تهديد، بأن تركيا ستواجه بـ«عواقب وخيمة» إذا لم تتخل عن عزمها شراء منظومات الدفاع الجوىالروسى (S 400). وقد نقلت صحيفة (Defence news) هذا التهديد على لسان المتحدث باسم البنتاجون «شارلىسامرز»، بل تطرق التهديد ناحية مجمل العلاقات العسكرية والتسليح، منها وهو الأهم مقاتلات (F 35)، و(صواريخ باتريوت)، ففى الوقت الذى أعلن فيه الكونجرس فى وقت سابق، أنه يعتزم تعليق توريد المقاتلات المذكورة بسبب خطط أنقرة فى الحصول على المنظومات الروسية. قام فعلياً إثر ذلك أعضاء مجلس الشيوخ بتعديل ميزانية الدفاع، والتى بموجبها يتعين على وزارة الدفاع الأمريكية إعداد تقرير، يشمل تقييم «التغيرات المهمة» المحتملة فى إمدادات الطائرات لتركيا.

الولايات المتحدة تنظر بالتأكيد للخطوة التركية، فى حال إتمامها، بأنها ستعد أول اختراق مؤثر تتمكن موسكو من إحرازه، فى الجدار الحديدى لدول «حلف الناتو»، فقضية التسليح وتوحيد منظومات العمل الدفاعى لدول الاتحاد، أسست لتخضع لضوابط صارمة ومُحكمة من الناحية التقنية، وهى تدخل فى إطار أكثر تعقيداً من مجرد كون الصفقة التركية «صفقة تسلح»، فنقاط نشر تلك المنظومات الدفاعية والصاروخية على وجه التحديد، لها استراتيجية مركبة، تمتد إلى سنوات من العمل السياسى الشامل لكل دول التحالف، التى ما زال معظمها يعتبر روسيا مصدر تهديد، ومنافساً شرساً على مناطق النفوذ والسيطرة، والقدرة على التأثير فى الأحداث، ولذلك لم تتأخر كثيراً الخطوة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، فى إجراء عملية النشر الصاروخى الأخير، على اعتبار أنها بمثابة تأكيد أن إدارة «ترامب»، رغم إعلاناتها المرتبكة حول الانسحابات من المنطقة فى سوريا وغيرها، إلا أنه بالنسبة إلى معادلات التوازن العسكرى تبقى لها حسابات أخرى راسخة، لم ولن تستهين فيها بأى حال.

*نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ١٢ مارس ٢٠١٩.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

أحدث الإصدارات

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق