بث تجريبي
مقال تحليلي

مناورات “ذئب البحر 2019”.. هل تُشعل النار في غاز المتوسط؟

يجب أن تعطي السياسات التركية المزعزِعة للاستقرار في شرق المتوسط، والتي كان آخرها محاولة أنقرة التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية، إشارة تنبيه وحذر لأولئك الذين يبالغون في التفاؤل بشأن إمكانية بزوغ عصر جديد لمنطقة شرق المتوسط يقوم على التعاون الاقتصادي في مجال الغاز والطاقة، نتيجة الاكتشافات الهائلة من الغاز الطبيعي في هذه المنطقة. فرغم التحذيرات شديدة اللهجة التي تلقّتها أنقرة بضرورة إيقاف أنشطة التنقيب عن الغاز الطبيعي في المياه القبرصية من جانب ‌العديد من الأطراف الفاعلة في منطقة شرق المتوسط، والتي من أبرزها: مصر، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وقبرص، واليونان، وإسرائيل؛ إلا أن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” تجاهل هذه التحذيرات تمامًا، مؤكدًا أن بلاده ستواصل تنفيذ برنامجها الخاص غير مكترثة بـ”تعليمات أو تقييمات بعض الدوائر”، في إشارة إلى الدول والأطراف المذكورة آنفًا. بل وشدّد “أردوغان” أيضًا (في 6 مايو 2019) على أن بلاده تتوقع من حلف شمال الأطلسي (ناتو) دعم “حقوقها” في شرق البحر المتوسط ردًّا على إعلان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قلقهما إزاء خطط تركيا للتنقيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص. وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو” (في 13 مايو 2019) أن أنقرة ستبدأ -خلال الأيام المقبلة- الحفر بسفينتين في منطقة بحرية أخرى حول قبرص، مشيرًا إلى تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غويتيريش” بشأن ضرورة تقاسم احتياطات النفط والغاز حول الجزيرة بين شعبيها. ومن جانبه، ‌أكد وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” عزم بلاده “حماية حقوقها” في شرق المتوسط وبحر إيجه، والدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك بصفتها (تركيا) دولة ضامنة، وعدم السماح بفرض أمر واقع”.

ولم تمضِ أيام قليلة على هذه المواقف المستفزِّة من جانب القيادات التركية، إلا وبدأت قوات البحرية التركية (في 13 مايو 2019) أكبر مناورة بحرية في تاريخ الجمهورية التركية، بحسب وكالة أنباء “الأناضول” الرسمية، تحت اسم “ذئب البحر 2019” (أو دينيزكوردو – 2019Denizkurdu-2019 باللغة التركية). وتمتد هذه المناورات، التي تُنفذ بشكل متزامن في البحار الثلاثة المحيطة بتركيا وهي البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجه، حتى 25 مايو الجاري، وبمشاركة 131 سفينة بحرية و57 طائرة حربية، و33 مروحية. وتهدف هذه المناورات إلى رفع مستوى الجاهزية العملياتية للقطع البحرية والجوية التابعة لقيادة القوات البحرية التركية، من خلال تنفيذ عمليات قصف من طائرات مسيرة، وراجمات صواريخ محملة على السفن الحربية، وطائرات مسيرة هجومية ومسلحة، وقصف جوي من الطائرات. كما تتضمن المناورات أيضًا تدريبات على الحرب فوق الماء، والحرب الدفاعية تحت الماء، والحرب الإلكترونية، وعمليات المراقبة في البحار، وعمليات إنقاذ عناصر الغواصات.

‌وتعكس هذه المناورات الضخمة، التي يشارك فيها حوالي 26 ألف جندي، مساعي تركيا المستمرة لتحديث وزيادة قواتها البحرية، في وقت يتنامى فيه إنفاقها العسكري رغم مصاعبها الاقتصادية، حيث تشير تقديرات معهد استكهولم الدولي لبحوث السلام إلى أن أنقرة سوف تزيد قوتها البحرية بحلول عام 2023، بحوالي 24 سفينة جديدة، بما في ذلك أربع فرقاطات. هذا وقد بلغت ميزانية الدفاع التركية في عام 2018 حوالي 19 مليار دولار، بزيادة قدرها 24 بالمائة مقارنة بالعام الماضي.

وتأتي هذه المناورات بعد مناورات مماثلة أجرتها أنقرة في البحار الثلاثة المحيطة بها في 27 فبراير الماضي، تحت اسم “الوطن الأزرق 2019” وذلك بمشاركة 130 سفينة، وهو ما اعتُبر في حينه أكبر مناورات في تاريخ البلاد. كما تأتي هذه المناورات أيضًا في ظل توتر غير مسبوق في العلاقات التركية-القبرصية، بعدما أشار الرئيس القبرصي “أناستاسياديس” مؤخرًا إلى أن التنقيب التركي عن الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص سيكون بمثابة “احتلال جديد” للجزيرة.

وتعكس مناورات “ذئب البحر 2019” عدة دوافع لدى صانع القرار التركي، لعل من أبرزها ما يلي:

1- التأكيد على الأهمية الجيوستراتيجية لتركيا في منطقة شرق البحر المتوسط، وعلى امتلاك أنقرة القدرة العسكرية والرغبة السياسية في تغيير الأوضاع الجيوستراتيجية الراهنة في المنطقة إذا لم تتوافق مع المصالح التركية. وربما يرجع ذلك الدافع إلى التوتر المتزايد في العلاقات التركية-الأمريكية نتيجة الخلافات العميقة بين الدولتين تجاه عدة قضايا، لعل من أهمها إصرار أنقرة على شراء نظام الصواريخ الروسية S-400 في تحدٍّ سافر للولايات المتحدة، وهو ما يدفع كثيرًا من المراقبين الأمريكيين إلى وصف تركيا بأنها “حليف” لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ولا يمكن الثقة فيه. وربما تكون هذه الخلافات المتزايدة بين أنقرة وواشنطن هي السبب الأهم وراء تقديم السيناتورين “روبرت مينينديز” و”ماركو روبيو” مشروع قانون جديد للكونجرس الأمريكي في شهر أبريل الماضي بعنوان “قانون شراكة الأمن والطاقة في شرق المتوسط لعام 2019” من أجل تقديم الدعم العسكري والمادي لدول مثل قبرص واليونان من أجل مساعدتها في “ردع” التهديدات التركية.

2- زيادة القدرة التفاوضية مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعد تهميش أنقرة من الترتيبات الاقتصادية الجديدة في شرق المتوسط (والتي كان آخرها تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة في يناير 2019 بمشاركة سبع دول هي مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وفلسطين وإيطاليا والأردن). فالأتراك يريدون الحصول على جزء من “كعكة” الاكتشافات الهائلة من الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، للتغلب على المصاعب الاقتصادية الجمة التي تواجهها تركيا في الوقت الراهن، حيث يبدو أن الرئيس التركي، في ظل أزماته الاقتصادية والسياسية المتفاقمة مؤخرًا، أصبح يراهن في البقاء بالسلطة على ثروات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط. فهو يدرك جيدًا أن بلاده ربما تصبح ممرًّا لتصدير الغاز الطبيعي المكتشف إلى أسواق الغاز الأوروبية، في ضوء أن هذه الأسواق ربما تكون هي الوجهة الأمثل لتصدير هذه الاكتشافات في المستقبل القريب.

3- الرغبة في “عسكرة” البحر المتوسط، حيث تأتي هذه المناورات بالتزامن مع دعوات تركية لعدد من دول العالم للقيام بمناورات بحرية مشتركة في البحر المتوسط. فقد ذكرت صحيفة “ياني شفق” التركية أن أنقرة تُجري حاليًّا محادثات مع عدة دول لضمها لمناورات “درع البحر المتوسط” التي يجريها الجيش التركي منذ عام 2006 لمواجهة تهديدات الأمن البحري. وقالت الصحيفة أيضًا إن تركيا تعتزم توقيع مذكرات تفاهم مع ألبانيا وأذربيجان والجزائر وجورجيا وليبيا ولبنان وباكستان وتونس والأردن لإدراجها في هذه المناورات، مشيرة إلى أن تركيا سبق وأن قامت بتدريبات عسكرية مماثلة في البحر الأسود.

على أية حال يمكن القول إن أنقرة أصبحت راغبة أكثر من أي وقت مضى في إثارة الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة شرق المتوسط، وهو ما قد يهدد “الأمن” و”التنمية” في هذه المنطقة خلال الفترة المقبلة إذا لم يتم التعامل مع “الاستفزاز” التركي بحرص وحذر شديدين. وربما يكون ذلك ممكنًا من خلال اتباع عدة إجراءات، لعل من أهمها:

1- توجيه الأطراف المعنية رسالة واضحة وقوية إلى الرئيس التركي مفادها ضرورة الالتزام بنفس “قواعد اللعبة” التي تلتزم بها مصر واليونان وقبرص والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وأهم هذه القواعد هي الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والاعتراف بجمهورية قبرص وحقوقها القانونية، وتسوية الخلافات العالقة مع مصر واليونان وقبرص. أما محاولة الدخول في لعبة الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط من خلال الاستفزازات العسكرية ودبلوماسية “البوارج الحربية” التي تهدف إلى عرقلة تقدم مشاريع الطاقة المختلفة في المنطقة، فهو أمر مرفوض تمامًا وغير مقبول على الإطلاق.

2- ضرورة العمل على فضح الممارسات العدوانية التركية، وردع أنقرة عن لعب دور سلبي تجاه تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة شرق المتوسط، حيث أصبح من الضروري أن تلعب “الدبلوماسية الرقمية الذكية” دورًا أكبر في الأيام القادمة، من خلال إعداد تقارير مفصلة حول الاستفزازات التركية في المنطقة ونشرها في الوسائل الإعلامية المختلفة، وبالتالي الكشف عن الحجم الحقيقي للمشكلة التركية لبقية العالم. وبالإضافة إلى ذلك، يجب إعداد تقارير شهرية كاملة ومفصلة وتحليلية حول دعم تركيا للجماعات الإرهابية في المنطقة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. وربما يتعين أيضًا الكشف عن تكاليف السياسات التركية المزعزِعة للاستقرار في المنطقة على الاقتصاد التركي أيضًا، حتى يتفهم المجتمع التركي أسباب معاناته الاقتصادية والاجتماعية في وقت يمر فيه الاقتصاد التركي بأصعب أوقاته.

3- ربما يكون تعزيز التعاون الإقليمي في منطقة شرق المتوسط أمرًا مهمًّا لردع أنقرة في المدى القريب، وهنا تظهر أهمية دفع وتشجيع منتدى غاز شرق المتوسط، باعتباره تجمعًا لخدمة مصالح المنطقة والشعوب، وفقًا لمبادئ القانون الدولي، واحترام الاتفاقيات الدولية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق