بث تجريبي
وحدة الدراسات الإقتصادية

ملامح التكامل الاقتصادي بين مصر وإفريقيا

أظهرت العديد من الأبحاث على مر العصور أن تنمية البلدان (المتقدمة أو النامية) يمكن تحقيقها وضمان استدامتها من خلال تنشيط التجارة الدولية لتلك البلدان، إذ إنها تساهم بشكل أساسي في زيادة الدخل القومي من خلال عائدات التصدير، ومن ثم توفير العملة الأجنبية اللازمة لوفاء الدول بديونها الخارجية التي تُعد العقبة الأساسية للتنمية. ومنذ تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي في فبراير ٢٠١٩، وهي تسعى للمساهمة في البناء والتنمية والازدهار لدول القارة، وتذليل العقبات التي واجهت تنمية التجارة الداخلية، وتحقيق التكامل الاقتصادي بين تلك الدول، في وقت تزايد فيه إجمالي الدين الحالي للقارة عن 200 مليار دولار(١).

تاريخ التكامل الاقتصادي في إفريقيا

كانت محاولات التكامل الاقتصادي في قارة إفريقيا كثيرة، إذ يبين التاريخ أن دولها قد أبدت استعدادًا جيدًا للدخول في تكتلات اقتصادية منذ التوقيع على معاهدة أبوجا في عام 1991، والتي تم تطبيقها في عام 1994. وقد دعت إلى تكامل تدريجي بدأ بإلغاء التعريفات على البضائع المتداولة لإنشاء مناطق للتجارة الحرة تمهيدًا لتتطور إلى اتحاد جمركي، معتمدة في توجهها بشكل أساسي على النجاحات التي حققها الاتحاد الأوروبي ونافتا (اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية) وأبيك (منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ) التي تضم بعض الدول في آسيا وأمريكا الشمالية.

وقد حققت الجهود الإفريقية نجاحات محدودة من حيث تنمية التبادل التجاري. أما من حيث إزالة الحواجز بين الدول فقد شهدت تطورًا ملحوظًا، إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أنه في عام 1990 كانت هناك عوائق تجارية لحوالي 75% من الدول في صحراء إفريقيا، وانخفضت تلك النسبة إلى 14% في عام 2007.

أسس وأهداف التكامل الاقتصادي

التكامل الاقتصادي شكل من أشكال التعاون أو التنسيق بين الدول دون المساس بسيادة أي منها، وهو مبني على أساس وضع خطة مشتركة للتنسيق بين المشروعات والتخطيط الاقتصادي بشكل يسمح بإقامة صناعات متكاملة تعتمد على التخصص وتقسيم العمل. ويمثل تجانس الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية بين الدول الأعضاء الأساس لنجاح التكاملات الاقتصادية، ويمكن لتلك التكاملات الاقتصادية أن تضع حلولًا للدول.

فعلى سبيل المثال، يلاحظ بالنظر إلى الجغرافيا الإفريقية صغر حجم عدد كبير من الدول، واعتماد 70% من الدول في إفريقيا على الزراعة كمصدر دخل أساسي في البلاد (وفقًا لما ورد في تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي)، بينما تُعاني بعض الدول الأخرى من انعدام الأمن الغذائي، لذا فالتكامل الاقتصادي بين تلك الدول يوفر الغذاء للدول التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي، ويساهم في التنمية الاقتصادية وتحسين القطاع الزراعي للدول التي تعتمد على الزراعه كمصدر لدخلها.

وتهدف الدول من خلال التكاملات الاقتصادية إلى إزالة العوائق، وتسهيل انتقال عوامل الإنتاج بين الدول بشكل يتيح استغلال الميزة النسبية لكل دولة، والإنتاج بشكل كثيف، بما يساهم في تخفيض تكلفة الإنتاج، والاستفادة من اتساع السوق للدول الأعضاء. ويأتي التكامل الاقتصادي في عدة أشكال كما يوضح الجدول التالي:

التكتلات الاقتصادية بالقارة

يعيش في إفريقيا نحو 15% من سكان العالم، حيث يبلغ عدد سكان القارة 1,2 مليار نسمة تقريبًا. وعلى الرغم من أن القارة تُعتبر من بين أغنى القارات من حيث توافر المواد الخام؛ إلا أن سكانها يُعدون الأفقر عالميًّا، وتستحوذ القارة على نسبة 1% فقط من التعاملات التجارية عالميًّا وفقًا لتقرير منظمة التجارة الدولية لعام 2018، ويتم 10% فقط منها محليًّا بين دول القارة، بينما 90% يتم مع دول خارج القارة(٢). أما من حيث التكتلات الاقتصادية بالقارة فيوجد بالقارة عدد 7 تكتلات اقتصادية على النحو التالي:

أما عن التكتلات الاقتصادية بالقارة التي تنضم إليها مصر فهي: تكتل الكوميسا، واتفاقية التجارة الحرة الموقّعة في عام 2017 والتي لم تدخل حيز التنفيذ بعد، والتي سيتم التعرض لها لاحقًا.

اتفاقية الكوميسا

اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) هي منطقة تجارة تفضيلية تمتد من ليبيا إلى زيمبابوي. وتعود نشأتها إلى عام 1994، وقد جاءت لتحل محل منطقة التجارة التفضيلية الموجودة منذ عام 1981. وقد انضمت مصر إليها في عام 1998. وتم تطبيق الإعفاءات الجمركية على الواردات من باقي الدول الأعضاء اعتبارًا من عام 1999 على أساس مبدأ المعاملة بالمثل. وتشمل تلك الاتفاقية 19 دولة بإجمالي عدد سكان يفوق 390 مليون نسمة. وتمثل الدول أعضاء الاتفاقية نسبة 48,3% من مساحة إفريقيا بمساحة 13,5 مليون كلم مربع من إجمالي مساحة 30,3 مليون كلم مربع.

وعلى الرغم من ذلك فهي تأتي في المرتبة الثانية من حيث إجمالي الصادرات الإفريقية بحصة حوالي 60 مليار دولار. بينما يحتل تكتل سادك (مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية) المرتبة الأولى بحصة تقترب من 140 مليار دولار بنسبة 41% من إجمالي الصادرات لقارة إفريقيا.

ويُعتبر الهدف الأساسي من اتفاقية الكوميسا هو تنشيط التجارة البينية بين دول القارة، وإنشاء المؤسسات التي تكفُلُ التعاون وتُحقق الاستغلال الأمثل للموارد الإفريقية، وتخلق بيئة استثمار مواتية، عن طريق تحرير حركة السلع ورؤوس الأموال، ومن ثمّ تُساهم في تحقيق الرخاء الاقتصادي. وهي تهدف في نهاية المطاف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء لتتطور وتصبح اتحادًا جمركيًّا ثم سوقًا مشتركة.

وقد بلغ التبادل التجاري بين مصر والدول الأعضاء في الكوميسا 2,11 مليار دولار خلال عام 2017، ثم ارتفع في عام 2018 إلى 4 مليارات دولار(٣)، وهو أعلى حجم صادرات تُحققه مصر مع دول الكومسا. ويوضح الجدول التالي تطور حركة التجارة بين مصر ودول الكوميسا في السنوات الأخيرة(٤).

وبموجب تلك الاتفاقية تتم المبادلات التجارية بين مصر والدول أعضاء الاتفاقية وفقًا لمبدأ المعاملة بالمثل شريطة حصول المنتجات على شهادة منشأ بنسبة قيمة مضافة 45%. وتصدر مصر للكوميسا مواد البناء الأساسية مثل الحديد والصلب والإسمنت، بالإضافة إلى بعض المواد الغذائية مثل السكر والزيوت والأرز والفواكه والخضروات، وبعض المنتجات الكيميائية والصيدلانية.

اتفاقية التجارة الحرة لإفريقيا

وقّعت مصر على اتفاقية التجارة الحرة لإفريقيا في عام 2017، وهي اتفاقية تضم 49 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي، وقد تم التصديق عليها من عدد 13 دولة، وفي انتظار تصديق عدد 32 دولة لتدخل حيز التنفيذ. وبمجرد تفعيلها ستصبح التكتل الاقتصادي الأكبر منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية. وتُعتبر تلك الاتفاقية أولوية كبرى لتحقيق التكامل الاقتصادي، وهو هدف لعدد من التكتلات الاقتصادية بقارة إفريقيا وعلى رأسها الكوميسا والاتحاد الإفريقي وأجندة إفريقيا 2063. ويتطلب من الجميع حشد الموارد لمحاولة دفع وتعزيز حركة التبادل التجاري بين مصر وإفريقيا، والانتقال بها إلى آفاق أرحب.

المشاكل التي تواجه القارة

يتطلب انخفاض حصة القارة من التجارة عالميًّا لأقل من 1%، وانخفاض نسبة التجارة البينية لتبلغ 10% من إجمالي تجارة القارة، تحليل العوامل التي أدت إلى ذلك. وتشترك معظم دول القارة في بعض المشاكل التي تتمثل في: ضعف النمو الاقتصادي، وسوء توزيع الدخل والثروة، وعدم استقرار الاقتصاد الكلي، وعدم وجود التزام سياسي قوي لإنجاح التكامل الاقتصادي(٥). بالاضافة إلى ضعف البنية التحتيه، والتكوين الهش لاقتصادات الدول بشكل يجعلها عرضة للتأثر القوي بالأزمات العالمية أو أي ضغوط خارجية، مثل انخفاض الطلب الخارجي وانخفاض أسعار السلع الأساسية التي يكون لها تأثير مباشر على الطلب على السلع من القارة وانخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بالقارة(٦).

وبجانب ما سبق، يوجد سبب رئيسي لإعاقة حركة التجارة البينية بين الدول، وهو استمرار ارتباط بعض دول القارة بالدول المُستعمِرة لها سابقًا. فبالنظر إلى دولة السنغال ودولة جامبيا، فعلى الرغم من أن الأخيرة تقريبًا داخل الأولى؛ إلا أن الشريك التجاري الأكبر لدولة السنغال هو فرنسا، أما جامبيا فالشريك الأكبر لها هو المملكة المتحدة، ولا يوجد تبادل تجاري بين الدولتين اللصيقتين.

الجهود المبذولة لتذليل العقبات

تُدرك مصر الأسباب التي تعيق تنمية حركة التجارة البينية وتحقيق التكامل الاقتصادي، فمنذ توليها رئاسة الاتحاد الإفريقي قامت باتخاذ العديد من القرارات بغرض علاج الأسباب التي أدت لانخفاض حجم التبادل التجاري بين الدول أعضاء القارة وبعضها بعضًا، حيث أعلن الرئيس “عبدالفتاح السيسي” خلال كلمته الختامية لمؤتمر الكوميسا الذي عُقد بمدينة شرم الشيخ في ديسمبر الماضي عن تأسيس صندوق ضمان مخاطر الاستثمار في إفريقيا للمستثمرين المصريين، وذلك بهدف توفير التأمين اللازم للمستثمرين المصريين ضد مخاطر ندرة العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف التأمين على المنتجات المصدرة وارتفاع المخاطر التجارية.

وعن ضعف البنية التحتية فقد أعلن الرئيس “السيسي” خلال الأعمال الختامية للمؤتمر أيضًا عن عزمه مخاطبة المؤسسات الدولية لتوفير التمويل اللازم لتنفيذ مشروع الطريق الرابط بين القاهرة وكيب تاون (عاصمة جنوب إفريقيا)، كأحد اهتمامات الدولة المصرية لتعزيز الاستثمار في البنية التحتية لدول القارة، ومن ثم المساهمة في تحسين عمليات التبادل التجاري، الأمر الذي سيتبعه تحسن في الوضع الاقتصادي لدول القارة.

ووجّه رئيس الوزراء المصري الدكتور “مصطفى مدبولي” في أبريل الماضي بدراسة إنشاء شركة وطنية للشحن والنقل البحري لتعزيز التبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية، ويستهدف بذلك القرار مضاعفة عدد السفن العاملة في ذلك المجال، والتي تبلغ 51 سفينة في الوقت الحالي، الأمر الذي سيُساهم في مضاعفه الصادرات المصرية إلى القارة الإفريقية.

—————–

الهوامش:

  •  تنفق إفريقيا مبلغ 14 مليار دولار تقريبًا على خدمة الديون كل عام، وهو ما يستنزف الموارد المخصصة للتنمية في سد أعباء الديون. انظر http://www.africaaction.org/docs99/dbt9903b.htm
  • Wangari, P, Z., Economic integration, and their role in intra –Africa trade, 2018.
  • تصريح أحمد عنتر – رئيس التمثيل التجاري المصري، بتاريخ 12 مايو 2019 لموقع “اليوم السابع”.
  • مصدر البيانات: تقرير معد بواسطة بنك الإسكندرية بعنوان “A new Boost To Egyptian African Relations” بتاريخ يناير 2018.
  • Juma, O. T., The Changing Faces of East African Region, Economic Cooperation: Is it Politics or Economic Expediency? International Journal of Multidisciplinary Research and Publications, Volume 1, Issue 5, pp. 14-23 (2018)
  • World Economic Outlook: Crisis and Recovery, 93-94, International Monetary Fund, Washington, DC, April, 2009.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق