بث تجريبي
وحدة الدراسات الأفريقية

مستقبل الصراع في مالي بين الإرهاب والعنف الإثني

في فجر الثالث والعشرين من مارس من عام 2019، شهدت قريتا أوجوساجو Ogossagou وولينجارا Welingara (الواقعتين في إقليم موبتي وسط مالي على الحدود مع بوركينا فاسو) هجومًا مسلحًا راح ضحيته أكثر من 160 قتيلًا، وأكثر من 70 جريحًا، جميعهم من جماعة فولاني. كما أسفر الهجوم عن تدمير القريتين بالكامل. ووفقًا للشهود فقد ارتكب المذبحة مقاتلون يرتدون ملابس الصيادين التقليديين المنتمين لجماعة دوجون التي تجاور الفولاني في الإقليم ذاته. وفي اليوم التالي للهجوم، اجتمع رئيس الجمهورية “إبراهيم أبو بكر كيتا” بمجلس الوزراء ليعلن عددًا من القرارات تضمنت حل المجموعات المسلحة التي شكّلها أهالي المناطق التي تعرضت للهجمات الإرهابية والمعروفة باسم مجموعات الدفاع الذاتي، بما في ذلك تلك التابعة لجماعة دوجون، فضلًا عن إقالة عدد من كبار قادة المؤسسة العسكرية شملت رئيس أركان القوات المسلحة، ورئيسي أركان القوات البرية والجوية. كما أكد رئيس الوزراء “سومايلو بوبيي مايجا” التزام الحكومة بتفعيل قرار حل كافة الميليشيات المسلحة المشكلة من قبل الأهالي، مؤكدًا أن حماية المواطنين ستظل حكرًا على الدولة.

المسارات المتداخلة للإرهاب والعنف الإثني

بصورة عامة، لا يمكن الفصل بين أشكال العنف المتصاعد في مالي منذ عام 2012. فبالرغم من الطابع الجهادي الذي اكتسبه تمرد المجموعات المسلحة في شمال مالي منذ عام 2012 فكرًا وتنظيمًا، كان البعد الإثني حاضرًا بقوة منذ البداية؛ إذ تعد غالبية التنظيمات الجهادية الرئيسة الناشطة في مالي تنظيمات إثنية حصرية يقوم كل منها على مكون إثني غالب، ويدعم الترابط بين أعضائه المطالب ذات الخلفيات الإثنية. فعلى سبيل المثال، يمثل تنظيم “أنصار الدين” بقيادة “إياد أغ غالي” بالأساس قبيلة إيفوغاس الطوارقية، كما تمثل حركة “التوحيد والجهاد” في غرب إفريقيا المكون العربي في شمال مالي، أما “جبهة تحرير ماسينا” (كتيبة ماسينا) فتمثل بصورة شبه حصرية جماعة الفولاني في وسط البلاد. ويؤكد التحالف الناشئ في مارس 2017 بين التنظيمات الثلاثة وتنظيمات جهادية أخرى تحت اسم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الطبيعة الإثنية للتنظيمات الجهادية في مالي، حيث أخذ التحالف شكلًا تنسيقيًّا بعد أن احتفظ كل تنظيم ببنية قيادته، وبتمركز نشاطه في النطاق الجغرافي الطبيعي للجماعة الإثنية التي ينتمي إليها.

وباستثناء العمليات التي تستهدف القوات الرسمية المالية أو الفرنسية أو الأممية، لا يمكن الجزم بطبيعة العنف المرتكب ضد الأهداف المدنية في مالي، وما إذا كانت نتاج دوافع إرهابية أو إثنية. وما زاد من تعقد هذا الوضع، تصاعد موجات العنف التي تستهدف السكان المحليين، خاصة في وسط مالي، إذ يُعد هجوم الثالث والعشرين من مارس حلقة جديدة من سلسلة العنف المتبادل بين الجماعات الإثنية في إقليم موبتي، والذي يشتبك فيه منذ نحو أربع سنوات مقاتلو جماعة فولاني مع مقاتلي جماعتي دوجون وبامبارا. وقد خلف هذا الصراع أكثر من 500 قتيل في عام 2018، ونحو نصف هذا العدد في الربع الأول من العام الجديد وحده.

فمنذ معركة كونا في يناير 2013، أصبح إقليم موبتي في وسط مالي ساحة رئيسة لعمليات التنظيمات الجهادية وعمليات مكافحة الإرهاب التي تقودها القوات الفرنسية، خاصة منذ يناير من عام 2015 حين تأسست كتيبة ماسينا التي تتكون بالأساس من أبناء جماعة فولاني (إحدى الجماعات الرئيسة المتوطنة في الإقليم)، ليأخذ العنف في موبتي طابعًا أكثر “محلية”. وبالرغم من أن كتيبة ماسينا كانت تستهدف بالأساس الجنود الماليين والفرنسيين، إلا أن العديد من الأسباب الاجتماعية والثقافية تسببت في استهداف بعض قرى جماعتي دوجون وبامبارا.

وكرد فعل، تعرض أبناء جماعة فولاني في قرية كوماجا لعددٍ من الهجمات من جانب مقاتلي الدوجون أسفرت عن سقوط 24 قتيلًا في يونيو 2018. وفي أغسطس وقع هجوم مماثل خلّف 11 قتيلًا، قبل أن تتسارع وتيرة العنف منذ الإعلان عن مقتل “أمادو دياللو” (كوفا) قائد كتيبة ماسينا الجماعة المقاتلة التي ينتمي غالبية مقاتليها لجماعة فولاني والمتحالفة مع عدد من التنظيمات الأخرى في إطار “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في نوفمبر، إذ أسفرت موجة جديدة من الهجمات وقعت في محيط مدينة بانكاس عن سقوط 34 قتيلًا من الفولاني.

وفي ديسمبر 2018، شهدت مدينة بانكاس عملية أمنية لإلقاء القبض على عددٍ من صيادي الدوجون المنخرطين في العنف، وهي العملية التي شهدت أولى الصدامات المباشرة بين الصيادين وبين قوات الدرك المالي، الأمر الذي غلّ يد القوات الرسمية المالية عن القيام بواجباتها في إقليم موبتي منذ تلك الواقعة تجنبًا للتصعيد، وهو ما كان أحد أسباب تردي الأوضاع الأمنية في الإقليم منذ مطلع العام الجديد الذي شهد عمليتين كبيرتين كانت أولاهما هجوم ميليشيات الدوجون على قرية كولوجون والذي أسفر عن مقتل 37 من الفولاني في الأول من يناير 2019، بينما كانت العملية الثانية هي الهجوم الأخير الذي وقع في أوجوساجو وولينجارا.

معضلة ميليشيات الدفاع الذاتي

تشير التجربة الإفريقية في مكافحة الإرهاب إلى حقيقة بالغة الخطورة مفادها أن الخسائر البشرية والمادية المترتبة على نشاط الجماعات الإرهابية لا تتمثل فقط في نتائجها المباشرة، بل يضاعف الواقع المعقّد أصلًا من هذه الخسائر عبر موجة العنف المضاد التي تنشأ للرد على التنظيمات الإرهابية. ذلك أنه نتيجة لعدد من العوامل، في مقدمتها ضعف الدولة، وتعدد الأطراف الخارجية المتدخلة في الصراع في مالي، والسياق الإقليمي غير المساعد على القضاء على التنظيمات الإرهابية، انتشر في مالي عدد كبير من التشكيلات المسلحة غير النظامية حملت اسم ميليشيات الدفاع الذاتي، والتي تقوم على قاعدة الانتماء الإثني وذلك لدى مختلف الجماعات الرئيسة في وسط مالي.

فقد انخرطت جماعة بامبارا (إحدى أكبر المكونات الإثنية في مالي) في العنف من خلال مجموعاتها المسلحة التي تحمل اسم “صيادي دوزو”، والتي تضم أعدادًا من الشباب المسلحين بالأسلحة النارية، والتي ترجع نشأتها إلى أكثر من قرنين من الزمان كمجموعات تحترف الصيد والقنص. ومنذ تعرض مناطق تمركز الجماعة في وسط البلاد لهجمات من كتيبة ماسينا عام 2015 انتشرت مجموعات صيادي دوزو بغرض حماية قرى جماعة بامبارا من الهجمات المسلحة، قبل أن تبادر بالإغارة على قرى الفولاني في الأشهر الأخيرة.

وبالمثل، شكلت جماعة دوجون مجموعات للدفاع الذاتي حملت اسمًا محليًّا هو “دان نا أمباساجو” Dan Na Ambassagou ويعني “الصيادين المؤمنين بالرب”، انخرطت في ممارسة أنشطة عسكرية منذ أكتوبر من عام 2016 في أعقاب مقتل “ثيودور سومبورو” قائد مجموعة الصيادين على يد مجموعات جهادية تابعة للفولاني. وتعد هذه المجموعة من أكثر المجموعات المسلحة عدائية ووحشية، إذ تستهدف كافة أبناء جماعة فولاني باعتبارهم منخرطين في نشاط التنظيمات الإرهابية، ما دفع المئات من شباب جماعة دوجون للانضمام للمجموعة المسلحة. وقد اكتسب نشاط المجموعة زخمًا كبيرًا منذ نوفمبر 2018 حين اتحدت 36 مجموعة قتالية تحت قيادة موحدة ليوسف تولوبا، الأمر الذي ابتعد بالمجموعة كثيرًا عن نشاطها الطبيعي كمجموعات للصيادين إلى تنظيم عسكري مقاتل.

في المقابل، وبعيدًا عن كتيبة ماسينا، قام أبناء جماعة فولاني في مايو من عام 2018 بتشكيل مجموعة مسلحة حملت اسم “التحالف من أجل إنقاذ الساحل”، وذلك بغرض حماية أبناء الجماعة في مالي وبوركينا فاسو من هجمات صيادي جماعتي بامبارا ودوجون. ولنفي أي اتهامات بممارسة الأعمال الإرهابية، أصدر التحالف في أكتوبر من عام 2018 بيانًا أعلن فيه عدم ارتباطه أيديولوجيًّا أو سياسيًّا أو تنظيميًّا بأي من التنظيمات الجهادية الناشطة في وسط مالي، مؤكدًا أن التحالف هو بغرض الدفاع عن جماعة الفولاني من هجمات الميليشيات الإثنية وغيرها من التنظيمات المسلحة التابعة لجماعتي بامبارا ودوجون وكذلك ضد الميليشيات الجهادية.

وعلى الرغم من أن تأسيس هذه التشكيلات لم يتمتع بأي سند قانوني أو أي اعتراف رسمي من جانب الحكومة المالية، جاءت ممارسات الحكومة خلال سنوات الصراع لتؤكد العلاقة التي تربطها بمجموعات الدفاع الذاتي التي انتشرت في عدد من المناطق المتأثرة بنشاط الجماعات الإرهابية في شمال ووسط البلاد. ويؤكد هذه الحقيقة المهمة محاولة الحكومة المالية تفكيك التمرد الطوارقي من الداخل عبر دعم ميليشيات الدفاع الذاتي لقبيلة إمغاد الطوارقية منذ 2014، ودعم حركة إنقاذ أزواد التابعة لقبيلة داوساهاك منذ 2017، وذلك بغرض الضغط على الميليشيات الإرهابية، خصوصًا جماعة “أنصار الدين” المعبرة بالأساس عن قبيلة إيفوغاس الطوارقية.

وفي وسط مالي، تدعي ميليشيات جماعتي دوجون وبامبارا أنها تقوم بدور فاعل في مساندة الجهود الرسمية لمكافحة الإرهاب، بل إن بعض أعضاء هذه الميليشيات ادعى أن الهجوم الأخير إنما جاء ثأرًا لمقتل 23 جنديًّا ماليًّا في عملية لتنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” وقعت قبل أقل من أسبوع من الهجوم.

وفي ظل هذه الأوضاع، أصبح القرار الأخير الذي صدر بحل مجموعات الدفاع الذاتي قرارًا إعلاميًّا في المقام الأول. فمن ناحية، لا يتمتع أي من هذه التشكيلات المسلحة بأي صفة رسمية، فلم يكن للحكومة أي دور حقيقي في إعلان تأسيس هذه التشكيلات، ومن ثم لا يوجد إجراء يمكن اتخاذه في هذا الصدد سوى نزع سلاح هذه الجماعات بالقوة، وهو أمر يظل من الصعب تنفيذه. ومن ناحية ثانية، سبق للحكومة أن استغلت هذه التنظيمات الإثنية المسلحة لتعويض نقص القدرة على فرض السيطرة الأمنية في شمال البلاد ثم في وسطها، لينشأ بذلك وضع بالغ التعقيد ينبئ بتحولات خطيرة في المستقبل القريب قد تتجاوز مالي لتؤثر على إقليم الغرب الإفريقي المضطرب أصلًا.

مستقبل الصراع في مالي

بقراءة المشهد المعقّد للعنف في مالي، يمكن الوقوف على أربعة اتجاهات رئيسة من المتوقع أن تأخذها الظاهرة في المستقبل، والتي تتمثل في:

1- الاستدامة:

ترجح العديد من العوامل استدامة العنف في مالي لفترة طويلة في المستقبل. فقد تعدّدت الأطراف المنخرطة في العنف الدائر منذ عام 2012 نتيجة تحول شمال ووسط مالي إلى ساحة لنشاط عدد ليس بالقليل من التنظيمات الجهادية، بجانب انخراط أطراف جديدة ظهرت لتُكسب العنف بُعدًا إثنيًّا وهي المتمثلة في الميليشيات والمجموعات المسلحة التي تحمل اسم “مجموعات الدفاع الذاتي” والتي انتشرت تقريبًا لدى مختلف جماعات شمال ووسط مالي. وبدلًا من أن تساعد هذه المجموعات في الحد من انتشار عنف الجماعات الجهادية، اشتبكت مع بعضها بعضًا في صراعات محمومة تدور على خطوط العداء التاريخي بين الجماعات المتجاورة، لتنتج هذه المجموعات واحدة من أخطر موجات العنف في تاريخ البلاد، إذا أخذنا بمعايير عدد الضحايا من المدنيين والخسائر المادية التي بلغت في أكثر من حالة حد تدمير قرى بأكملها وإبادة سكانها أو تهجيرهم.

2- التجذر:

بعيدًا عن الاعتبارات الأيديولوجية والفكرية، كشف هجوم أوجوساجو وولينجارا عن مستوى عميق من العداء والكراهية بين الجماعات الإثنية تراكمت عبر عقود لأسباب لا يمكن حلها بالمقاربة الأمنية، ولا حتى عبر استجابة سياسية عاجلة. إذ يتعلق جزء رئيس من مسببات العنف بين جماعة فولاني وجماعتي دوجون وبامبارا بالأبعاد الاقتصادية، ذلك أن الجماعة الأولى تحترف الرعي وتربية قطعان الماشية، بينما يعتمد اقتصاد الجماعات الأخرى على الزراعة، ليُفرز هذا الاختلاف الهيكلي تناقضًا في المصالح قوامه التنافس حول استغلال الأرض المحدودة في الرعي أو الزراعة.

وقد زادت العوامل البيئية من حدة التناقض؛ فمع التغيرات المناخية والبيئية التي يشهدها إقليم الساحل الإفريقي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أخذ نطاق الصحراء الكبرى في التمدد جنوبًا، الأمر الذي دفع الجماعات الرعوية، ومن بينها جماعة فولاني، للهجرة صوب الجنوب لتصبح على تماسٍّ مباشر مع الجماعات التي تحترف الزراعة، ليتصاعد هذا التيار من التدافع السكاني في مالي منذ ستينيات القرن الماضي في إطار ما عُرف بتيار الهجرة من الريف إلى الريف. وخلال موجة الجفاف في ثمانينيات القرن الماضي، هجرت قرى بأكملها من سكانها من الفولاني خصوصًا في منطقتي باندياجارا ودوينتزا الواقعتين في إقليم موبتي، متجهين جنوبًا، ضاغطين على جماعات المزارعين من جماعتي دودون وبامبارا.

ومع تصاعد مسار العنف الإثني في مالي، من المتوقع أن تتجه التوترات بين الجماعات المختلفة للتعقد والتجذر في المستقبل، في ظل سلسلة العمليات الثأرية التي تُعد ظاهرة حتمية في أعقاب كل واقعة عنف. ويحكم هذا الوضع على أي محاولة لتحقيق السلم في مالي بالفشل، ما لم تعالج المسببات العميقة للعنف بما تتضمنه من أبعاد اقتصادية وبيئية وسكانية واجتماعية وثقافية، وهو الأمر الذي أثبت الواقع غيابه المطلق حتى الآن.

3- التسييس:

يُعد ضعف الدولة واحدًا من الأسباب الرئيسة للعنف في مالي. فمع عجز الحكومات المالية المتعاقبة عن تحقيق قدرٍ متوازنٍ من التنمية في مختلف أقاليم البلاد، تكرر لجوء الجماعات المالية للعنف، والذي أثبت كونه -في كثير من الأحيان- الأداة الأكثر فاعلية للضغط على الحكومة في باماكو، الأمر الذي دفع بعض المراقبين لاعتبار مالي واحدة من نماذج “ديمقراطية الكلاشنكوف”، حيث اتسمت عملية التعبير عن المطالب السياسية بالعنف في أغلب المراحل التالية على الاستقلال.

وبالرغم مما يشهده الصراع في مالي من تداخل لعدد من الظواهر، كالإرهاب الدولي والصراعات الإثنية؛ يظل البعد السياسي أحد أهم الأبعاد المفسرة للصراع. فمنذ عام 1990 أصبحت الميليشيات القبلية والإثنية المسلحة لاعبًا طبيعيًّا على الساحة السياسية المالية، تُوقع معه الحكومة اتفاقات بمبادرة منها أو برعاية دولية باعتبار هذه الميليشيات البديل الأكثر فاعلية للتنظيمات السياسية الغائبة، نظرًا لما تتمتع به من شعبية كبيرة، كلٌّ لدى جماعته. وحتى بافتراض تمكن الدولة من الوصول مع هذه الميليشيات لاتفاق بوقف العنف ونزع السلاح، سيظل الجانب السياسي لهذه التنظيمات أحد مصادر التوتر والتشكيك في مشروع الدولة الوطنية، خاصة بما راكمته التنظيمات الإثنية من شعبية في ظل قيامها في فترات الصراع بكافة وظائف الدولة الأمنية والسياسية والاقتصادية، وصولًا للأدوار الخدمية والاجتماعية.

4- الانتشار:

تأخذ مسببات العنف في مالي طابعًا إقليميًّا يمتد ليشمل إقليم الساحل الإفريقي بأكمله. فبشكل عام، تعد هجرة الجماعات الرعوية صوب الجنوب واصطدامها بجماعات المزارعين، وما تخلفه من صراعات مسلحة؛ ظاهرة عامة في هذا النطاق الجغرافي الممتد من دارفور شرقًا إلى غينيا غربًا.

وبشكل خاص، تُمثل التوترات الإثنية والعنف الذي تنخرط فيه جماعة فولاني مصدرًا لتجاوز تيار العنف حدود مالي في ظل انتشار الجماعة في عدد من دول الجوار، وفي ظل قوة التضامن بين أبناء الفولاني في مختلف مناطق تواجدهم بسبب عوامل ثقافية وتاريخية. فنظرًا لطبيعة الجماعة الرعوية المتنقلة، فإن الفولاني تنتشر في مدى جغرافي واسع في غرب القارة الإفريقية؛ إلا أنها لا تتمتع باتصال بين مراكز انتشارها الأربعة التي تعد انعكاسًا للوحدات السياسية التي أسستها الجماعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، حيث يبدأ انتشار الجماعة في أقصى غرب القارة في شمال السنغال وجنوب موريتانيا حيث قامت إمارة فوتا تورو، ليمتد إلى جنوب السنغال وشمال غينيا في موقع تأسيس إمارة فوتا جالون، بجانب نقطة التمركز الأكبر نسبيًّا في وسط مالي وشمال بوركينا فاسو حيث قامت إمارة ماسينا، وصولًا إلى آخر مركز رئيس للجماعة في المناطق الوسطى والغربية من الشمال النيجيري حيث ظهرت خلافة سوكوتو كبرى الوحدات السياسية التي أسستها الفولاني.

على هذا، وفي ظل تردي الأوضاع الأمنية والسياسية في العديد من دول جوار مالي الجنوبي كبوركينا فاسو وغينيا، ومع التداخل الكبير في التركيب السكاني الذي يتجاوز الحدود السياسية الفاصلة بين هذه الدول؛ فإنه من الطبيعي أن يتجاوز العنف الحدود السياسية لدول غرب إفريقيا والتي طالما أثبتت عجزها عن ممارسة وظائفها الأصلية في الفصل بين نطاقات السيادة المختلفة. ويتمثل الخطر الأكبر في إمكانية اتصال دائرتي العنف الكبيرتين في شمال ووسط مالي وفي حوض بحيرة تشاد، الأمر الذي يعني دخول دول غرب إفريقيا بأكملها في نطاق العنف الذي سيأخذ صورًا متداخلة تجمع بين الإرهاب العالمي، والعنف الإثني، والتمرد والحركات الانفصالية، على غرار ما قدمته حالة مالي.

وبالرغم مما تطرحه هذه الاتجاهات الأربعة من تحديات مستقبلية؛ تبقى هناك فرصة في مالي لبناء السلام من أسفل إلى أعلى، بمعنى أن تقوم استراتيجية استعادة الاستقرار في البلاد على استغلال انخراط المجتمعات المحلية كأطراف مباشرة في الصراع بتحويل دورها إلى صانع أساسي للسلام. فمع اكتساب الصراع طابعًا محليًّا متزايدًا، يمكن للمصالحات التي تتم داخل القرية الواحدة أو بين القرى المتجاورة أن تؤسس لمصالحة كبرى تبدأ في وسط البلاد وتمتد لشمالها المضطرب. ويُعد هذا النمط من المصالحات، والذي بدأت تشهده الساحة المالية بصورة متنامية، الفرصة الأخيرة لوقف العنف في البلاد بعد أن أثبت التدخل الدولي أنه لم يزد الأوضاع إلا تعقيدًا، وبعدما عجزت الدولة عن فرض السلام بالقوة أو بنائه في إطار عملية سياسية شاملة وفعالة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق