بث تجريبي
وحدة الدراسات الأوروبية

الجيش الأوروبي: المشروع الضروري والمستحيل

كنت في باريس في نوفمبر 2018، وتحديدًا عندما أعلن الرئيس “ماكرون” عزمه إنشاء جيش ألماني فرنسي، يكون نواة لجيش أوروبي. وأستطيع الجزم بأن هذا الإعلان فاجأ جهات سيادية متنوعة، التي اكتشفت فجأة هذا التوجه. فقد كانت وزارة الدفاع، على سبيل المثال، منهمكة في دراسة تبعات ثورة الذكاء الصناعي وتطور التهديدات الجديدة، ومشكلات إعادة هيكلة وانتشار الجيش الفرنسي. وقبل هذا الإعلان بيوم، قابلت كادرًا واسع الاطلاع قال لي: “المشكلة أنه لن يكون هناك جيش أوروبي، فالجيش الألماني ما زال في حالة يُرثى لها”. وبعدها بيومين قابلت كادرًا آخر يتابع تلك الملفات، وتساءل معترضًا: “فرنسا قوة نووية وألمانيا لا، هل نحن بصدد ضمان سلامة الأراضي الألمانية بالردع النووي؟ هذا تطور بالغ الخطورة، ماذا نكسب منه؟”. وأضاف: “وإعلان الحرب؟ من يُعلن الحرب؟”. السؤال في حد ذاته مهم، ويكتسب أهمية أكبر لأن ألمانيا لا تحب الحروب ولا التدخلات الخارجية. وقبل هذا الإعلان بسنة ونصف كنت قد التقيت أحد كوادر وزارة الدفاع الفرنسية الذي قال لي: القدرات العملياتية لا تُكتسب في يوم وليلة، بل تحتاج لسنوات، ولكن خسارتها لا تحتاج إلا لبضعة أشهر، جيش ألماني يُعتد به حلم بعيد المنال.

فكرة قديمة وضرورة ملحة

مصطلح “الجيش الأوروبي” ليس جديدًا، ويتسم بالغموض؛ فهو ليس جديدًا لأنه في سنة ١٩٩٥ تكلم رئيس وزراء فرنسا “آلان جوبيه” عن ضرورة إنشاء جيش أوروبي. ولا تمر سنة دون أن يدرس البرلمان الألماني مشروعًا لجيش أوروبي. وفي خريف ٢٠١٧، نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالة على موقعها قالت فيها إن ألمانيا تَبني بهدوء ودون إعلان جيشًا أوروبيًّا مع جمهورية التشيك ورومانيا. وترى بعض المواقع أن إحياء الفكرة من جديد هي محاولة استغلال خروج بريطانيا المعادية لها من الاتحاد. ويتسم المصطلح بالغموض لأنه لا يحدد الهيكل التنظيمي لمثل هذا الجيش، هل هو تجميع لجيوش تحت لواء واحد أم لوحدات من جنسيات مختلفة في لواء أو فرقة واحدة؟ أم هو جيش تضم كل وحدة فيه أشخاصًا من جنسيات مختلفة؟ وأحسب أن هذا الغموض يفسر الشعبية الدائمة له في استطلاعات الرأي الأوروبية: من يمكنه الاعتراض على مشروع يلم الشمل، ويوفر النفقات، ويمد كل دولة بذراع قوية؟ أي إن الرأي العام يرى المكاسب المحتملة ولا يلتفت حتى الآن إلى التعقيدات.

وظل المشروع يطفو على السطح بين حين وآخر. وهناك الآن إجماع على ضرورة تنمية وتطوير سياسات الدفاع والتنسيق للتعامل مع التحولات الدولية وتغير البيئة الاستراتيجية إلى الأسوأ، وتنامي التهديدات التقليدية وغير التقليدية. ويميل أصحاب الرأي الذاهب إلى ضرورة إنشاء جيش أوروبي إلى الدفاع عنه باعتباره تتويجًا لسياسة الدفاع المشترك (مع ضرورة التمييز بين المفهومين). ويكتسب هذا الرأي أنصارًا جددًا.

ونشير فيما يلي إلى مجموعة من التحولات المهمة التي جعلت من الجيش الأوروبي مسألة ضرورية:

1- لقد تأسست الجيوش الأوروبية الغربية الحديثة (بعد الحرب العالمية الثانية) في ظروف الحرب الباردة ومواجهة الاتحاد السوفيتي، وما اقتضته آنذاك من موازنة بين السلاح النووي والقوى التقليدية. وبعد انهيار الأخير أُعيد النظر في تحديد المهام، حيث أُضيف لهذه الجيوش مهام جديدة، لم تختفِ معها ضرورة ردع قوة عسكرية كبيرة أو متوسطة الجحم وإن أصبحت أقل إلحاحًا، ولم يتخلَّ أصحاب السلاح النووي عنه، إذا استثنينا أوكرانيا التي ندمت غالبًا على اتخاذ تلك الخطوة، لكن الجيوش الكبرى -في بريطانيا وفرنسا تحديدًا- حرصت، شأنها شأن الولايات المتحدة، على تنمية قدراتها على التدخل الخارجي السريع لفرض وحفظ السلام، ولاحقًا لملاحقة فلول الإرهاب. وفي الحالة الفرنسية تم إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وترتبت على تلك الخطوة زيادة كلفة القوة البشرية. وواجهت كل المؤسسات العسكرية مشكلة ارتفاع تكلفة الأسلحة الحديثة. وفي الوقت ذاته، حرصت كل الحكومات على تخفيض كبير وسريع لميزانيات الدفاع. والمقصود هنا أن تقليص هذه الميزانيات قام على فرض أن المخاطر والتهديدات إلى زوال، لكن اتضح سريعًا أن هذا الفرض لم يعد صحيحًا. ولمدة طويلة تجاهلت حكومات أوروبية عديدة هذا الواقع اعتمادًا على الولايات المتحدة؛ إلا أن الأولويات الأمريكية تغيرت، وأثرت تكلفة حروبها في العراق وأفغانستان على درجة تسامحها مع عجز -أو عدم رغبة- أوروبا عن زيادة المجهود الدفاعي.

2- بدا واضحًا في وقت ما (بين ٢٠٠٥ و٢٠١٥) تعدد ساحات الصراع؛ فبجانب الأرض والجو والبحر أصبح هناك الفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني. وظهر جليًّا تأخر أوروبا في التعامل مع الساحتين الجديدتين، من ناحية، وفي شق طريق ثورة الذكاء الاصطناعي، من ناحية أخرى. كما بات ضروريًّا السعي إلى التوسع الكبير في مجالات محددة، مثل: الاستخبارات، والفضاء، والقدرات الهجومية في حروب الفضاء الإلكتروني. وأثرت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى (سنة ٢٠٠٨) على قدرات أوروبا المالية، وبالتالي على تمويل سياسات الدفاع. وتم تقليص عدد القوات، وحجم المشتريات (ما أثر بدوره على الصناعات الحربية وقدراتها، وعلى البحث العلمي)، وتأخر تسليم بعض الأسلحة وأعمال الصيانة، وتردت أحوال الجنود، وتدهورت حالة المعدات والأسلحة والأدوات اللوجستية. واضطرت بريطانيا -على سبيل المثال- إلى الكف عن الانخراط في عمليات تدخل خارجي لبضع سنوات، بينما اختارت فرنسا تكثيف تلك العمليات في الساحل والصحراء، ما أدى إلى تراجع حالة المعدات، وتقليل بعض الميزانيات مثل ميزانية التدريب ودرجة الجاهزية وميزانية البنية التحتية.

وفوجئت أوروبا في سنة ٢٠١٥ بتدهور سريع في الأوضاع الإقليمية والعالمية، خاصة مع تفجر الأزمة الأوكرانية، وموجة الهجرة السورية، وتصاعد خطر تنظيم “القاعدة” و”داعش” وهجماتها داخل أوروبا، وانتهاج الصين سياسة أكثر عدوانية.. إلخ. وقد أدت هذه التطورات إلى تغير الأولويات الأوروبية، وبروز أهمية التركيز على سياسات الدفاع، ولا سيما بعد وصول “ترامب” إلى البيت الأبيض.

هذه الفقرة تلخص تقريرًا بالغ الأهمية نُشر في مجلة “كومنتير” في عدد الخريف الماضي، ص٥٨٧ وما بعدها. وتستخدم أيضًا بعض المادة المنشورة في مواقع أخرى حول التهديدات الجديدة.

3- اتجاه العالم والولايات المتحدة إلى الشرق، حيث أصبح شغل واشنطن الشاغل هو مواجهة الصعود العسكري الصيني وتمددها في آسيا، ومحاولاتها فرض هيمنتها على قارتها. ومن المتوقع أن يتم هذا التوجه الأمريكي على حساب المسارح الأخرى، ومنها أوروبا والشرق الأوسط، رغم أن التطورات على هذين المسرحين مقلقة، خاصة في ضوء انهيار دول عدة في الشرق الأوسط وصعود إيران، وتزايد التهديد الروسي في أوروبا. وتطالب واشنطن كل حلفائها ببذل المزيد من الجهود الدفاعية، وبمساهمة أكبر في تمويل نفقات الدفاع. بدا هذا التململ الأمريكي واضحًا خلال فترة إدارة “أوباما”. ولا تزال هناك ضبابية فيما يتعلق بموقف “ترامب”: فهل يريد “ترامب” الخروج من الناتو ويتحجج بقصور السياسات الدفاعية الأوروبية؟ أم إنه يلوح بالانسحاب من الناتو لفرض إنفاق أوروبي أكبر؟ وهناك حديث عن انخفاض حاد في المبالغ المخصصة للدفاع عن أوروبا في الميزانية القادمة. وأيًّا كانت حقيقة الأمر، فقد قررت الدول الأوروبية تفعيل مواد الدستور الأوروبي المتعلقة بالدفاع، فأطلقت -على سبيل المثال- في سنة ٢٠١٧ مبادرة “التعاون الهيكلي الدائم” Permanent Structured Cooperation (PESCO)، التي اشتركت فيها أغلب دول الاتحاد.

لكن سرعان ما ظهرت الخلافات الفرنسية الألمانية حول المبادرة؛ فقد فضلت فرنسا بناء مجموعة صغيرة الحجم لديها القوة والقدرة على التدخل لدعم قواتها المنتشرة خارج القارة، بينما تفضل ألمانيا التركيز على بناء القدرات الأوروبية، وضم أكبر عدد ممكن من الدول.

4- ما لاحظته بعض الدول الأوروبية الكبرى من وجود هوة واسعة بين حجم مصالحها في شرق آسيا، من ناحية، ووجودها العسكري الضعيف جدًّا في تلك المنطقة، من ناحية أخرى. ففي الوقت الذي تُعد فيه أوروبا لاعبًا اقتصاديًّا مهمًّا في آسيا، فإنها لا تمتلك “مخالب” عسكرية للدفاع عن هذه المصالح وحمايتها. ولعل ذلك هو ما يفسر ما ذهبت إليه المستشارة الألمانية “ميركل” في مايو ٢٠١٧ من أن “عصر إمكان الاعتماد على الغير في شئون الدفاع قد ولى”.

5- لا تنحصر المشكلة في مجرد انتقال مركز الثقل في النظام العالمي إلى منطقة المحيطين الهادئ والهندي؛ فهناك تطور آخر بالغ الخطورة هو “تفسخ” البيئة الاستراتيجية مع تنوع التهديدات كمًّا وكيفًا، التقليدية منها وغير التقليدية، ما يجعل من الصعب بناء تراتبية للتهديدات تتحدد بناء عليها أولويات العمل. فعلى الصعيد التقليدي، تحاول روسيا العودة إلى المقدمة وتشكل تهديدًا لدول البلطيق وشرق أوروبا. كما تصعد قوى إقليمية لها أجندتها الإقليمية، مثل تركيا وإيران. وعلى الصعيد غير التقليدي هناك الإرهاب، وقدرة المنظمات الإرهابية على استغلال دول جوار فاشلة لبسط نفوذها على أرضها وبناء قواعد إرهابية فيها. ويعني هذا أن مناطق الساحل والصحراء وليبيا أصبحت مصدر تهديد لأوروبا. وهناك أيضًا الجريمة المنظمة، وحروب السيبر والفضاء الإلكتروني بشتى أنواعها (سرقة البيانات، وتعطيل منظومات العمل، وبث الأخبار الكاذبة… إلخ). وقد ذهبت مقالة على موقع The American Interest إلى أن روسيا تحاول تعويض تخلفها النسبي في مجال القوة التقليدية من خلال شن حرب إعلامية تعمق الاستقطاب الداخلي في الدول الغربية. ويعني كل هذا أن أغلب دول العالم، وكل دول أوروبا، لا تستطيع مواجهة التهديدات بمفردها، وعليها تكثيف التعاون مع الحلفاء. وبالطبع لا يمكن الجزم بأن خطر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية قد اختفى تمامًا.

6- جدير بالذكر أن أوروبا لا تتمتع “بحماية الجغرافيا” التي تتمتع بها الولايات المتحدة التي تطل على محيطين، ودول جارة لا تشكل خطرًا حقيقيًّا. صحيح أن تلك الحماية تظل نسبية، لا سيما في عصر الصواريخ العابرة للقارات والغواصات والإرهاب، لكنها تقلل من احتمالات الغزو البري وتؤثر على الوعي الجمعي. لكن يلاحظ أن الإحساس الأوروبي بغياب الأمن قد يكون دافعًا لبناء جيش أوروبي، وقد يكون في الوقت نفسه دافعًا (لا سيما في أوروبا الشرقية) إلى مزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة. وقد ذهبت ورقةٌ نشرها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن بولندا ترى في تقوية السيادة الأوروبية دواء أخطر من الداء.

7- اتخذت أوروبا في العقدين الماضيين خطوات لتنسيق عملية تنمية القدرات العسكرية والتكنولوجية، ولرسم سياسة دفاع أوروبية، كان دافعها الأساسي هو تنمية القدرة على التدخل الخارجي. ويجب التمييز هنا بين مساري تنمية القدرات، من ناحية، وكيفية استخدامها، من ناحية أخرى. تنمية القدرات قد تخدم مشروع الجيش الأوروبي، وقد تخدم الناتو أيضًا، أي إنه يمكن التوصل إلى اتفاقات حولها دون حسم بعض القضايا مثل كيفية تنظيم آليات اتخاذ القرار في عمليات التدخل الخارجي. وقد حققت عملية تنسيق تنمية القدرات قدرًا من النجاح (وإن كانت قد تركت بعض الحساسيات، مثل: استبعاد بولندا من بعض الملفات مثل صناعة دبابة جديدة). كما شهد تنسيق بعض السياسات الدفاعية تحسنًا ملحوظًا (مثل: سياسات مكافحة الإرهاب، وإعادة بناء الدول الفاشلة، وتأمين الحدود، وحروب السيبر)، لكن معالجة ملفات الجيش الأوروبي والتدخل العسكري الجماعي ما زالت متأخرة نسبيًّا.

8- بالإضافة إلى العوامل والتحولات السابقة، فقد أجملت ورقة كتبها خبيران فرنسيان -دعت إلى إنشاء جيش أوروبي يكون قوة مستقلة ومتكاملة- الحجج المطروحة لبناء “الجيش الأوروبي” في عدم قدرة أي دولة أوروبية على تحمل نفقات بناء القدرات العسكرية والتكنولوجية والعلمية والصناعية الضرورية للتأمين وللعب دور مؤثر وللاضطلاع بالمسئوليات الدولية. القدرة على تحمل هذه التكاليف تقتضي القدرة على إنتاج وتسويق كميات كبيرة من المنتج، أي إنها تتطلب توافر شرط واحد على الأقل من الشروط التالية: القدرة على تصدير كميات كبيرة، وجود سوق (جيش) وطني كبير، خلق هذا السوق (الجيش) بالتعاون مع دول أخرى. ومن الواضح أن تخفيض ميزانيات الدفاع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي جعل المسألة أكثر تعقيدًا.

منشورة علي الموقع التالي:
https://www.grip.org/fr/node/2713

وتناولت الورقة ما اعتبرته ضررويًّا للحفاظ على فاعلية الجيش الفرنسي ومكانته. ويقول الكاتبان إن فرنسا لن تستطيع تحقيق هذا دون رفع ميزانية الدفاع لتصل إلى ما لا يقل عن ٣٪ من الناتج القومي، وهذا غير ممكن. ويضيف الكاتبان أن وضع الجيش البريطاني أكثر حرجًا، علما بأن الجيشين هما أقوى جيوش أوروبا. وإلى جانب هذا، يقول الكاتبان إن “التشرذم” الحالي أدى إلى تبديد الجهود، وإلى سوء استخدام الإنفاق. ويضيفان: إن حلف الناتو لم يعد حلفًا، بل “شكلًا مستترًا” من أشكال الحماية يسمح للحامي الأمريكي بطلب الإتاوات. ويمكن التشكيك بالطبع في مدى موافقة الدول الأوروبية الأخرى على التشخيص الأخير، وعلى ما يمكن عمله بناء عليه. وأخيرًا وليس آخرًا يقولان إن القارة الأوروبية في أمسّ الحاجة إلى استقلالية عسكرية، وإن هذه الاستقلالية تتطلب جيشًا واحدًا موحدًا، وميزانية موحدة، وتخطيطًا واحدًا، ومشتريات واحدة، وإن الوضع الحالي -رغم الإنجازات في التعاون العسكري- دليل على هذا. فأوروبا مرعوبة من روسيا رغم أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي أقل من الناتج المحلي الإجمالي الإيطالي، ورغم أن مجمل الإنفاق على الدفاع في المجموعة الأوروبية يبلغ ثلاثة أضعاف إنفاق روسيا. ويفسران هذا الوضع بالقول: “نحن جسد شاخ، وله ٢٧ عقلًا، وذراع واحد ضامر”. والمشكلة طبعًا أن باقي الدول الأوروبية تعتقد أن فرنسا تريد أن تكون هي العقل وأن يكون الذراع أداة لها.

صعوبات بناء جيش أوروبي

1- عطفًا على ما سبق، نشير إلى ملاحظات أوردها تقرير للمجلس الأوروبي للشئون الخارجية عن العلاقات الألمانية الأوروبية ، قال كاتبا التقرير إن الفرنسيين يشددون في مقاربتهم لقضايا الدفاع على ضرورة الاستقلالية، بينما “المسئولية” هي المفهوم المفضل للألمان، وأن برلين ترى في قضايا الدفاع فرصة، أو ذريعة، لتعميق التكامل الأوروبي، بينما يميل الفرنسيون إلى العكس، حيث يصبح التكامل الأوروبي وسيلة لتقوية فرنسا ودعم عملياتها. وترى دول أوروبا الشرقية في كل محاولة لبناء جيش موحد محاولة فرنسية لتقويض الناتو. ويرد الفرنسيون قائلين إن الإدارات الأمريكية هي التي تخرب الناتو. ويظن بعض الخبراء في برلين وباريس أن بولندا تشترك في مبادرة PESCO لمراقبة أعمالها ولعرقلتها.

https://www.ecfr.eu/page/-/divided_at_the_centre_germany_poland_and_the_troubles_of_the_trump_era.pdf

2- تميل المقالات الفرنسية إلى اعتبار القدرة على التدخل الخارجي هو المعيار الحاسم للقوة. وجدير بالذكر أن الرئيس “ماكرون” أطلق في خريف ٢٠١٧ مبادرة أوروبية للتدخل EI2 تسعى إلى توحيد الثقافة الاستراتيجية، والتي دخلت حيز التنفيذ في يونيو ٢٠١٨، وتضم ١٠ أعضاء، من بينهم ألمانيا وبريطانيا والدنمارك. وتعمل هذه المبادرة خارج أطر الاتحاد الأوروبي، وأهدافها المباشرة تقوية التعاون الاستخباراتي والتعاون في شئون التخطيط وفي دعم العمليات، وفي بناء العقيدة العسكرية. ولا تنص المبادرة صراحة على معايير للانضمام، لكن من المفهوم أن المبادرة تفترض في الدولة العضو أنها على قدر معين من التوافق مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وأنها تقبل بناء رؤية مشتركة بشأن المخاوف الأمنية، وأنها تملك أو ستملك الرغبة في بذل جهود طويلة الأجل في الدفاع وفي الالتزام بالعمليات الأمنية الأوروبية، والقدرة على نشر قدرات فعالة. ويقول المعلقون الفرنسيون إن المقاربة قائمة على التدرج، أي إن المبادرة تسعى إلى خلق الظروف والشروط الموضوعية التي تسمح ببناء جيش أوروبي قادر على التدخل، في اعتراف ضمني بأنها غير موجودة الآن.

3- لا يمكن التهوين ولا التقليل من شأن الفجوة الكبيرة بين ثقافات الدول الأوروبية من ناحية، وبين طبيعة وأولوية التهديدات بالنسبة لكل منها من ناحية أخرى. واختلاف الثقافات يعني أن أساليب التعامل مع تهديد مشترك ستختلف من دولة إلى أخرى. نقول أولًا، وعلى سبيل المثال، إن دول الجنوب شديدة التركيز على أحوال منطقتنا، بينما تركز دول أوروبا الشرقية على روسيا. ونقول، ثانيًا، إن الذاكرة التاريخية تلعب دورًا بالغ الأهمية في إدراك التهديدات، وفي بناء الثقة. وباختصار، لا تثق أغلب دول أوروبا الشرقية لا في فرنسا ولا في ألمانيا ولا في بريطانيا، وإن ثمّنت موقف بريطانيا من التشديد على ضرورة تقوية الناتو والتوجس من “أغراض فرنسا”. ونقول، ثالثًا، إن دول أوروبا الغربية تمتلك عقليات دول مستعمِرة (بكسر الميم)، بينما تمتلك دول أوروبا الشرقية عقليات دول مستعمَرة (بفتح الميم).

4- وفي ورقة نُشرت سنة ٢٠١٥ على موقع المعهد الإيطالي للعلاقات الدولية، ميّز الكاتب بين ثلاث ثقافات استراتيجية في أوروبا. وقال إن الثقافة الاستراتيجية لها أربعة أبعاد، تشمل: (أ) مدى الطموح في دور على الصعيد الإقليمي والدولي، (ب) حرية حركة السلطة التنفيذية وقدرتها على رسم السياسة وعلى اتخاذ القرار، (ج) توجهات سياستها الخارجية، (د) مدى استعدادها للجوء إلى القوة. وقال إنه لا يمكن تصور أي تعاون معمق بين دول لها ثقافات استراتيجية مختلفة اختلافًا كبيرًا. وميزت الدراسة بين أ- دول متواضعة الإمكانيات تحاول “إثبات الوجود” على الساحة الدولية، وتوظف سياستها الدفاعية من أجل هذا الغرض، وهي تفضل التعامل في إطار الاتحاد الأوروبي (النمسا والبرتغال مثلًا). ب- دول تحاول أن تشكل محيطها الأمني من خلال عمل جماعي ومؤسسات متعددة الأطراف وتفاوض مستمر، وشغلها الشاغل هو التأثير على القرار الجماعي، واهتمامها بنشر قواتها ثانوي. وفي هذه المجموعة يمكن التمييز بين دول أوروبا الشرقية ودول أوروبا الغربية، للأولى هواجس مشروعة وتركز على الدفاع المشترك وعلى تطمين وكسب تأييد الأمريكيين (وأحيانًا ألمانيا) ولذلك تفضل التعامل في إطار الناتو. والثانية تحاول أن تصور نفسها كشريك يمكن الاعتماد عليه ويساهم في العمل الجماعي حتى لو لم يرسل قوات وحتى لو لم يكن معنيًّا مباشرة بالتهديد، وفي المقابل يطالب بكرسي على مائدة المفاوضات واتخاذ القرارات. ألمانيا عضو في هذه المجموعة التي لا أفضلية واضحة لها بين الناتو والاتحاد الأوروبي. ج- دول لها فهم تقليدي: سياسة الدفاع تحمي الدولة وتجسد قوتها وهي ذراعها الطويلة القادرة على العمل خارج الحدود. وتنتمي فرنسا وبريطانيا والدنمارك إلى هذه المجموعة.

5- من الواضح -إذن- أن فرنسا وألمانيا لا ثقافة استراتيجية مشتركة بينهما، على عكس بريطانيا وفرنسا، ولا سيما في ظل الاختلاف الواسع بين باريس وبرلين فيما يتعلق بالاستعداد للجوء إلى القوة؛ فهل يعني هذا استحالة بناء جيش مشترك متكامل؟

في الواقع القضية بالغة التعقيد، وعلينا أن نميز بين القدرة العسكرية والاستراتيجية والفنية والصناعية على تجاوز الصعوبات وتوفيق الغايات من ناحية، والرغبة السياسية التي تتوقف على عوامل معينة، منها: حدة التهديدات وتطورها، وإدراك وتصورات الحكام والرأي العام، وصراع المصالح الصناعية والبحثية والبيروقراطية، من ناحية أخرى. فمن الواضح أن التهديدات تنوعت، وأن تحديد الأولويات يعني فيما يعني تفضيل قطاع صناعي معين على حساب آخر. ولا يتسع المجال للتفاصيل، ونكتفي بالإشارة إلى حصاد العقدين الماضيين وهو محدود، وإلى حساسية التوقيت، إذ آن الأوان لتخطيط برامج تسليح جيوش المستقبل لأن أغلب التسليح قد شاخ.

6- يبدو لكاتب هذه السطور أن الموقف من أوروبا الشرقية يمثل نقطة خلاف جوهرية بين فرنسا وألمانيا، إذ تميل الكتابات الفرنسية إلى النظر إلى مخاوف أوروبا الشرقية من روسيا على أنها مجرد “عامل معقد” وفيها قدر من التهويل، وترى أن الدفاع عنها من اختصاص الناتو، والرئيس الحالي يرى في دول أوربا الشرقية أوكارًا للشعبويين، بينما تُعير النخب الألمانية اهتمامًا كبيرًا لتلك الدول، لعمق المصالح الاقتصادية المشتركة، فلألمانيا مصانع كثيرة فيها، ولا ننسى أيضًا أن “ميركل” نشأت في ألمانيا الشرقية وتتابع مساراتها ولا تشعر بتعاطف كبير مع فرنسا، وتعتبرها دولة عاجزة عن ضبط إنفاقها، بينما يشعر الفرنسيون بضيق من هذا النقد الصادر عن دولة لا تقوم بواجباتها الدفاعية، ولا تُنجب أطفالًا ما يساعد على عدم الإنفاق. ما أقصده أنه يتعين على الفرنسيين إزالة الانطباع بأنهم يحاولون إبعاد ألمانيا عن أوروبا الشرقية، رغم أنهم يواجهون مشكلة أشرنا إليها في المقدمة، وهي هل ما تستطيع أو ترغب ألمانيا في أن تقدمه يساوي الثمن الذي يتعين على فرنسا دفعه؟ ضمان نووي لسلامة الأراضي الألمانية ومشاركة ألمانيا في قرارات التدخل؟ لا نقول إن المشكلة لا حل لها لأنه يمكن تصور حلول، منها تأجيل البت في المسائل الشائكة وهي عادة أوروبية قديمة.

7- بناء جيش موحد يقتضي -وفقًا لدراسة فرنسية – تحديد مهام هذا الجيش، وأهداف سياسة الدفاع، ورسم خطة لبناء هذا الجيش، وبالتالي على الأطراف المشاركة توقيع وثيقة ملزمة وواقعية وذات مصداقية وقابلة للمراجعة بين حين وآخر، وتتفادى الوقوع في “فخ” إرضاء الكل على حساب وضوح التوجه العام والفكرة الاستراتيجية الحاكمة. وبعد التوصل إلى اتفاق حولها يجب الاتفاق حول مهام صناعات الدفاع والأنشطة المرافقة لعملية بناء الجيش. وهذه الخطوة شائكة، لأن للدول المشتركة التزامات ومهامًا في إطار الناتو، ناهيك عن المهام الوطنية الخاصة بكل واحدة منها. ويجب بالطبع تدبير الموارد المالية، واعتماد قواعد لتوزيع العبء تتمتع بقدر من الاستمرارية ولا تخضع لإعادة تفاوض دائمة. ويجب أيضًا رسم آلية لعملية اتخاذ القرار تضمن سرعة رد الفعل. ويجب حل معضلتين: هل يتم هذا في إطار الهياكل المتاحة، أم هل من الضروري بناء هيكل جديد موازٍ، وهل يتم اتخاذ القرار بالإجماع أم بالأغلبية، وأخيرًا وليس آخرًا هل يتم الاتفاق على تخصص البعض في مهام والبعض الآخر في مهام أخرى، أم يشارك الجميع في كل المهام، وكيف؟

هذا العرض المختصر لقائمة المشكلات والقضايا الواجب حلها يدل على الصعوبات البالغة التي تواجه فكرة جيش أوروبي مشترك، ويعقدها الفروق الشاسعة بين الثقافات السياسية والاستراتيجية وطبيعة النظام السياسي للبلدين.

8- بالإضافة إلى كل ما سبق، فإن الغموض يكتنف مصير اتفاقيات لانكستر (٢٠١٠) للتعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا. من ناحية، المشترك بين الدولتين كثير (مقعد في مجلس الأمن، وسلاح نووي، وثقافات استراتيجية متشابهة، وتشكلان معًا أكثر من نصف قوة أوروبا الضاربة، وكانت الدولتان نجحتا في رسم سياسة صناعية مشتركة) لكن البريكزيت يهدد كل ما تم، وتم إلغاء برامج مشتركة متعلقة بالسلاح الجوي وبحاملات الطائرات.

https://www.grip.org/fr/node/2725

الخلاصة

مشروع بناء جيش موحد هو مشروع صعب حتى لو كان التوافق بين الطرفين كاملًا، وحتى لو كانت الأوضاع الداخلية على ما يرام، وحتى لو لم يكن التنافس المحموم هو السمة الغالبة للعلاقة بين الدولتين، وحتى لو كانت الثقافة الاستراتيجية والنظام السياسي متطابقين. كل هذا غير متوافر أصلًا، ويزيد من تعقيد المهمة تأثيراتها السلبية على الدول المشاركة.

وفي الواقع، فإن حجة المدافعين عن المشروع مزدوجة، تصاعد التهديدات وشكوك حول الولايات المتحدة، وهذا لا جدال فيه. السياسات السابقة المجزِّئة للمشكلات والمعتمدة على التدرج عمقت المشكلة ولم تحلها، وهذه أيضًا قضية وجيهة جدًّا، لكن تُثير تساؤلًا: لو لم تقدر أوروبا على بذل جهود محدودة ولا تنتقص من سيادة الدول، فهل تستطيع تحمل عملية جراحية عميقة؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق