بث تجريبي
التعديلات الدستورية 2019 - منصة تفاعلية

التعديلات الدستورية: مأسسة شرعية التفويض

لا يُمكن في تقديري فهم منطق التعديلات الدستورية المقترحة إلا في ضوء منطق النظام الذي بدأ في التشكُّل لحظة عزل الإخوان عن السلطة، والذي أصدر الدستور الحالي. بُنيت الدولة الجديدة في 2013 – 2014 على شرعية مستجدة يمكن أن نطلق عليها “شرعية التفويض”، إشارة إلى الحدث الذي أسسها، وهو تفويض “السيسي”، حين كان وزيرًا للدفاع، “لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل” في يوليو 2013. وقد توسعت دلالة هذا الحدث مع انفجار العنف الإخواني، لتساوي إنقاذ الدولة والمجتمع من الإخوان، والتصدي لحلفائهم المحليين والدوليين، لتنشئ شرعية جديدة أخذت مع تطور الزمن شعارًا جديدًا هو الحفاظ على مدنية الدولة، وقامت على رفع المبدأ الوطني: مصر لكل أبنائها، في مواجهة مشروع حكم الطائفة الإخوانية وحلفائها تحت شعارات إسلامية، حيث يعلو التنظيم الإخواني على مؤسسات الدولة الوطنية جميعًا، وعلى كافة طوائف الشعب، وتكون المرجعية العليا فيه لمكتب إرشاد تنظيم سري.

أما الاستفتاء على الدستور، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية في العام التالي، بحضور شعبي عارم، فلم يكن سوى لحظة الشرعنة الإجرائية لهذا التأسيس السابق، ومساهمة شعبية في بناء مؤسسات الدولة الجديدة.

لقد أصبح “السيسي” بطلبه التفويض يعلو على [جهاز الدولة] ككل ومصدرًا لشرعيته. فقد رفعه الشارع بالتفويض فوق كل قوى 30 يونيو. عمليًّا، ارتضت القوى المختلفة المتنوعة، بل والمتناقضة، التي تجمعت وقتها وبعدها للإطاحة بالإخوان، بتسليم القيادة لفرد واحد، يصبح هو تجسيد الدولة المصرية ولهذه القوى التي تريد إعادة بنائها. أصبح “السيسي” -إذن- تجسيدًا للدولة (لا مجرد النظام)، وحاملًا للشرعية، والمسئول السياسي الأوحد أمام الجماهير في شأن كيفية أداء الدولة وقيامها بمهماتها المختلفة. لقد أصبح حامل الشرعية ومرتكزها الرئيسي، ومصدر شرعية كل مؤسسة أخرى.

تثبيت هذه الشرعية لم يكن ليستقر فحسب على مبدأ مواجهة إرهاب الإخوان وحلفائهم والقوى الدولية المؤيدة لهم؛ بل كان لا بد أيضًا من التصدي لمهمة لا تقل أهمية، تفرض نفسها على كل من يتولى السلطة في البلاد في هذا الظرف، هي عملية إنقاذ سريعة للاقتصاد وإعادة بنائه نحو تنمية مستدامة، وإصلاح جهاز الدولة الذي كان مترهلًا بالفعل من قبل ثورة يناير، فضلًا عن إعادة بناء مؤسسات الدولة الرئيسية: الدستور، والبرلمان، والرئاسة، بوصفها شرطًا أوليًّا لتحقيق هذه الأهداف.

***

لنلقِ نظرةً على طبيعة الدستور المطروح تعديله. مثلما كان الرئيس “السيسي” هو عنوان شرعية التفويض ومحورها، كان على الدستور في الجوهر أن يكون صياغة دستورية لهذه الشرعية المستجدة. ومع ذلك، لم يكن الدستور كما صدر آنذاك تعبيرًا كاملًا عن هذه الشرعية، فقد حمل أيضًا، بطبيعة الحال، آثار الماضي المباركي، واللحظة الإخوانية القصيرة، ليس بمعنى أنه عمل على استعادة الماضي، بل العكس تمامًا، فقد عمل على وضع ضمانات عديدة تمنع عودة هذه التجارب المريرة. لذلك نصّ الدستور، مثلًا، على أنه لا يجوز التنازل عن أراضي الدولة، كما منح مجلس الوزراء قدرًا أعلى بكثير من الاستقلالية، وحدد المدد الرئاسية للرئيس الواحد بما لا يجاوز فترتين، مجموعهما ثماني سنوات، وحصّن المحكمة الدستورية، وفصَّل عملية عزل الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.. إلخ. لكن النزال مع الخصم يعني التأثر به. رد الفعل يسير في الاتجاه العكسي، لكنه والفعل يكونان “على خط عمل واحد” وفقًا لقانون “نيوتن”.

كذلك، فإن الدستور في تعبيره عن مبادئ ثورة يناير- يونيو، نص على مواد كثيرة بشأن الحريات الشخصية، وحرية التعبير، والمحاكمة العادلة.. إلخ، وسعى بقدر الإمكان إلى إلزام السلطة التشريعية بتفاصيل عديدة، كرد فعل على تاريخ طويل من “تفصيل القوانين” في اتجاه معاكس لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية في عهد “مبارك”. وبنفس المنطق، عكس الدستور الريبة التي خلفتها دولة “مبارك” في النفوس تجاه الدولة وإهمالها الطويل للسكان، فحرص على النص على أمور تفصيلية عديدة، تمتد من حماية وتنمية قناة السويس إلى الغذاء إلى “اكتشاف الموهوبين” في ممارسة الرياضة، ورعاية المعلمين وجودة التعليم، وحتى الثروة السمكية وتدعيم الصيادين.

لكن الدستور عكس أيضًا مقدار التفكك الاجتماعي وانعزال واهتراء مؤسسات الدولة، الذي هو أسوأ ما في الإرث المباركي، فحصلت مؤسسات، مثل: الأزهر، وكل مؤسسة قضائية في البلاد، والصحافة، والجمعيات، وحتى الأدباء، على مادة أو أكثر لكلٍّ منها، وبأوسع تفصيل يحتمله نص محدود كالدستور، وبهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الحقوق والاستقلال إزاء بقية مؤسسات الدولة. كما حصلت مناطق بعينها عانت من التهميش على نص دستوري خاص بشأن تنميتها، من الصعيد إلى سيناء إلى النوبة.

في وضع كهذا، حصل كل طرف، من الصيادين والفلاحين إلى الأزهر والمحكمة الدستورية، على ما يريد مقابل أن يوافق على ما تريده الأطراف الأخرى. عملية تبادل بسيطة، لكن لم يُراع فيها، بالنسبة لمؤسسات الدولة تحديدًا، ضرورة توازن السلطات وترابط المسئوليات. بدلًا من ذلك، حصلت المؤسسات والسلطات على ما يمكن أن نسميه “التكافؤ في الاستقلال”.

حرصت القوات المسلحة -بدورها- على أن تحصل على استقلال نسبي، كجزء من عملية إغلاق الطريق أمام عودة الماضي، لتلافي احتمال استعمالها من جانب رئيس جمهورية، من نمط “مرسي” مثلًا، ضد الشعب، أو في مغامرات خارجية (على طريقة “لبيك يا سوريا”)، فنص الدستور على تعيين وزير الدفاع من ضباط القوات المسلحة، وأنشأ مجلس الدفاع الوطني بأغلبية عسكرية، وجعل أخذ رأيه شرطًا لإعلان الحرب وإرسال القوات في مهام قتالية خارج أراضي البلاد، وحدد اختصاصات القضاء العسكري. الأهم من ذلك أنه اشترط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، لكنه قيّد ذلك بمدتين رئاسيتين (8 سنوات). لكن هذا الاستقلال لم يمتد لتعيين بقية أعضاء المجلس الأعلى على نحو ما نجده في النصوص المتعلقة بالمحكمة الدستورية مثلًا.

خلاصة القول، إن دستور 2014 ضم نصوصًا فائضة، تمثل قوى مختلفة، ورؤى قد تكون متناقضة، ومصالح مؤسسات دولة مفككة إلى حد كبير. لكن ما جمع هذا كله معًا، وجعل الدستور يحصل على أغلبية ساحقة في التصويت، أن محوره ظل بناء دولة وطنية تستبعد عمليًّا الطائفة الإخوانية ومشروعها. الدستور يؤصل في الأساس فكرة الدولة الوطنية، وينظّم حالة الحرب الشاملة مع القوى المعادية لها. لكن لما كانت هذه الأهداف تتبناها قوى أو جماعات مشتتة تحمل تصورات مختلفة، عكس تنظيم الدولة في الدستور هذا التفكك وقننه. كان هذا هو الشكل المتاح للإجماع الوطني آنذاك.

***

لن أسرد هنا مجمل التطورات التالية بعد صدور الدستور، يكفي التذكير ببعض العناوين العريضة لسياسة الرئيس “السيسي”، رمز ومحور شرعية التفويض، لتحقيق الهدف العام المذكور للدستور، مثل: إصلاح جهاز الدولة، وإنقاذ الاقتصاد ودفعه نحو النمو وفقًا لرؤية معينة، وإعادة بناء تحالفات البلاد الدولية، وقلب مسار استيلاء الإسلاميين على المنطقة، وتغيير المناخ العام في البلاد نحو التهدئة، وإصلاح ما أفسدته الصحوة الإسلامية بإعادة بناء تصور المواطنة بإجراءات عملية ورمزية، وجهود الإصلاح الديني المواكبة لذلك. وقبل هذا كله استعادة السيادة الفعلية بضرب الإرهاب والقوى المؤيدة له بقوة، في الداخل أساسًا، وأحيانًا في الخارج.

خلاصة الأمر هي أن البلاد استطاعت بذلك تجاوز مرحلة الخطر في سنوات قليلة، وأصبحت شرعية التفويض في حاجة إلى تجديد، أو إعادة تحديد، لا لأنها فشلت، بل لأنها حققت أهدافها المباشرة. هذا لا يعني أن الأخطار قد زالت، لكنه يعني أنه قد آن الأوان لمأسسة هذه الشرعية. حتى هذه اللحظة كان “السيسي” يمثل الضمانة الأساسية للشرعية ومحورها، ومنتظَر منه أن يقدم على أية إجراءات ضرورية لتأمين هذه الشرعية. لكن ماذا بعد تأمينها؟ بعد ترتيب البيت من الداخل، لا بد أن تتموضع مهمة الإنقاذ وتخرج من يد الرئيس وحده لتشاركه مؤسسات بعينها في الدولة، تكون في الوقت نفسه رقيبًا على كل رئيس قادم، وتضمن استمرارية النظام. هذا ما تحاول أن تفعله التعديلات الدستورية فيما أرى.

لكي يتضح ما تعنيه “المأسسة”، لنراجع حالة مختلفة. في يوليو 1952 استولى الضباط الأحرار على السلطة، وفي مارس 1954 تخلصوا من كل الإزعاجات الداخلية، وانتهت مهمة تحرير البلاد بجلاء الإنجليز في 1956. تحققت الأهداف المباشرة، وبقي تدعيم النظام ومأسسته. كان اتجاه “المأسسة” هو محاولة إشراك الشعب في النظام الجديد، لكن بشروط وتحت الرقابة، فتم وضع دستور وأُقيم برلمان، وأُنشئ “الاتحاد القومي” كمنظمة جماهيرية تعبر عن مطالب السكان. ونصّ الدستور على التوجهات الجديدة، مثل الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. كان الهدف هو توسيع النظام، فتوسع بالفعل، وإن كان لم يحقق مشاركة جادة في السلطة.

واضح أنّ ثمة فرقًا كبيرًا في الاتجاه بين التعديل الدستوري المطروح ومأسسة دولة يوليو. يرجع هذا إلى اختلاف طبيعة الظروف التي نشأ فيها النظام الجديد، والأوضاع الإقليمية والدولية، وإلى تطور البلاد نفسها على مدى هذه العقود السبعة الماضية. لا يكفي مقال لرصد حتى الأطر العريضة لهذا الاختلاف، كما أنه سيبعدنا كثيرًا عن موضوعنا، لكنّ هناك نقطة أو نقطتين لا تخلو من دلالة. أصبحت البلاد بعد عقود الصحوة الإسلامية في حالة نزاع أهلي مستمر مع القوى التي سقطت في 2013، حتى بعد تراجع العنف والإرهاب، على خلاف الحالة الناصرية التي لم تواجه سوى كوادر الإخوان والشيوعيين وحبستهم. كذلك يعتمد مسار الإصلاح الاقتصادي الحالي على صبر قطاعات واسعة وانتظار النتائج مستقبلًا (رغم برنامج الرعاية الاجتماعية الواسع لتخفيف آثار الإصلاح، خصوصًا بالنسبة للقطاعات الأفقر من السكان)، على عكس النظام الناصري الذي ورث ثروة أمّمها، وقت أن كان التأميم حلًّا، واستعملها في التنمية وفي إرضاء السكان لاجتذابهم للمشاركة.

في هذه الظروف، اعتمد النظام الجديد بشكل متزايد على إلغاء النزاع السياسي، بإطفاء شرارته أولًا بأول. فرغم استمرار التأييد الواسع للرئيس والنظام الجديد، فإن خبرة دولة “مبارك” المفككة العاجزة عن المبادرة والفاقدة للشرعية، والثورة بما صحبها من مطالب فئوية، أسهما معًا في إفقار الخزانة العامة إلى حافة الإفلاس. هذا الوضع منح الأولوية للحيلولة دون انفجار الاحتجاجات، بمنع اللقاء بين المتضررين وحاملي الشعارات الشعبوية حول العدل والحرية وغيرها، وقبل هذا من الالتقاء مع قوى الإخوان الخامدة حاليًّا، لكن المستعدة للحركة في الظروف المناسبة، واستبعد فعليًّا خيار فتح المجال السياسي، الفقير من الأساس.

على هذا النحو، لم تكن مأسسة شرعية التفويض لتجري بتوسيعه إلى أبعد من مؤسسات الدولة، بل تطلب الأمر من منظور النظام الجديد، كما يبدو لي، تدعيم مؤسسات الدولة نفسها، وإشراكها في مهمة الحفاظ على الشرعية، بالإضافة إلى السيطرة على إمكانية ممارسة بعض هذه المؤسسات لما قد أسميه “شغبًا مؤسسيًّا”، وتسييس مطالبها في ظل الأزمة، فهي ابنة عصر التفكك، وبعضها لا يكاد يختلف في عقليته الفئوية عن غيرها من الفئات الاجتماعية.

***

كيف سارت مأسسة شرعية التفويض في هذه التعديلات إذن؟ بصفة أساسية بتحصين وإشراك المؤسسة العسكرية دستوريا في المهمة الجوهرية المؤسِّسة للدولة الجديدة: حماية المبدأ الوطني والحيلولة دون عودة شبح الدولة الدينية. كانت القوات المسلحة بالفعل في قلب إقامة هذه الشرعية الجديدة، وفي قلب السياسات التي أُتخذت لتدعيمها، من مواجهة الإرهاب إلى بناء المشروعات الجديدة، وكان الحاصل على التفويض من الأساس هو وزيرها آنذاك. التعديل الدستوري يهدف إلى مأسسة هذا الوضع دستوريا بصياغة استقلال القوات المسلحة النسبي في إطار الدستور، وتكليفها رسميا بمنع عودة الماضي والحيلولة دون أي تهديد للدولة الوطنية.

النقطة الأساسية في التعديلات الدستورية إذن، وفقا لهذه الرؤية، ليست مد رئاسة الرئيس “السيسي”، بل تعديل المادة 200، الذي أضاف إلى اختصاصات القوات المسلحة مسئولية “صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد”. هذا التعديل يوكل دستوريًّا للقوات المسلحة المشاركة في حراسة شرعية التفويض. بعبارة أخرى، التصدي لأية محاولة لتهديد مدنية الدولة (التي هي كلمة السر لشرعية التفويض كما مر بنا)، سواء من قلب الدولة نفسها، أو من خارجها. هذه الصيغة، بالمناسبة، قريبة مما جاء في دستور “مصطفى كمال” (الشهير بأتاتورك: أبو الأتراك) الصادر في عام 1921، التي حمت تركيا لمدة قرن تقريبًا من أية محاولة لاستعادة الخلافة أو ما يقرب منها.

يُضاف إلى ذلك تعديل المادة 234: “يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة”، ليس لمدتي رئاسة فقط، كما في الدستور الأصلي، لكن بشكل دائم، وهو ما يكفل التوافق بين وزير الدفاع القادم بقرار رئاسي مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وجدير بالذكر أن تعديل المادة 200 لا يتفق مع التفسيرات العامية للتعديلات الدستورية، لأنها ببساطة تمد القيد الذي كان مؤقتًا على الرئيس في تعيين وزير الدفاع، لتجعله دائمًا، ينطبق أيضًا على الرئيس “السيسي” إذا حصل على فترة جديدة.

تأتي مواد أخرى لتأكيد هذا التوجه وتدعيمه. مثل تحديد نسبة ثابتة للنساء والشباب والمسيحيين وذوي الإعاقة والعمال والفلاحين في مقاعد البرلمان بشكل دائم، بعد أن كان هذا كله موقوتًا بهذه الهيئة البرلمانية وينتهي بانتهاء مدتها. لا يبدو لي أن هذه “رشوة” لتمرير تعديل مدد الرئاسة على نحو ما تذهب التفسيرات العامية، بل هي مكملة لمبدأ تدعيم مدنية الدولة. وغني عن البيان أن تمثيل النساء والمسيحيين خاصةً يُمثل عمليًّا أحد أركان فكرة “المدنية” كما جرى العرف على استعمالها، وتحديًا بالتالي لفكرة الدولة الدينية، ويتسق مع ممارسات الرئيس نفسه في هذا المجال.

لكن هذه المأسسة لا تهدف إلى حلول القوات المسلحة مباشرة محل الرئيس “السيسي” في حماية شرعية التفويض، بل كضمانة دائمة في عهده وبعده. فالتعديلات تستبقي الرئيس “السيسي”، العنوان الأصلي لهذه الشرعية، لأعوام مقبلة؛ فتعديل المادة 140 يهدف إلى أمرين؛ أولهما زيادة مدة الرئاسة إلى ست سنوات، والثاني أن يقتصر منع أي رئيس من الترشح على “أكثر من مدتين متتاليتين”، بينما كان النص الأصلي يمنع انتخابه أكثر من مرتين. الفرق أنه يمكن بعد التعديل إعادة انتخاب الرئيس نفسه بعد مدتين، بشرط تولي رئيس آخر المسئولية لمدة على الأقل بعد المدتين (نموذج بوتين – ميديفييف مثلًا). هذا التعديل يمكن -في رأيي- أن يثير مشكلات من حيث مدى ملاءمته مع نص المادة 226، التي تمنع “تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية”. كذلك منحت التعديلات الرئيس حق تعيين نائب أو نواب له، كضمانة إضافية متروكة لتقديره لضمان سلاسة أكبر في نقل السلطة، على أساس أن تعيين نائب أو نواب يعني أن الرئيس يزكيه أو يزكيهم أمام الجمهور الواسع المؤيد له في الانتخابات الرئاسية التي لن يكون مرشحًا فيها.

أما المادة الانتقالية المضافة، فهي الأكثر إشكالية بين كل التعديلات المقترحة، وهي تلك التي تمنح الرئيس “السيسي” تحديدًا، بوصفه الرئيس الحالي، فترة ثالثة، فعليًّا (أو حتى رابعة، حسب تفسيرات المادة، أي 6 سنوات أو 12 سنة إضافية)، حيث تنص على حق الرئيس الحالي في “إعادة ترشحه على النحو الوارد بالمادة المُعدَّلة من الدستور، وهو -في رأيي- يتعارض بشكل مباشر مع نص المادة 226. تسمية المادة “انتقالية” لا يزيل -في تقديري- التعارض. ومن الناحية السياسية فإنها تدل على هشاشة التوازنات الحاكمة للنظام؛ فرغم نجاح الرئيس فيما يبدو لي في تكوين مجموعات عمل حوله متحدة في الهدف، يبدو الأمر في ضوء هذه المادة المضافة وكأن أي تغيير في الرئاسة يمكن أن تكون له نتائج بعيدة المدى، أو مهدِّدة، وأن النظام ما زال بعيدًا عن الاستقرار كآلية عمل داخلية مستقرة على توجهات واضحة، ومعتمد جوهريا على شخص الرئيس الحالي.

النقطة الرئيسية الأخيرة هي إعادة بناء العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية، وهي تتعلق أساسا بعلاج حالة تفكك الروابط بين مؤسسات الدولة على نحو ما سبق شرحه (لا يوازيها في ذلك ربما سوى الأزهر). فكما سلف بيانه، كانت المؤسسات القضائية من بين مؤسسات الدولة التي حصلت في الدستور على قدر استثنائي وغريب من الاستقلال، يكاد يصل إلى التسيير الذاتي الكامل في حالة المحكمة الدستورية، حيث تختار رئيسها وتعين أعضاءها بشكل مستقل تمامًا، وهو أمر مدهش في أي نظام دستوري. لكن لعل هذا الخيار تم تبنيه في ضوء ما أصاب المحكمة الدستورية تحديدًا في عهد الإخوان، ودورها الرئيسي في إنشاء النظام الجديد.

استقلال السلطات لا يعني أن يستقل كل منها بنفسه، بل يعني توازن العلاقة بينها. فمثلما تملك المحكمة الدستورية التدخل في الشأن التشريعي بإبطال القوانين غير الدستورية؛ يجب أن يملك الرئيس رأيًا في تجديد دمائها وتعيين رئيسها، ليس بشكل منفرد، لكن بالمشاركة معها. وينطبق الأمر نفسه على تعيين النائب العام، حيث يشارك الرئيس -وفقًا للتعديلات- في تعيينه باختياره من بين من يرشحهم مجلس القضاء الأعلى.

كما أن تحديد مدة رئاسة الهيئة القضائية بأربع سنوات، لا يمثل خطورة على استقلال رؤساء الهيئات القضائية، لأن النص يمنع بصفة مطلقة حصول أيهم على مدة أخرى. بعبارة أخرى، لا يستطيع الرئيس أن يعاقب أو يكافئ رئيس الهيئة القضائية بالمد من عدمه وفقًا لسلوكه أثناء مدة توليه منصبه. جدير بالذكر أن الموقف وقت “مبارك” كان على العكس تمامًا، فرغبةً منه في الاحتفاظ بذات الوجوه التي يطمئن لها، كان يرفع سن المعاش للقضاة باستمرار، حتى تعدى السبعين عامًا.

وتهدف التعديلات أيضًا إلى إلغاء التفكك المؤسسي للقضاء. ويُذكر أن التعديلات لم تتعرض لمسألة استقلال القضاة وعدم قابليتهم للعزل (مادة 186)، ولا لفصل القضاء في منازعات أعضائه، ولا لوجود مجلس أعلى للقضاء يدير شئونه (مادة 188)، لكنها أضافت مجلسًا قضائيًّا آخر تمثل فيه كل الهيئات القضائية، ويرأسه الرئيس، وله مهمات محددة، على رأسها تحديد الشروط العامة للتعيين والترقية والندب (لا تعيين القضاة الأفراد وترقيتهم)، كما يؤخذ رأيه في مشروعات القوانين المنظمة لهذه الهيئات القضائية. على هذا النحو تنتهي عزلة الأقسام المستقلة للقضاء التي كان كل منها يقول برأيه في القوانين “التي تخصه”، وفقًا للنص الحالي للدستور، ويعتمد على تقاليده المنفردة في التعيين والندب وغيرها. لدينا مثلًا القضاء الإداري القلعة المحافظة الذي لا يقبل نساء في صفوفه. جدير بالذكر أن الهيئة المقترحة تظل في مجملها قضائية، ليس فيها من السلطة التنفيذية إلا الرئيس، أو ينوب عنه وزير العدل.

في المجمل، تبدو لي التعديلات بشأن السلطة القضائية مفيدة لتحقيق الترابط بين السلطات بشكل مؤسسي، لا مجرد تعاونها، فضلًا عن إتاحة فرصة أكبر لإصلاح القضاء في سياق عملية الإصلاح الشاملة الجارية.

يأتي أخيرًا في ذيل القائمة مسألة إقامة “مجلس الشيوخ”، ولا أجد لها علاقة وثيقة بمنطق مأسسة شرعية التفويض، اللهم إلا إيجاد مكان لمؤسسي هذه الشرعية وكبار رجالها ونسائها حين تنتهي مهمتهم، يستطيعون فيه أن يقدموا بعض الاقتراحات المفيدة. مكان هؤلاء الحالي كما هو معروف هو رئاسة الجمهورية، فكل الذين لعبوا دورًا قياديًّا في عملية إنقاذ البلاد التي قادها الرئيس وخرجوا من وظائفهم أصبحوا مساعدين ومستشارين للرئيس، وهي عملية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. لكن إذا كان هذا هو الهدف، فإن العنصر المنتخب في مجلس الشيوخ هو الذي يبدو بلا مبرر، اللهم إلا ربما الاستنارة ببعض آرائهم القادمة من الحياة العملية، لا من خدمة الدولة، أو ببساطة لمجرد استكمال الشكل.

***

أخيرًا، هناك تفسير بديل شائع للتعديلات الدستورية، هو أن المسألة كلها تتعلق ببقاء الرئيس “السيسي” على كرسي الحكم لفترة مقبلة (ثم مدى الحياة بتعديلات لاحقة، فيما يُقال)، وهو تفسير يعكس الخبرة المريرة مع عصر “مبارك”. أما التعديلات الأخرى، فتفسيرها هو أنها جوائز يجري منحها لقوى وقطاعات لتمرير الهدف الأصلي المذكور، بهدف مشاركتها في تمرير التعديل، فتحصل القوات المسلحة على نصيب معتبر من الاستقلال، وكذلك الفئات الاجتماعية التي سيستمر أو يزيد تمثيلها في البرلمانات القادمة وفقًا للتعديلات، وهو تصور يعكس مدى استيلاء عقلية عصر “مبارك” على قطاعات واسعة، حيث كل رؤية عامة لا تخرج في ذهنها عن كونها تعبيرًا عن مصلحة خاصة ما. هذه العقلية يمكن القول إنها شائعة عند كل الأطراف، المؤيدة والمعارِضة، رغم إقرار الجميع، صراحة أو ضمنًا، برضى أو بسخط، بنزاهة الرئيس والمجموعة الأساسية المعاونة له.

على المستوى الشعبي، ستكون المناقشة أو المناظرة كلها متمحورة حول المواد المتعلقة بالرئاسة، وإذا وصلت التعديلات الدستورية كما هي للتصويت، فسيكون المعيار العملي هو الثقة بالرئيس، لتظل شرعية “السيسي” هي محور النظام شعبيًّا، وليظل اتجاه التصويت قائمًا على أساس التفويض، حتى وإن لم يكن بنفس الزخم الأول، بينما تتوارى عملية “المأسسة” في الظل، لخلوها من اعتبارات عملية تهم الجمهور.

في المحصّلة العامة، مالت “مأسسة” الشرعية بهذا الشكل نحو منطق معالجة الأزمة، أو مواصلة التصدي الإصلاحي الجذري لها، بتأمين وتدعيم النظام، الذي شخَّصْتُه بأنه قام على شرعية التفويض. لكنها بهذا المنطق نفسه لا يمكن أن تمثل وضعًا نهائيًّا كما قد توحي التعديلات، أو قد يوحي عنوان “مأسسة الشرعية” الذي وضعته؛ فتقدم الإصلاح نفسه، بما يعنيه من انفراج تدريجي للأزمة الأمنية، وتقدم الاقتصاد، الذي يعني المزيد والمزيد من تعقد البنية الاجتماعية، سيطرح بالضرورة تخفيف هذا النوع من المأسسة مستقبلًا لصالح إشراك قطاعات أوسع من السكان في السلطة. ومع النضج الاجتماعي قد تتبلور قوى سياسية، في اليمين أولًا، تستطيع أن تطرح نفسها كشريك له رؤية، لا مجرد مطالب، وقد تتبلور قوى ديمقراطية لاحقًا، لا تكتفي مثل الحالية بأحلام الاحتجاج وإسقاط النظام وتخيل أنظمة حكم مثالية، لتلتفت إلى تحقيق ارتباط حقيقي بقطاعات واسعة من المجتمع.

وفي شأن الاتجاه العام للدولة الجديدة، وبالذات فيما يتعلق بالمجال السياسي؛ لا شك أن أزمة السياسة الحزبية أعمق من أن تُنسب لسياستها، فقد انكشف ضعفها تمامًا أثناء أحداث الثورة، حين كانت السلطة ملقاة على قارعة الطريق، والحريات بلا حدود. ولا شك أيضًا أن قيام الدولة الجديدة (أو الجمهورية الثانية كما أفضل أن أسميها) على شرعية التفويض يعبر عن هذه الأزمة الاجتماعية (لا السياسية فحسب)؛ فالتفويض ما هو إلا بديل وتعبير عن العجز المجتمعي عن ممارسة السياسة، لكن من المؤكد أن توجهات هذه الجمهورية ليس من شأنها أن تخفف هذه الأزمة أو تتجاوزها إلا على مدى أطول بقدر فاعلية الإصلاح.

هذه فيما يبدو لي المحددات العامة للتعديلات الدستورية، والتي تظل تعكس المأزق بين مخاطر عودة الإسلاميين ووعورة طريق الإصلاح، ومخاطر اتجاه المأسسة غير الديمقراطية الذي تسير فيه التعديلات الدستورية، ولكن لصالح إعادة بناء الدولة الهشة كما ورثناها عن “مبارك”، أو إصلاح “شبه الدولة” وفقًا لتعبير الرئيس “السيسي”. اختيارات صعبة يقع عبؤها على كل مواطن واعٍ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق