بث تجريبي
ندوات

“البريكست.. تحديات الداخل البريطاني والمحيط الأوروبي”

عَقَد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، بالقاهرة، يوم الثلاثاء الموافق 8 يناير 2019، ندوة للحديث حول المتغيرات التي طرأت على الساحة البريطانية ومحيطها الأوروبي، التي أعقبت استفتاء عام 2016 صوتت فيه غالبية بسيطة لصالح الخروج من الاتحاد بعد أن ظلت عضوا لأكثر من 40 عاما.

وفي حضور نخبة من الخبراء ومجموعة من شباب الباحثين، أدار مدير المركز، الدكتور خالد عكاشة، ندوة بعنوان “البريكست.. تحديات الداخل البريطاني والمحيط الأوروبي“. وحاضر الدكتور “علي خورشيد” عميد كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة لندن وأستاذ الاقتصاد بجامعة ريدنج، مقدما رؤية بانورامية استشرافية عن تطورات البريكست في بريطانيا.

استهل الندوة الدكتور “خالد عكاشة” حديثه بتسليط الضوء على اهتمامات المركز المصري بما يطرأ على القارة الأوروبية، من قضايا وظواهر سياسية، وعلى رأسها جاء موضوع الندوة حول تداعيات ملف البريكست على الداخل البريطاني، والساحة الأوروبية، وكذا تأثيراته المحتملة على مصر.

وفي لمحة عامة، عرّج الدكتور “علي خورشيد” على محطات نشأة الاتحاد الأوروبي؛ ليستدل على شكل العلاقة التي تحكم الطرفين البريطاني والأوروبي، حيث قال: “بدأ الاتحاد الأوروبي في مساره كتجمع اقتصادي جمع الدول المنتجة للصناعات الثقيلة مثل صناعة الصلب والفحم بين فرنسا وألمانيا بالتحديد”، ثم في 1958 انضمت لهما أربع دول، وهي (بلجيكا، إيطاليا، هولندا، لوكسمبورج) لتكون نواة الاتحاد بإعلان “المؤسسة الاقتصادية الأوروبية EEC، وفي يناير 1973 انضمت المملكة المتحدة للسوق الأوروبية المشتركة، وشدد في إشارته على أنه بعد توقيع رئيس وزراء بريطانيا آنذاك “إدوارد هيث” على الانضمام للسوق، تم طرح العضوية في استفتاء عام 1975، صوت أكثر من 67.2٪ لصالح القرار.

وفي ماستريخت، فبراير 1992، تُوِّجت خطوات الوحدة الأوروبية بالتوقيع على الاتفاق المؤسس “الاتحاد الأوروبي”، لم ينحصر التجمع في أشكاله الاقتصادية، بل درجت أوروبا المناحي القانونية، والمعاملات المصرفية، والحقوقية الإنسانية.

أسباب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

أشار الدكتور “خورشيد” إلى جملة من الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى التفكير في الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي:

  1. العبء الاقتصادي: حيث مثّلت سياسات الاتحاد الأوروبي الاتجاه شرقا وضم دول أوروبا الشرقية ضمن المنظمة عبئا اقتصاديا على الدول الغنية، ومن ضمنها المملكة المتحدة؛ سيما وأن الدول المنضمة حديثا تعاني من اقتصاديات فقيرة نسبيا.
  2. الهجرة العمالية: زاحم العمال الأوروبيون الشرقيون المواطنين البريطانيين في الوظائف الشاغرة، خاصة الأعمال البسيطة مثل النجارة والبناء والتمريض، مما أثار استياءهم الذي انعكس في نسب البطالة المرتفعة بين البريطانيين، عززه ذلك “العنصرية الإنجليزية”، حسب إشارة د. خورشيد.
  3. الصحة العامة: كما زاحم الأوروبيون الشرقيون البريطانيين في أسرة المستشفيات، مما دفع الشركات الخاصة في تقديم “العلاج الخاص” فتسبب في رفع تكاليف العلاج.
  4. القوانين الأوروبية: فرض الاتحاد الأوروبي على المملكة المتحدة تشريعات محددة تتوائم مع السياسات العامة في العواصم الأوروبية؛ ونتيجة عملية التصويت داخل الاتحاد الأوروبي، تكالبت الدول الأوروبية الشرقية على سن قوانين تتفق مع اقتصادياتهم وتأتي على حساب الدول الغنية، من ضمنها المملكة المتحدة.
  5. انحدار قيمة الإسترليني: تخشى المملكة المتحدة من الضغوطات الأوروبية عليها للانضمام إلى منطقة اليورو؛ مما سيفقدها من قيمة عملتها (الجنيه الإسترليني) لصالح اليورو.

واستشرف دكتور “خورشيد” أنه بعد خمسة سنوات، ستسعى دول مثل روسيا والصين لمعادلة عملاتها بحوالي 10% ذهب، مما يجعلها تتفوق على الدولار. في حين أن المعاملات التجارية العالمية لن ترتبط بالدولار فقط، وإنما ستشمل عملات مختلفة مثل “اليوان الصيني”، و”الروبل الروسي”. وبناء عليه: تطمح المملكة أن تشمل المعاملات التجارية مستقبلا الجنيه الإسترليني؛ سيما وأن بريطانيا تحتفظ باحتياطات معقولة من الذهب تستطيع بواسطتها معادلة قيمة عملتها بعيدا عن السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.

  1. خريطة الاستثمارات البريطانية: يتحكم الاتحاد الأوروبي في نسب محددة للدول الأعضاء على خريطة الاستثمارات الأوروبية خارج القارة، مما قيّد المملكة المتحدة في هذا الأمر. أما في حالة خروج بريطانيا ستستطيع الانفتاح على العالم بأدوات استثمارية غير محدودة.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية من البريكست

أوضح د. خورشيد أن الإدارة الأمريكية برئاسة “دونالد ترامب” توافق على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأرجع الأمر إلى ثلاثة عوامل:

  1. أوروبا أصبحت ساحة مكشوفة: لم تعد تحتاج الولايات المتحدة إلى (عيون) الدور البريطاني “الاستكشافية” داخل الاتحاد الأوروبي.
  2. التنافسية الأوروبية: تخشى الولايات المتحدة من زيادة التنافسية الأوروبية على حساب الولايات المتحدة، مما يؤهل الاتحاد لأن يكون المنافس الثاني بعد الصين أمام الولايات المتحدة. وبالتالي سيضعف الخروج البريطاني من الأداءات الاقتصادية للاتحاد.
  3. قوة بريطانيا الاستخباراتية: تمتلك بريطانيا أقوى الأجهزة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، مما يؤهلها لأن تصبح ذات نفوذ قوي داخل أروقة صناعة القرار الأوروبية. وبالتالي خروج برطانيا يعني إضعاف الاتحاد الأوروبي.

وأشار د. خورشيد إلى انتقال عدوى “البريكست” بالتأثير على عدد آخر من الدول الأوروبية الطامحين للسير على نفس النهج البريطاني، وهو الهاجس الأكبر الذي يدور داخل أروقة بروكسل.

موقف الاتحاد الأوروبي من البريكست وطريقة إدارته للملف

قال د.خورشيد: “إن الفريق المفاوض الممثل عن الاتحاد الأوروبي يرفض تماما موقف بريطانيا من الخروج”؛ بسبب التخوف من تأثير “الدومينو” وسلوك الدول الطامحة للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

كما يرى أن هدف المفاوضين الأوروبيين هو الإطاحة برئيسة الوزراء البريطانية “تيريزا ماي” عن طريق سحب البرلمان البريطاني لثقته عنها، وتسويف المفاوضات قدر الإمكان؛ للوصول في النهاية إلى فشل البريكست.

لذا يحاول الاتحاد الأوروبي إدارة الملف بشكل يتعارض مع مصالح المملكة المتحدة، مثل ملف الـ “backstop” أو “شبكة الأمان”: وهو الاتفاق الخاص بالحدود بين أيرلندا الشمالية وأيرلندا، فبما أن لندن قررت الخروج من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي اللذان يضمنان حرية التنقل وتوحيد المعايير والرسوم الجمركية، يتطلب ذلك وضع آليات مراقبة على الحدود، مما يستدعي مخاوف من عودة الاضطرابات التي وضعت اتفاق السلام الموقع في 1998 حدا لها، والتي ساهم الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير فيه من خلال تعزيز العلاقات بين جانبي الحدود.

وأشار د.خورشيد إلى أن بروكسل تريد منح أيرلندا الشمالية وضعا خاصا، يكون في الوقت نفسه متوائما مع أنظمة ولوائح الاتحاد الأوروبي. تطبيق هذه الخطة عمليا سيعني إقامة حدود جمركية بين إيرلندا الشمالية وسائر المملكة المتحدة، وهو أمر لن يكون من السهل على الحكومة البريطانية القبول به، وهي التي تعتبر أنه يتعرض لوحدة أراضي البلاد وسوقها، لذا اقترحت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي أن تشمل “باكستوب” كامل أراضي المملكة المتحدة وأن تطبق لفترة محددة لا تتجاوز خمس سنوات. مستدركا د.خورشيد أن بروكسل لم تمنح لندن حق الفيتو على خطة التطبيق، وهو ما أثار استياء البرلمان البريطاني ووجه انتقادات لاذعة لطريقة إدارة “ماي” للملف.

اتجاهات المشهد السياسي في الداخل البريطاني

يرى د.خورشيد أن أكبر انتصار معنوي يمكن أن تحققه بروكسل هو الإطاحة بـ “تيريزا ماي”، وأوضح ذلك بقوله: “على الرغم من هزيمتنا  في الحرب العالمية الثانية إلا أننا نجحنا في التأثير على حكوماتكم”.

وألمح إلى أن هناك اتجاه داخل البرلمان البريطاني يسعى للالتفاف على القوانين؛ بهدف الحيلولة دون تحقيق بروكسل أي انتصارات معنوية على لندن.

كما أن الإطاحة تعني ظهور مرشحين جدد لرئاسة الوزراء يصل عددهم إلى ست مرشحين تقريبا، مما يعني بالضرورة ارتباك المشهد السياسي في الداخل البريطاني. وهو ما قوبل بتصريح من ماي “ستقاتل” للحفاظ على منصبها “بكل ما أوتيت من قوة” في حال أسفر اقتراع في حزب المحافظين على سحب الثقة منها.

ووفقا لما ذكره د.خورشيد فإن أبرز المرشحين لخلافة ماي هم: دومينيك راب وزير الخروج السابق، ويليه بوريس جونسون وزير الخارجية السابق، و”ديفيد ديفيز” مسؤول البريكست السابق.

في حين دفع 200 برلماني بريطاني بعريضة تطلب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من خلال “No Deal”، وهو ما وصفتهم بالتقارير الإنجليزية بـ “الجبناء”؛ لأن خروج بريطانيا بدون اتفاق سيء للغاية.

تداعيات  “No Deal” على البريطانيين وخطة الطوارئ البريطانية

أما بشأن خطة ماي للخروج، فأكد د.خورشيد أن الهاجس الأكبر الذي يواجه البريطانيين هو احتمالية “No Deal”، أي ترك المملكة  المتحدة بدون صفقة، وهو ما يحمل الكثير من التداعيات السلبية على بريطانيا:

  1. بطء الاقتصاد الإنجليزي بنسب تصل إلى 8 و 9%، انهيار الإسترليني بنسبة 7 و8%.
  2. الاعتماد على الدواء المصنع في مصانع خارج بريطانية.
  3. تأثر صناعة الطائرات “الإيرباص” الإنجليزية.
  4. ارتباك مؤسسات الجمارك على الأسعار المحددة والسياسات الجمركية.
  5. ارتباك صناعة الغذاء، حيث تستورد بريطانيا أغلب حاجتها من الصناعات الغذائية من الخارج.
  6. ارتباك سياسة التنقلات من وإلى المملكة المتحدة.

أما بشأن خطة الطوارئ، أوضح د. خورشيد أن بريطانيا اتفقت على إصدار الفيزا وعقود العمل مع الأوروبيين. واستقدام الأطباء والممرضين من دول مختلفة.

قراءات استشرافية

يرى د.خورشيد، أن حكومة “تيريزا ماي” لن تصمد في البقاء طويلا، وأنها ستخسر الانتخابات القادمة، ليصعد رئيس وزراء جديد تتراوح التقديرات بين خمسة أسماء، أبرزهم: “دومينيك راب” وزير الخروج السابق، ويليه “بوريس جونسون” وزير الخارجية السابق، و”ديفيد ديفيز” مسؤول البريكست السابق.

يبحث حزب “العمال” عن انتخابات مبكرة؛ والإطاحة بـ “ماي”، ولكن لن ينجح في الانتخابات؛ لعاملين: الأول: هو الأيديولوجية الحزبية لـ “العمال”؛ الثاني: ميوله لتقديم تنازلات حرجة للاتحاد الأوروبي، لم تقدمها تيريزا ماي نفسها أثناء مفاوضات البريكست.

ثم أكّد أن أقصى ما يمكن أن ينجح فيه رئيس الوزراء البريطاني الجديد هو الوصول إلى اتفاق مرضي للطرفين بشأن “الباكستوب”، وذلك للحيلولة دون السقوط في فخ تفكك العرش البريطاني، الذي يرفضه جميع الإنجليز.

مستدركا أن أهم قضيتين تقف أمامهما بريطانيا كثيرا هما “الجمارك” و”الضرائب”، و”هو ما يمكن أن ينجحا الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في الوصول إلى اتفاق بشأنهما، أي العودة إلى النسخة القديمة للاتحاد الـ (EEC)، ولكن لن تتقدم المفاوضات بشأنهما في الوقت الراهن”.

وأكّد د.خورشيد أنه في حالة اعتزام البرلمان البريطاني إجراء استفتاء آخر حول بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستخرج نفس النتيجة السابقة بتصويت أغلبية بسيطة على “البريكست”، منوها أنه لن يكن للبريكست أي تأثيرات اقتصادية سلبية تمتد لأكثر من عامين.

كما توقع أن تدفع فرنسا وألمانيا باتجاه تعظيم التنسيق المشترك بهدف مكافحة الإرهاب، مع كافة دول أوروبا بما فيها بريطانيا، بعيدا عن فكرة إقامة جيش أوروبي موحد.واختتم د.خورشيد الندوة بالإشارة إلى تأثيرات البريكست على مصر، وشكل العلاقات الاقتصادية المشتركة مع بريطانيا: حيث ستستفاد مصر من الخروج البريطاني من الاتحاد؛ لأن المملكة المتحدة سيكون لها الحرية في عقد اتفاقيات منفصلة والاستثمار في مصر، كونها المستثمر الأول خارج الدول العربية بقيمة استثمارات تبلغ 5.7 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يزيد ذلك الرقم كثيرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق