بث تجريبي
مقال تحليلي

الأمن القومي في عصر الإنترنت.. تحولات دور الجغرافيا

في الجزء الأول من تحولات نظرية الأمن القومي في عصر الإنترنت، أو عصر قوة السيبر -القوة الافتراضية غير المادية- إن شئنا القول بدقة أكبر، أشرت إلى مجمل العناصر الجديدة التي تشكل جوهر الأمن القومي للدول، وهي عناصر نابعة -في مجملها- من المجتمع. وأشرت إلى مقولة موت المسافة والزمن، في إشارة إلى انهيار الحواجز الزمنية والجغرافية في عصر العولمة. وانتهى المقال إلى أن المكونات التاريخية بوصفها متغيرات، والمكونات الجغرافية للأمن القومي بوصفها ثوابت هذا الأمن؛ تحتاج إلى معالجة مستقلة. وتوقع أكثرية من ناقشني في الورقة المنشورة أن الدولة القومية انتهت أو انتهى دورها بمعنى أدق، وهو رأي جانبه الصواب تمامًا.

علاقة الدولة القومية بالثورة العلمية ومنجزاتها التكنولوجية من ناحية، وعلاقتها بكافة عمليات العولمة من ناحية أخرى، وعلاقتها بالجغرافيا تحديدًا من ناحية ثالثة؛ أكبر وأعمق من أن تتحدد برؤية تتكون نتيجة اتجاه سطحي نعايشه ونلمسه في انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، وهي الرؤية التي أخذت بها مؤسسات “بريتون وودز” في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفقًا لآراء “كينز” التي تكونت في فترة الكساد العالمي، والتي أكدت أن الأسواق العالمية دون تدخل من الدولة لن تتمكن من إنجاز مهامها الاقتصادية وفقًا للاقتصاد الرأسمالي.

ومن ثم، اتجهت الدول إلى خضوع النظام الاقتصادي العالمي لقواعد ومعايير وضع أسسها الاقتصادي البريطاني “كينز”، وتستند إلى ضرورة تدخل الدولة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وضمان كفاءة الأسواق. واستمرت هذه القواعد تعمل بكفاءة إلى أن وقعت الأزمة الاقتصادية الأولى في سبعينيات القرن الماضي نتيجة رفع أوبك أسعار النفط، ما أدى إلى حالة من التضخم والبطالة وتراجع معدلات النمو.

ونتيجة لهذه الأزمة أعاد الفكر الاقتصادي النظر في دور الدولة نتيجة أفكار “ميلتون فريدمان” (نوبل 1976) الذي أكد نهاية عصر تدخل الدولة وإعادة عجلة القيادة إلى السوق باعتبارها الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على تحقيق النمو المستقر الذي يضمن فرص العمل وتخفيض التضخم.

لذا، كان هدف السياسة الاقتصادية الجديدة هو تحرير الأسواق من القيود، وتحرير التجارة العالمية، مع استخدام السياسات النقدية في ضبط فعالية الأسواق الاقتصادية الثلاثة (العمل، السلع، رأس المال). ومع نجاح وصفة “فريدمان” في بريطانيا والولايات المتحدة، فقد طلب كل من “ريجان” و”تاتشر” التركيز على أهمية استخدام السياسة النقدية لاستقرار الأسواق الثلاثة، ولذا تولت وزارة الخزانة الأمريكية إدارة حوار مع مسئولي البنك الدولي وصندوق النقد لإقناعهم بسياسات تقوم على ثلاثة مقومات تمثل جوهر “إجماع واشنطن” ممثلة في التشدد في السياسات المالية (التقشف) والخصخصة وتحرير الأسواق.

هذه السياسة تعرضت للنقد هي الأخرى مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 في الولايات المتحدة وأوروبا، وانتشار آثارها في العالم. ولم تتمكن الولايات المتحدة من علاج الأزمة حتى بسياسات الرئيس “أوباما” ومستشاريه. إذن، النتيجة أن الأسواق ليس بإمكانها تجنب وقوع أزمة بدون مساعدة الدولة، ولذا كانت السياسات المتبعة متناقضة تمامًا مع أفكار “فريدمان و”إجماع واشنطن”، وأكدت من ناحية أخرى أن جميع عمليات العولمة الاقتصادية ما زالت تتم داخل مؤسسات الدولة القومية، وإلا لطرحنا تساؤلًا: من يحقق عمليات العولمة؟ وكيف؟ ومن ينفذها؟

الدولة القومية والعولمة

في هذا الإطار، طرحت العولمة رؤيتها عن علاقتها بالدولة القومية فظهرت أربعة اتجاهات أساسية لا بد من أخذها في الاعتبار وفقًا لترتيب ظهورها تاريخيًّا، وهي:

– أن الدولة القومية ضحية ضمن ضحايا العولمة، ولذا فإنها في طريق الزوال.

– أن الدولة القومية ما زالت تمارس دورها، فهي فاعل من الفواعل في عصر العولمة.

– أن الدولة تعيد تكييف نفسها مع العولمة لتستمر الفاعل الأساسي في عصر الإنترنت والعولمة.

– أن الدولة القومية هي إحدى المؤسسات الاستراتيجية التي تقوم بعمليات الاندماج في العولمة.

وهذا التطور -وليس التناقض- أخفى وراءه تفاعلًا ديناميًّا مهمًّا لم يكن منظورًا، هو تفاعل الدولة القومية مع شبكات العولمة التي ظهرت أول ما ظهرت على المستوى الكوني وعلى استحياء أولًا قبيل تأسيس نادي روما في منتصف ستينيات القرن الماضي، ثم أخذت في التوسع في السبعينيات، واتضحت معالمها في الثمانينيات على مستوى مجتمعات غرب أوروبا أساسًا، وتمت دراستها ووضع قواعد وقوانين عملها في التسعينيات. وجاءت بثمارها في الألفية الجديدة، لا سيما في العقد الثاني منها. وهذا التفاعل للدولة القومية مع شبكات العولمة أكد بصورة واضحة أن الدولة القومية قد وُجدت لتبقى، وأنها تحولت إلى فاعل استراتيجي في عصر الإنترنت.

الدولة القومية فاعل استراتيجي في عصر الإنترنت

طورت الدولة القومية البعد الكوني للعولمة في عصر الإنترنت بمختلف مؤسساتها، فهي التي شاركت في المؤتمرات التي كشفت فيما بعد عن العولمة، ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية هي التي سنت القوانين ونفذت الاتفاقيات التي أدت إلى جعل العولمة حقيقة واقعة، وفصلت في الخلافات التي تمخضت عنها العولمة في إطار شبكات من المؤسسات المتشابهة، مثل: المحاكم الدستورية، أو شبكات البنوك المركزية، أو شبكات نوعية مثل شبكة الثمانية أو شبكة عدم الانحياز. وهذه الشبكات أدت إلى ظهور ثلاثة أدوار مستحدثة للدولة القومية، هي الدمج الجزئي للعمليات الكونية في مؤسسات الدولة القومية، ما أدى إلى ظهور خصائص جديدة للاندماج المؤسسي والكوني للاقتصاد الكوني. والدور الثاني هو رسم الشكل الجديد للسلطة في عصر الإنترنت، أي دور الدولة في تمكين الشبكات والتحولات الرمزية للقوة والاقتصاد. والدور الثالث هو مشاركة الدولة القومية بصورة صريحة في مختلف العمليات الكونية. وقد أدى ذلك إلى نتيجة منطقية سبق وأن تعرضت لها الدولة القومية وهي تغيير وظيفتها عبر التاريخ، ما أدى إلى تغيير علاقة الدولة بالمجتمع في النهاية من خلال تغير دور الحلقة الوسيطة بينهما، أي دور المجتمع المدني، ليصبح شريكًا في الحكم، ورقيبًا على الفساد في الدولة، ورقيبًا على حسن تنفيذ مختلف مؤسسات الدولة للسياسات العامة المقرر تنفيذها بالفعل.

ودعم هذه الأدوار الجديدة للدولة القومية عضويتها في الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، والتوسع في عدد هذه الوكالات، فهذه الوكالات تواكب بصورة دائمة التطورات العلمية في مختلف المجالات، والعضوية فيها عادة للمتخصصين أكثر منها للدبلوماسيين، فمثلًا الوكالة الدولية للطاقة الذرية العضوية فيها لمتخصصين في الطاقة، ومنظمة العمل الدولية العضوية فيها صحيح للحكومات إلا أن العمال ورجال الأعمال أعضاء فيها أيضًا على قدم المساواة ضمن الوفد الحكومي، لأن تشريعات العمل تمس هذه الفئات الثلاث معًا، وهذا هو الوضع في باقي الوكالات المتخصصة بالأمم المتحدة.

وهذا الدور كشف عن خصيصة مهمة للدولة القومية في عصر الإنترنت، وهي تحول بعض مهام الدولة نتيجة نزع الصفة “القومية” عن بعض مكونات السلطة ذاتها بالرغم من وجود هذه المهام داخل الدولة القومية نفسها التي ترتبط بعدة دول مجاورة لها بحكم الجوار، فالدولة القومية المركزية الهرمية تعمل كنطاق جغرافي بيني لكل من القوى السياسية القومية رغم أنها وعاء لها أيضًا، والقوى السياسية فوق القومية، أي إنها تربط هذه القوى بالوحدات الكونية والإقليمية أيضًا. فالدولة القومية اليوم تساهم في دعم اقتصاد المعرفة، وهو اقتصاد كوني في إطار قانوني يسيطر عليه التحرير والخصخصة والسلطة المتنامية لفاعلين من غير الدولة، مثل: الشركات عابرة القومية، والوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، ومؤسسات بريتون وودز. كذلك فإن إدماج العولمة في الإقليم القومي بوصفه مجالًا جغرافيًّا تحكمه مجموعة من القوانين القومية، ودعمه بقدرات إدارية، يتطلب التخلي عن المفهوم القومي لأن إدماج الكوني في الإقليم يتطلب ذلك، خاصة وأن الدولة انسحبت فعلًا من القيام بالدور الإنتاجي في الاقتصاد، واقتصر دورها فقط على وضع الأطر القانونية أي التنظيم.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن بعضًا من أجزاء الدولة القومية تكتسب قوة نسبية نتيجة مشاركتها في تطوير الاقتصاد الكوني. كما أن بعض وظائف الدولة قد تفقد أهميتها الوظيفية نتيجة الاهتمام بتمكين الاقتصاد الكوني على حساب الاقتصاد القومي.

ومن ثم، فإن تعريف الدولة بوصفها تنظيمًا يمارس النفوذ أو القوة السياسية، ويدعم التعاون الإقليمي في حدود جغرافية محددة؛ يحتاج إلى تطوير وإعادة نظر في الوقت الراهن، خاصة أن الدولة القومية مشاركة في تطوير النظام الاقتصادي العالمي، ومن ثم فإنها تشهد تحولات جوهرية ستمتد لسنوات طويلة، ويتطلب التكيف مع مصالح الشركات الاستثمارية الأجنبية والجهات المقرضة عملية تفاوض تمس “قومية” بعض أبعاد الدولة. كما تطلب تطوير آليات حديثة لإنجاز هذه الوظيفة من خلال تشريع القوانين والنظم التنفيذية واتخاذ القرارات القضائية ليشمل التفاوض وإنشاء آليات ضرورية لإعادة بناء مكونات معينة من رأس المال القومي ضمن رأس المال الكوني، وتجهيز أنواع جديدة من الحقوق أو الصلاحيات لرأس المال الأجنبي في الإقليم القومي والتي تُعد أساسًا تحت السلطة الحصرية لدول هذا الإقليم.

إذن، هذه العمليات التي تم نزع صفة “القومية “عنها ما زالت تتم في داخل الدولة القومية، إلا أنها انتقلت إلى مستوى كوني.

بالأسلوب نفسه يمكن وصف عملية تآكل السيادة بمفهومها التقليدي الحصري غير المجزأ على أرض محدودة جغرافيًّا؛ فقد ظهرت ظواهر تتجاوز فكرة المواطنة؛ فالمشاركون الآن في الحوار العام حول العولمة بجميع أبعادها ليسوا من قومية واحدة، ولا هم بمواطنين تابعين لدولة واحدة، ولا يتم التواصل بينهم بلغة واحدة. كما لا يتم ربط النقاش العام بالاقتصاد القومي للدولة فقط لأن اقتصاديات الدول أصبحت مترابطة وعابرة للقومية، فالمجال العام في هذه الموضوعات أصبح كونيًّا، أي إنه يُمثل مجالًا عامًّا كونيًّا. ومن ثم، فعدد كبير من الأقاليم الجغرافية خرجت ثقافيًّا عن المركزية الأوروبية التي عانينا منها كثيرًا، فالمجال العام الكوني يستهدف عمليات صنع القرار على مستوى عولمي.

ما يخدم الشعوب يُسهم في العولمة، ولذا فإنه مجال عام يتجاوز الزمان والمكان ونمط الفاعلين المحليين في أي دولة. كما أن آليات الفعل العام العالمي تتعدد بين المستوى المؤسسي والمستوى الشعبي، وبين وسائل الإعلام القومية ووسائل التوصل الاجتماعي عبر الإنترنت. كذلك لم يعد المجال العام العالمي مقصورًا على الحوار العقلاني، فقد كان للدين والثقافات المحلية دور مهم في تشكيل العقل العام العالمي، وتكوين حركات اجتماعية على أسس دينية مضادة للسلطة، وساعية لتحقيق الصالح العام. ومن هنا برز الدور السياسي للعمال والنساء والمهمشين والعاطلين والفقراء ورجال البيروقراطية والفنيين والمهنيين.

مجمل هذه التحولات في العمليات التي تقوم بها الدولة القومية اليوم تشمل المكونات في الدولة القومية، ورغم أنها مكونات قومية أساسًا إلا أنها مكونات استراتيجية لأنها تتعدى المستوى القومي والقانون المحلي.

بالأسلوب نفسه يمكن تفسير كيف أصبحت حقوق الإنسان مسألة كونية باعتبار أن التفاعل الأكبر للقومي مع الديناميات الكونية ليس فكرًا جديدًا، ولكن سيادة الدولة تم تحديدها بأكثر من أسلوب واحد أهمها وجود سوق رأسمالية ترتبط بها الدولة، بل إن توسيع سيادة الدولة إقليميًّا كان متوقفًا على اتجاه الدولة لتفاعل بعدها القومي ضمن إطار ديناميات الكونية الجديدة التي فرضتها الإنترنت.

ومن ثمّ، ظهر اتجاه جديد حديث داخل عمليات العولمة يؤشر إلى أن استمرار وجود الدولة القومية أصبح ضروريًّا ولازمًا لإنجاز هذه العولمة من جانب، وأن استمرارية ذلك يؤدي إلى إعادة ترسيخ دور الجغرافيا في عصر الإنترنت من جانب آخر، ولكن بصورة تتناسب مع عصر الإنترنت من خلال دراسة الدور الذي تقوم به المدن الكونية لإعادة تشكيل فضاء جغرافي جديد يحقق أهداف العولمة ويؤكدها، خاصة أن هذه المدن وصلت إلى خمسين مدينة عالمية.

جغرافيا الأمن القومي الجديدة

عندما يصبح النشاط الاقتصادي والسياسي للدولة كونيًّا أكثر منه قوميًّا على النحو السابق، فإنه يعيد تشكيل العلاقة بين الجغرافيا والسياسة؛ فزيادة النشاط السياسي والاقتصادي الكوني للدولة يعيد تشكيل نظم أخرى عديدة من بينها النظم الجغرافية، وأداة ذلك المدن الكونية. وقد أدت هذه الأنشطة الكونية بالفعل إلى تشكيل شبكة متنامية من المدن الكونية بلغت في عام 2007 حوالي 40 مدينة، تزايدت من خلالها الثروة وعمليات دمج الدول في العولمة من خلال الاستثمار والتجارة وتبادل رأس المال وتحرير سوق العمل، ودمج حقوق الملكية الفكرية وحقوق الإنسان في مجمل عمليات العولمة.

وهنا ينبغي أن نميز بين مفهومي المدن الكونية والمدن العالمية، فالتمييز بينهما وظيفي بالدرجة الأولى، وهو أداء نشاط كوني أكثر منه قوميًّا، فالمدن الكونية هي مدن تؤدي عمليات إدماج الدولة القومية في عمليات وأنشطة العولمة، سواء من خلال تحويلات مالية أو سلعية أو عمالية في إطار إقرار تحرير النشاط الاقتصادي، أو من خلال أداء عمليات تؤدي إلى مزيدٍ من إدماج الدولة في نظام العولمة، وبالتالي فهي مدن عابرة للحدود، ومثالها مدن المراكز المالية: لندن، ونيويورك، وطوكيو، ووادي السيليكون، ونيودلهي، وشنغهاي، وبومباي، وساوباولو، ومكسيكو، وميامي، بينما المدن العالمية سبق وشاهدنا نماذجها في التاريخ عبر قرون مضت في آسيا وأوروبا حينما عرفت هذه المدن بأدوار أو تجارات معينة.

وبالتالي، فالمدن الكونية هي مدن عالمية بالضرورة، لكن المدن العالمية ليست بالضرورة كونية. ولفهم ذلك يوجد خمسة افتراضات:

الافتراض الأول: أنه كلما زاد التشتت الجغرافي للنشاط الاقتصادي مع تكامله زمنيًّا من خلال الاتصالات التليفونية، كلما تزايدت وظائف الشركة وأهميتها، وكلما زادت درجة تعقيد أنشطة الشركة الإدارية والتنسيقية والتمويلية والاستراتيجية.

الافتراض الثاني: أنه كلما تزايدت تعقيدات أنشطة الشركة كلما زاد خروج المركز الرئيسي لها من دور المورد، لأنه يقوم بشراء مجموعة جديدة من الوظائف المركزية من شركات أخرى عالية التخصص، مثل: المحاسبة، والعلاقات العامة، والقانون، وتصميم البرامج والاتصالات الهاتفية، ويمكن أن تتعاقد شركات متخصصة مع هذه المراكز الرئيسية للشركات لإنتاج هذه النوعية من الوظائف الجديدة للشركة. وهذا النمط الجديد من الشركات المندمجة ساد الأسواق الكونية الآن، وهو ما يفسر بعض عمليات الاستحواذ للشركات الكبرى، أو توسع شركة خارج الإطار التقليدي مثل أمازون الشرق الأوسط.

الافتراض الثالث: أنه كلما زادت درجة تعقيد وكونية الأنشطة المخصصة لأسواق الشركة، كلما ازداد احتمال خضوع هذه الأنشطة للاقتصاديات المندمجة، ما يعني إنتاج خليط من الديناميات المندمجة الجديدة داخل السوق الكونية، ما يؤدي لسيادة درجة أعلى من عدم اليقين السياسي، وظهور عددٍ من الوظائف البيئية الحضرية، ويصبح التواجد في المدينة مرادفًا للتواجد في الدائرة المركزية للمعلومات.

الافتراض الرابع: أنه كلما كانت المراكز الرئيسية لهذه الشركات تحصل على وظائفها الأكثر تعقيدًا من الخارج out sourcing كلما تحررت في اختيارها من فكرة الموقع، لأن العمل داخل المركز الرئيسي أصبح يخضع بالفعل للاقتصاديات المندمجة. وهذ النمط من الإنتاج المتميز للمدن الكونية نمط شبكي أساسًا، أي يخضع لقواعد ومتطلبات التشبيك العولمي.

الافتراض الخامس: أنه طالما أن هذه الشركات تقدم خدمات متخصصة فإنها تحتاج إلى توفير خدمة كونية من خلال شبكة كونية من المؤسسات والشركات الكونية، ومن ثم تتضح الحاجة إلى تدعيم شبكات وتعاملات من مدينة لأخرى عبر الحدود، ما يؤدي لظهور أنساق حضرية جديدة عبر قومية.

الخلاصة، أن النمو المتزايد للأسواق الكونية، وبخاصة في سوق رأس المال والخدمات المتخصصة؛ ولّد الحاجة لشبكة خدمات عابرة للقوميات في ظل انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، وفي ظل تصاعد التنافسية وأهميتها.

إذن، الجغرافيا الجديدة التي تتشكل أمامنا الآن هي جغرافيا خاصة بالدولة القومية وفقًا لطبيعة عمليات النشاط الاقتصادي السائد، ومن هنا لا بد من التمييز باستمرارٍ بين أداء الدولة للدور الكوني وأدائها للدور القومي داخل نفس مؤسسات الدولة القومية، فالدور الكوني للمدن الكونية يزيد النشاط الكوني للدولة القومية على حساب الدور القومي الذي يتجه أكثر نحو المحلية.

هذا الفضاء الجغرافي الجديد لا يزال قيد التشكّل، وقد وصل عدد المدن الكونية إلى ما يقارب 60 مدينة كونية تساهم جميعًا في دعم عمليات العولمة، كما أنها تساهم في بناء تنظيم مصالح وتعاملات عبر الحدود. ورغم أن فكرة التبادل عبر الحدود مسألة قديمة، إلا أن درجة الانفتاح كانت تتسم بالنسبية والتغير من وقت لآخر ومن إقليم لآخر. كما أن الدول كانت تتحكم في هذه الدرجة، فظهرت فجوات متعددة في النظام من آن لآخر على المستوى الدولي، ما أدى لانغلاق التنظيمات التي كانت تتم داخلها هذه التدفقات الاقتصادية.

إلا أنه خلال مجمل القرن العشرين حتى الثمانينيات ظهرت نظم أكثر استقرارًا تنظم هذه التدفقات، وهي الفترة التي أصبحت الدولة فيها هي الفاعل الرئيسي على المسرح الدولي، وهو ما بدأ يتغير اعتبارًا من عام 1980 ونما بسرعة في عام 1990 نتيجة الاستخدام العام للإنترنت بتأثير التطور التكنولوجي والسياسات الاقتصادية لـ”ميلتون فريدمان” وانفتاح الاقتصاد العالمي أمام الشركات عابرة الحدود، وزيادة عدد الفاعلين الدوليين، وقيام الدولة القومية أو بعض مؤسساتها بدور متزايد في العمليات الكونية لدعم العولمة، ووضع أسس قانونية لهذه الأنشطة، وإقرار معايير جديدة عابرة للحدود لتنظيم الاقتصاد على أسس كونية. إذن، الديناميات عابرة الحدود تتحكم فيها المدن الكونية وبعض مؤسسات الدولة القومية، وتتم في شبكات واسعة تنظم المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والجنائية بإرادة الدول أو دون إرادتها أيضًا. وهنا لا بد من تذكر أن الدولة القومية الأكثر توافقًا مع هذه التطورات هي الدول الشبكية، أما الدول الجامدة التي ترى في العولمة كارثة ينبغي تجنبها فجميع هياكل السلطة فيها (الأسرة، المسجد، الكنيسة، المدرسة، الجامعة، المصنع، أو مؤسسات الدولة على تنوعها) عرضة للانهيار كما تنبأ بذلك “ألفين” و”هايدي توفلر”.

الأمن القومي المصري في عصر العولمة

على الرغم من أن المجال الجغرافي في عصر العولمة لم يتشكل بصورة نهائية حتى الآن؛ إلا أن أهم ملامحه تشمل منطقتين، هما ضفتا الأطلنطي في غرب أوروبا، ثم في جنوب شرق آسيا، مع وجود جيوب تضم تكتلات مثل البريكس، والمحاولة الصينية للحزام والطريق والآسيان، وهو ما يبشر بالخير في المستقبل.

ويحكم مصر في هذا المجال معيار مدى توافر مقومات اقتصاديات المعرفة لديها، إذ توجد لدينا خمسة مؤشرات عالمية لتصنيف دول العالم اقتصاديًّا وفقًا لهذا المعيار، وهي مؤشرات مركّبة تأخذ بعين الاعتبار التعليم ونوعيته إجمالًا، وتعليم علوم الكمبيوتر وتطبيقاته، وأعداد الخريجيين، ومدى توافر الخامات اللازمة لتلك الصناعات، والقدرة الاستيعابية للاقتصاد، والسياسات الاستثمارية المطبقة، والبنية القانونية، والقدرة على التسويق.. إلخ، وذلك على النحو التالي:

1- مؤشر المنتدى الاقتصادي بدافوس، ويقسم المؤشر دول العالم إلى ثلاث فئات:

أ- دول نجحت في ترسيخ اقتصاديات المعرفة، وهي دول متقدمة تكنولوجيًّا، وهي حصريًّا 18 دولة، وفي مقدمتها: الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، وفرنسا، وفنلندا، وهولندا، والدنمارك، وسنغافورة، ونيوزيلندا.

ب- دول الاقتصاديات البازغة Emerging Economies، وتشمل مجموعتين من الدول حصريًّا؛ الأولى منهما هي البريكس وهذه الكتلة تمثل 40% من سكان العالم، و25% من مساحة اليابسة في العالم، ولديها أكبر احتياطي نقدي عالمي، كما أنها أكثر دول العالم جذبًا للاستثمارات الأجنبية. أما المجموعة الثانية فقد أطلق عليها التقرير الإحدى عشرة دولة القادمة، وتشمل: كوريا الجنوبية، وإندونيسيا، والمكسيك، وتركيا، والفلبين، وفيتنام، وإيران، ومصر، وباكستان، ونيجيريا، وبنجلاديش.

ج- باقي دول العالم وليست لها علاقة باقتصاديات المعرفة.

2- مؤشر Goldman Schas، وهو مؤشر هدفه رصد الدول التي في طريقها للانضمام إلى نادي اقتصاديات المعرفة، ولذا اعتمد عليه تقرير دافوس في هذا المجال ناقلًا عنه أهم 11 دولة في هذا الميدان، وهي: كوريا الجنوبية، وإندونيسيا، والمكسيك، وتركيا، والفلبين، وفيتنام، وإيران، ومصر، وباكستان، ونيجيريا، وبنجلاديش.

3- مؤشر Standard and poor’s، ويشمل حصريًّا 14 دولة، هي: شيلي، والتشيك، والمجر، ومصر، وإندونيسيا، وماليزيا، والمكسيك، والمغرب، وبيرو، والفلبين، وبولندا، وتايوان، وتايلاند، وتركيا.

4- مؤشر Dow jones، ويشمل 29 دولة تشمل كلًّا من: الأرجنتين، والبحرين، وبلغاريا، وشيلي، وكولومبيا، والتشيك، ومصر، وإستونيا، والمجر، وإندونيسيا، والأردن، والكويت، ولاتفيا، وليتوانيا، وماليزيا، وموريشيوس، والمكسيك، والمغرب، وعمان، وباكستان، وبيرو، والفلبين، وبولندا، وقطر، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسيريلانكا، وتركيا، والإمارات.

5- مؤشر financial times، ويضم 18 دولة، هي: المكسيك، وجنوب إفريقيا، وبولندا، والمجر، وشيلي، ومصر، والمغرب، وباكستان، وتايلاند، وكولومبيا، وإندونيسيا، والبيرو، وتركيا، والتشيك، وماليزيا، والفلبين، والإمارات.

والنتيجة أن المؤشرات الخمسة السابقة، وبالرغم من تفاوت درجة تعقيد كل مؤشر واختلاف عدد الدول البازغة ما بين 11 دولة حتى 29 دولة؛ إلا أن هناك إجماعًا على وجود مصر وإندونيسيا والمكسيك بين هذه الدول.

أي إن أقوى خمسة مؤشرات اقتصادية في العالم أجمعت على وجود 3 دول في مقدمة الاقتصاديات البازغة المؤهلة لدخول نادي اقتصاديات المعرفة، وهو أهم كثيرًا من النادي النووي، وهذه الدول الثلاث هي مصر وإندونيسيا والمكسيك، شريطة تدعيم اقتصاديات المعرفة بها.

وأول هذه الخطوات هي تكوين مدينة كونية، وأرشح محور قناة السويس الاقتصادي الذي ينبغي أن يكون ليس محورًا صناعيًّا فقط، وإنما محورًا لصناعات تعتمد على اقتصاديات المعرفة بالدرجة الأولى.

وثاني هذه الخطوات تغيير النظام القانوني المصري بكافة تشريعاته، وعمل تشريعات أكثر بساطة في الإجراءات، تستند إلى روح العصر، وإدماج جميع الاتفاقيات التي وقعت عليها الوفود المصرية منذ التسعينيات، وتتناول إدماج مصر في عمليات العولمة.

أما ثالث هذه الخطوات فإعادة تنظيم الدولة على أسس شبكية حتى يسهل عليها إدماج عمليات العولمة في مؤسساتها القومية، وحتى يمكن القيام بدور فاعل في هذا الإطار.

ورابع هذه الخطوات إصدار قانون إتاحة تداول المعلومات ومكافحة الجريمة الإلكترونية.

صحيح أن مصر اتخذت بالفعل بعض الإجراءات، مثل الشمول المالي، وفتح البنوك المصرية للشراكة الأجنبية؛ إلا أنها خطوات جاءت على استحياء وفي إطار التحديث وليس التشبيك. كما أن هذه الخطوات ينبغي أن تشمل المجتمع أيضًا. وأزمة مصر تؤكد أن المجتمع يسبق الدولة بخطوتين، هما اضطراره إلى التشبيك بالفعل، والثانية أن المجتمع المصري نجح في تشكيل شبكات الاستشعار الإنساني التي تتبادل معلومات مهمة تمس الأمن القومي المصري مباشرة وتؤثر عليه سلبًا، وهو ما ينبغي التحسب له منذ الأمس وليس الآن.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق