بث تجريبي
وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أسباب تعثّر مفاوضات إدارة المرحلة الانتقالية في السودان

تُشير التطورات السياسية التي تشهدها دولة السودان إلى أنها حالة فريدة مقارنةً بتجارب الانتقال السياسي التي مرت بها العديد من دول العالم. فرغم مرور أكثر من ستة أسابيع على إزاحة الرئيس “عمر البشير” من السلطة في الحادي عشر من أبريل فإن المرحلة الانتقالية لم تبدأ بعد.

وبينما تعددت اللقاءات وجلسات التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير؛ إلا أنها لم تسفر عن أي تغيير ملموس في الوضع القائم، بل يمكن القول إنها زادته تعقيدًا، وعمّقت الفجوة في الرؤى والمواقف بين الجانبين على النحو الذي تَجَسّد في تعليق جلسات التفاوض بعد الإعلان عن عدم التوصل إلى حل للخلاف بشأن تشكيل ورئاسة المجلس السيادي الممثل لقمة السلطة في المرحلة الانتقالية، وما تلا ذلك من تصعيد متبادل بين الجانبين.

تعثر المسار التفاوضي

لم يكن تعثر المسار التفاوضي في التوصل لترتيبات متفق عليها لإدارة العملية الانتقالية أمرًا مفاجِئًا، أو نتيجة لتعنت طرف دون آخر، لكنه جاء محصلة لعدد من الأسباب التي يمكن رصد أهمها في التالي:

أولًا- التفاوض بدون سقف زمني: من بين الأسباب الرئيسية في تعثر المفاوضات في السودان، غياب السقف الزمني الذي يتعين على الأطراف المتفاوضة الالتزام به. فمن أجل التقدم في الإجراءات الانتقالية على نحو سليم، ينبغي أولًا أن يُحدَّدَ موعد عاجل لإنهاء الاتفاق بشأن مؤسسات الحكم خلال المرحلة الانتقالية، يتبعه تحديد لموعد الانتخابات العامة التي ستُجرَى لتسليم السلطة لهيئات دائمة وفق إجراءات واضحة ومحددة ومتفق على ترتيب خطواتها.

ولعل السبب في غياب السقف الزمني الواضح لنهاية المفاوضات وبداية المرحلة الانتقالية، إدراك كل طرف أن إطالة أمد الوضع الحالي أمر مفيد يحقق مصالحه، أو على الأقل هو وضع أفضل من التوصل إلى اتفاق سيئ يفرض واقعًا جديدًا. وهو الأمر الذي انعكس في عدد من الممارسات، كتأخر قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في الكشف عن رؤية كلٍّ منهما للوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. وكل هذا التأخر في الحسم يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تطرفًا، كما يُتيح الفرصة لمزيدٍ من التدخل من قبل أطراف دولية وإقليمية. فضلًا عما يكسبه للمفاوضات من تعقيد وتصاعد للخصومة بين أطرافها.

وفي ظلّ عدم اكتراث طرفي المفاوضات بشأن عامل الوقت، جاءت المطالبة بوضع سقفٍ زمني لحسم ترتيبات المرحلة الانتقالية من الخارج مصحوبة بتهديدات بفرض عقوبات على السودان. وهو الملف الذي قدمت فيه قمة القاهرة، التي عُقدت في الثالث والعشرين من أبريل الماضي، إسهامًا إيجابيًّا أسفر عن تأجيل قرار الاتحاد الإفريقي بتعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الذي أقر منح الخرطوم مهلة زمنية تمتد لشهرين تبدأ من مطلع مايو الجاري وتمتد حتى نهايو يونيو القادم، وهي المهلة التي أوشك نصفها على الانتهاء.

ثانيًا- تغير أطراف التفاوض: من اليوم الأول كان طرفا المفاوضات في السودان عرضة للكثير من مظاهر التغير. فعلى الجانب العسكري، لم تستمر صيغة اللجنة الأمنية برئاسة الفريق أول “عوض بن عوف” سوى يومين قبل أن يُضطر للاستقالة ونقل سلطته للفريق أول “عبدالفتاح البرهان” بفعل الضغوط التي جاءت من الحركة الاحتجاجية ومن داخل المؤسسة العسكرية ذاتها بعد أن رفض قائد قوات الدعم السريع “محمد حمدان دقلو” المشاركة في المجلس العسكري تحت قيادة “بن عوف”. واستتبع خروج الأخير خروج قائد الأركان “كمال عبدالمعروف” و”صلاح عبدالله قوش” رئيس جهاز الأمن والمخابرات. ومع استمرار المفاوضات اتجهت قوى الحرية والتغيير للمطالبة بإقالة عدد من أعضاء المجلس العسكري الانتقالي من المقربين من الرئيس السابق “عمر البشير” ورموز نظامه، وهو ما أسفر بالفعل في الرابع والعشرين من أبريل عن استقالة كل من الفريق أول “عمر زين العابدين” والفريق أول “جلال الدين الشيخ الطيب” والفريق أول شرطة “الطيب بابكر علي”، وهي الاستقالة ذات التأثير الكبير على مسار المفاوضات، خاصة مع تولي “زين العابدين” بصفته رئيسًا للجنة السياسية مسئولية التفاوض المباشر مع قوى الحرية والتغيير في الجولات الأولى. وقد تلا ذلك استقالة الفريق “مصطفى محمد مصطفى” في الثالث والعشرين من مايو لأسباب صحية.

وقد صاحب كلَّ تغيير في تشكيل المجلس العسكري وفي أعضائه القائمين على التفاوض المباشر مع قوى الحرية والتغيير قدرٌ من التغير في التصورات والرؤى. وهو الأمر الذي انعكس بشدة على تذبذب موقف المجلس الذي غلب عليه التشدد، ثم المرونة الشديدة، ثم العودة للتمسك بخطوط حمراء أعاقت التوصل إلى اتفاق نهائي.

وعلى الجاب الآخر، تفاوض المجلس العسكري الانتقالي مع أطراف مدنية عديدة، كان أهمها الوفد الموحد الممثل لقوى الحرية والتغيير. كما تفاوض مع بعض أعضاء هذه القوى بشكل منفرد، سواء من ممثلي الأحزاب السياسية أو من ممثلي الحركات المسلحة التي فضل بعضها التعامل بشكل مستقل عبر قنوات تفاوض جانبية بعيدة عن المفاوضات الرئيسية المتعثرة. وقد دخلت لجان الوساطة بدورها على خط التفاوض، لا سيما مع تعقد المفاوضات بشأن الوثيقة الدستورية الانتقالية قبل أن تُلاقَى مقترحاتها بالرفض من المجلس العسكري ومن قوى الحرية والتغيير.

كما انفتح المجلس العسكري على قبول مقترحات كافة الأحزاب السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير، والتقى بعضها في العديد من الاجتماعات ذات الطابع التشاوري. وقد كان المجلس حريصًا على تمثيل هذه الأحزاب في مؤسسات الحكم الانتقالي على غير رغبة قوى الحرية والتغيير.

وتفاوض المجلس أيضًا مع أطراف أخرى غير سياسية كالتيارات الدينية التي تتبنى رؤى مناقضة تمامًا لما تطرحه قوى الحرية والتغيير. وهذا التعدد في المفاوضين يستتبعه بالضرورة صعوبة في التوصل إلى اتفاق جامع بين القوى السياسية والمدنية وبعضها بعضًا يسبق الاتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي.

ثالثًا- الاختلافات الجذرية في منطق التفاوض: دخل كل طرفٍ المفاوضات منذ بداياتها الأولى بمنطق خاص يختلف تمامًا عن منطق الطرف الآخر، الأمر الذي يعكس رؤيتين متناقضتين لمضمونها ومخرجاتها، ما أَوْجَدَ صعوبات في التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا التفصيلية. فالمجلس العسكري يرى في المفاوضات سبيلًا لتحديد مجالات الاختصاص بينه وبين المدنيين، بعدما أقر مبكرًا مبدأ تشكيل حكومة مدنية غير سياسية من وزراء تكنوقراط تشكل بتوافق القوى السياسية، سواء من داخل قوى الحرية والتغيير أو من خارجها، على أن تظل السلطة السيادية في يده في ظل التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، والتي قد تعرض إتمام المرحلة الانتقالية للخطر.

أما قوى الحرية والتغيير فتعتبر أن دخولها المفاوضات إنما يأتي لإيجاد صيغة لتسلمها السلطة نهائيًّا من المجلس العسكري، باعتبارها الممثل “الشرعي” للحركة الاحتجاجية السودانية. وهو ما تجسد بوضوح في طرحها للوثيقة الدستورية التي رأت فيها انقسام السلطة إلى ثلاث هيئات: تشريعية، وتنفيذية تحتكر تسمية شاغلي جميع المقاعد فيهما، وسيادية تترأسها وتتمتع بأغلبية في عضويتها مع تمثيل محدود للعسكريين، على أن تستمر ولاية الهيئات الانتقالية الثلاث لأربع سنوات كاملة.

رابعًا- الأخذ بمنطق “المتوسطات الحسابية” في تقاسم السلطة: من ضمن عوائق التوصل لاتفاق نهائي بشأن المرحلة الانتقالية ما يتصوره الطرفان بشأن اتفاقات تقاسم السلطة، حيث إن الظاهر حتى الآن هو الأخذ بمنطق “المتوسطات الحسابية” على النحو الذي جسده التوافق بشأن أن تمتد الفترة الانتقالية لثلاث سنوات، وهو ما يزيد عن رؤية المجلس العسكري الراغب في أن تمتد لعامين على الأكثر، ويقل عن رؤية قوى الحرية والتغيير التي تريد أن تمتد المرحلة الانتقالية لأربعة أعوام.

ولم يأتِ اختيار كل طرف لمدة المرحلة الانتقالية عشوائيًّا، لكنه يعكس تصورهما للإجراءات الواجب الإسراع في اتخاذها خلال هذه المرحلة وتلك التي يمكن تأجيلها لتصبح من مهام الحكومة الدائمة. وعليه، يأتي “تنازل” كل طرف بلا مبرر موضوعي ليقلل من قيمة التوافق الذي تم التوصل إليه.

ومن بين القضايا التي عكست المبدأ ذاته ما يتعلق بإشراك القوى السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير في مؤسسات الحكم الانتقالي. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده المجلس العسكري تعقيبًا على الوثيقة الدستورية التي تسلمها من قوى الحرية والتغيير، أكد الفريق أول “شمس الدين كباشي” أن قضية إشراك الأطراف من خارج قوى الحرية والتغيير في المرحلة الانتقالية تمثل مأخذًا أساسيًّا على الوثيقة. وجاء التوافق بعد ذلك ليمنح القوى السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير الحق في اختيار ثلث أعضاء المجلس التشريعي، وتلك النسبة لا تستند لمبرر موضوعي.

خامسًا- غياب السلطة الملزمة والإخلال المتكرر بالاتفاق: في ظل هذا التناقض الحاد في الرؤى، لم يكن تعذر الوصول لاتفاق بشأن بعض القضايا الأساسية هو مصدر الإخفاق الوحيد، فقد تكررت مظاهر إخلال الأطراف المتفاوضة بما اتُّفق عليه بالفعل من بنود. فعلى سبيل المثال، طالب المجلس العسكري المعتصمين والمحتجين مرارًا بإزالة المتاريس، وفتح الطرق الرئيسية، والسكك الحديدية، واتفق بالفعل في واحدة من جولات التفاوض على هذا الأمر قبل أن تُصر الحركة الاحتجاجية على الاستمرار في الاعتصام، بل والسعي لتوسيع نطاقه، إلى أن وصلت الأوضاع إلى مرحلة بالغة التعقيد. وفي المقابل، تلقت القوات المسلحة الكثير من اللوم من القوى السياسية السودانية بسبب الهجوم الذي تعرض له المعتصمون مساء الثالث عشر من مايو الجاري، وهو ما اعتبروه إخلالًا بتعهدها بحماية الاعتصام، والامتناع عن فضه بالقوة بعد أن شهد صباح اليوم ذاته تفريق قوات الدعم السريع لمسيرات احتجاجية بعيدًا عن موقع الاعتصام.

وقد أدى غياب الالتزام بالاتفاق إلى مزيدٍ من تعقد الأوضاع بعد انتهاج كل جانب مسارًا تصعيديًّا في المواجهة على الأرض كان من تجلياته تعليق المجلس العسكري التفاوض من جانب واحد لمدة اثنتين وسبعين ساعة على إثر تعنت الطرف الآخر بشأن تنفيذ ما اتُّفق عليه من فتح الطرق الرئيسية. وكذلك قرار قوى الحرية والتغيير باللجوء للعصيان المدني لمدة ثلاثة أيام، والذي صدر في الرابع والعشرين من مايو.

هذا الأداء الذي يغلب عليه مسارعة كل طرف إلى الإخلال ببنود الاتفاق بشأن الترتيبات ذات الطبيعة الميدانية والحركية يمكن من خلاله توقع مدى التزام الأطراف بأي ترتيبات سياسية قد يتم التوصل لها مستقبلًا، حيث لا ضامن لتجنب لجوء قوى الحرية والتغيير المتكرر للشارع وتصعيد العمل الاحتجاجي، وفي المقابل لا ضامن لاستخدام القوات المسلحة “العصا الغليظة” إذا ما اقتضت الحاجة.

سابعًا- أزمة الشرعية: تُعد مشكلة الشرعية واحدة من أهم المشكلات التي تعترض مسار العملية الانتقالية في السودان حاضرًا ومستقبلًا. ففي الوقت الراهن، لا يستند أي من طرفي التفاوض إلى شرعية أصيلة. فالمجلس العسكري يستند إلى شرعية الأمر الواقع باعتباره من قام بإقصاء “البشير”، ولم يكن للاحتجاجات السلمية أن تصل لهذا الإنجاز من دون تدخل المؤسسة العسكرية. أما قوى الحرية والتغيير فتستند إلى “شرعية ثورية” راكمتها تدريجيًّا منذ توقيع بيان الحرية والتغيير في أول أيام العام الجاري، وتكللت بالموجة الاحتجاجية التي بدأت في السادس من أبريل لتسفر عن الإطاحة بـ”البشير” بعد ثلاثين عامًا من الحكم. ويمثل هذا الوضع الاستثنائي مصدرًا للتشكيك في أحقية الطرفين في قيادة السودان “آليًّا” في المرحلة الانتقالية.

ومن اللافت أنه بالرغم مما يفرضه هذا الوضع من هشاشة في موقف الطرفين، لم يقترح أي منهما “تحصين” الإجراءات الانتقالية من التشكيك، ومن ثم الانتكاس بطرح إجراءات إدارة المرحلة الانتقالية على الهيئة الناخبة السودانية في استفتاء عام لتتمتع هيئات الحكم الانتقالي بوضع مستقر وثابت، خاصة مع اتفاق الطرفين على مدة لا تزال طويلة للمرحلة الانتقالية تبلغ ثلاث سنوات.

ثامنًا- غياب الشفافية والأداء الإعلامي المعرقل للمفاوضات: لم يتمكن طرفا المفاوضات من إيجاد آلية موحدة وفعالة لتمكين المتابعين لمسار المفاوضات من الحصول على معلومات بشأن التقدم في المسار التفاوضي. فبينما تُجرَى أعمال كافة جلسات المفاوضات في الإطار السري، يتم عقد مؤتمر صحفي مشترك لممثل من المجلس العسكري وآخر من قوى الحرية والتغيير وذلك حينما تحرز جلسة تفاوضية نجاحًا نسبيًّا، لكن هذا الأمر لا يمنع كل طرف من عقد مؤتمرات صحفية منفصلة لمناقشة أمور تتعلق بالمفاوضات على النحو الذي جسدته المؤتمرات الصحفية بشأن الوثيقة الدستورية التي كانت مواطن الخلاف بشأنها أكبر من مواطن الاتفاق.

وبعيدًا عن التغطية الإعلامية للمفاوضات، كان الأداء الإعلامي لأطراف التفاوض من بين العوامل التي ساهمت في تعقيد القضايا الخلافية وتعثر المفاوضات، حيث حرص كل طرف على الترويج لوجهة نظره بصورة مكثفة عبر وسائل الإعلام المحلية والأجنبية؛ وذلك لكسب المزيد من المؤيدين ولفرض الضغط على الطرف الآخر. فعلى سبيل المثال، تكرر ظهور رئيس المجلس العسكري الانتقالي ونائبه في حوارات تلفزيونية وصحفية. فضلًا عن الظهور الدوري للفريق أول “شمس الدين كباشي” (المتحدث باسم المجلس) في مؤتمرات صحفية ولقاءات تلفزيونية عديدة.

ولم يَقِلَّ حرص قوى الحرية والتغيير على الحضور الإعلامي عن المجلس العسكري، وكان للوجوه الإعلامية لتجمع المهنيين على وجه التحديد النصيب الأكبر من الظهور الإعلامي، خاصة في وسائل الإعلام الدولية، وهو الأمر الذي زاد من الفجوة بين الجانبين في ظل كون التجمع أقل مكونات قوى الحرية والتغيير توافقًا مع المجلس العسكري.

المسارات المستقبلية

رغم تعدد الشواهد على وصول المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير إلى طريق مسدود؛ إلا أن هناك فرصة لعدد من المسارات المستقبلية نحو بداية المرحلة الانتقالية في السودان.

المسار الأول: يقوم على استئناف المفاوضات من آخر نقطة تم الاتفاق عليها. بما يعني اعتبار ما اتّفق عليه الجانبان، والذي يرى البعض أنه يتجاوز التسعين بالمائة من القضايا، نقطة انطلاق لمفاوضات جديدة تحسم القضايا العالقة، والمتمحورة بالأساس حول قضية المجلس السيادي، سواء في تشكيله أو رئاسته.

ويؤكد هذه الرؤية بيان تحالف نداء السودان باعتباره المكون الأكثر اعتدالًا وخبرة سياسية داخل قوى الحرية والتغيير، حيث حذر من أي نكوص عما اتفق عليه في جولات المفاوضات السابقة، معتبرًا هذا التوافق مكتسبًا هامًّا لا يجب التفريط فيه.

المسار الثاني: يؤسس على منطق فرض الحلول الأحادية من دون مفاوضات، وقد سبق بالفعل لطرفي المفاوضات المتعثرة أن لوّحا باللجوء لهذا الحل. فخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده المجلس العسكري للرد على الوثيقة الدستورية في الثامن من مايو لوح المتحدث باسمه بإمكانية الدعوة لانتخابات مبكرة خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وهو الأمر الذي لاقى رفضًا كبيرًا من قوى الحرية والتغيير، قبل أن يكرر المجلس الإشارة لهذا الحل في مناسبات تالية.

ولا تُعد الدعوة للانتخابات وحدها هي المظهر الوحيد للحلول الأحادية التي يمكن للمجلس العسكري اللجوء إليها، إذ يمكن له تشكيل حكومة تكنوقراط، أو تشكيل المجلس التشريعي بالتوافق مع بعض القوى السياسية، خاصة في ظل التقارب الذي يتمتع به المجلس مع عددٍ من الأحزاب والقوى السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير، خاصة الأحزاب ذات التوجه المحافظ، والتي يتمتع بعضها بقاعدة شعبية واسعة.

وتظل هذه الحلول مرتهنة بإمكانية حدوث انشقاق داخل قوى الحرية والتغيير، سواء بين الحركات السياسية والحركات المسلحة التي قد تجد في التقرب من المجلس العسكري فرصة تاريخية لن تتكرر للحصول على مكاسب استثنائية دون الحاجة لقتال، أو حتى بين القوى السياسية “الثورية” و”المعتدلة” التي تربطها خلافات فكرية وأيديولوجية حادة لا يمكن تجاوزها في مثل هذه الفترة الوجيزة.

وعلى الجانب الآخر، أشارت مواقف قوى الحرية والتغيير إلى إمكانية لجوئها للحلول الأحادية، خاصة بعد التعثر الأخير للمفاوضات. إذ أعلنت اعتزامها القيام بإضراب في المؤسسات العامة والخاصة يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من مايو بغرض شل الحياة الطبيعية في عموم البلاد، وإجبار المجلس العسكري على التسليم الفوري والكامل للسلطة. وهو ما يتكامل مع الاجتماع الذي أعلن عن انعقاده يوم الاثنين الموافق السابع والعشرين من مايو لتشكيل “مجلس قيادي” لتحالف قوى الحرية والتغيير من أجل أن يكون جاهزًا لتسلم السلطة من المجلس العسكري حال نجاح العصيان المدني، أو ربما لإعلانه كسلطة بديلة للمجلس العسكري من ميدان الاحتجاج ودون حاجة لمفاوضات بحكم “الشرعية الثورية”.

وفي ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية، وتعدد الضغوط من محيط السودان الإقليمي والدولي؛ ينتظر أن تسير التطورات السياسية في السودان وفق إيقاع أكثر سرعة نحو الوصول لترتيبات بشأن المرحلة الانتقالية، سواء كانت نتاج توافق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، أو نتيجة لاستغلال أحد الطرفين الفارق النسبي في القوة لصالحه في فرض أمر واقع جديد يُنهي حالة التعثر السياسي التي تعاني منها الخرطوم منذ سقوط “البشير”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق