بث تجريبي
وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أزمات متصاعدة: الانشقاقات الحزبية داخل العدالة والتنمية التركي

تُلاحق حزب العدالة والتنمية التركي خلال الفترة الماضية العديدُ من الأزمات المهدِّدة لشعبيته وموقعه داخل النظام السياسي التركي. فقد مُني الحزب بخسارة أكبر البلديات التركية (أنقرة، أزمير، إسطنبول) خلال الانتخابات البلدية التي عُقدت في مارس 2019، مما دفعه إلى المطالبة بإعادة فرز الأصوات، ثم الدعوة إلى عقد انتخابات جديدة خاصة ببلدية إسطنبول، وهو ما أسفر عن قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة التصويت بتلك البلدية.

وبجانب هذه الخسارة، يتصاعد حديث حول وجود انشقاقات داخل صفوف الحزب. وتكتسب تلك الانشقاقات أهميتها بالنظر إلى ما تمثله الشخصيات المحرِّكة لهذا الانشقاق من رمزية داخل حزب العدالة والتنمية، بل وداخل الحياة السياسية التركية بشكل عام. ويُعد “عبدالله جول” و”أحمد داود أوغلو” من أبرز الأسماء التي تدور حولها التكهنات بشأن اتجاههما إما لتأسيس حزب واحد مشترك أو حزبين منفصلين. وقد تأكدت تلك التكهنات مع تصعيد كل منهما الانتقاد العلني لسياسات الحكومة التركية، فضلًا عن انتقادهما سياسات العدالة والتنمية الانتخابية.

“عبدالله جول”: من الصداقة إلى العداء

يُعد “عبدالله جول” من مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وهو الرئيس الحادي عشر للجمهورية التركية. وكما تشير تقارير، فقد اتصف “جول” بكونه رفيق درب “أردوغان”، لكن لم تدم تلك الصداقة والتوافق طويلًا. وتعود جذور الخلاف المؤدية إلى بروز الانشقاق إلى مايو 2013، وذلك خلال توجيه “جول” النقد لسياسات القمع الممارسة من قبل حكومة “أردوغان” إزاء المحتجين في احتجاجات “غيزي بارك” المعبرة عن رفض سياسات حكومية استبدادية، وعدم انتهاج الحكومة نهجًا تصالحيًّا. وامتدت معارضة “جول” إلى انتقاد السياسة الخارجية التركية المعادية للغرب، وما اتبعته الحكومة من سياسات بمنطقة الشرق الأوسط.

وقد مثّلت التعديلات الدستورية محطة أخرى للخلاف بين الجانبين، حيث رفض “جول” التحول إلى النظام الرئاسي، وهو ما عبّر عنه في سياق تصريحه لصحيفة “فايننشيال تايمز” عام 2015 بأن “تركيا تحتاج نظامًا برلمانيًّا أفضل لا مؤسسة رئاسية أقوى”. وقد تم دعم هذا التصريح بامتناع “جول” عن المشاركة بتجمع جماهيري لدعم تلك التعديلات، وذلك بمسقط رأسه بمدينة “قيصري”، على الرغم من إلزامية تواجده حسب العرف الحزبي المتبع في سياق تلك الأحداث.

وظلّت تلك الخلافات في إطارها البعيد عن الإعلام، حتى بعد انتهاء مدة ولايته الرئاسية عام 2014، ولكن لم يدم هذا الكتمان طويلًا. ويعود سبب تغير سلوك “جول” في المعارضة إلى ما أصدرته الحكومة التركية في ديسمبر 2017 من مرسوم يقضي بإعفاء المدنيين من المحاسبة القانونية على أي عمل أسهم في إحباط محاولة انقلاب يوليو 2016 على الحكومة الشرعية آنذاك، الأمر الذي أدى إلى إعلان “جول” انتقاده “العلني” للمرسوم؛ نظرًا لما سيفرضه من تبعات مستقبلية ناتجة عن صيغته العامة، وعدم تحديده للفئات المستثناة من العقاب بشكل قانوني. منذ تلك اللحظة، واجه “جول” هجومًا من الصحف الموالية للحزب الحاكم، بل ومن الرئيس “أردوغان” نفسه، حيث اتهمه الأخير بالتقاعس وقت محاولة الانقلاب، على الرغم مما هو منوط بـ”جول” من العمل بجانب “أردوغان”. كما اعتبر “أردوغان” “أن الذين يشعرهم المرسوم بالقلق لا يختلفون في شيء عن رافضي التعديلات الدستورية في استفتاء أبريل”.

ثم برزت الانتخابات الرئاسية الأخيرة كمحطة جديدة للخلاف، خاصة بعد إعلان حزب السعادة المعارض ترشيح “جول” للانتخابات الرئاسية، وهو الأمر الذي قوبل بموافقة مبدئية من جانب “جول” في حال تحقيق المعارضة توافقًا حول اسمه، وهو ما لم يتحقق. ولكن تشير بعض التقارير التابعة للمعارضة إلى وجود سبب آخر وراء عدم تقدم “جول” للترشح، ينصرف إلى زيارة قائد الجيش “خلوصي آكار” بصحبة المتحدث باسم القصر الرئاسي “إبراهيم كالن” إلى منزل “جول” لإثنائه عن منافسة “أردوغان”.

وأخيرًا، مثلت نتيجة الانتخابات البلدية المحطة الثانية -العلنية- للخلاف بين “جول” والسلطة السياسية، حيث تقدم “جول” بالتهنئة إلى المعارضة، واعتبر ما شهدته تركيا من أحداث عقب بدء الإعلان عن النتائج في إسطنبول، والتأخر في إعلان بيان النتائج النهائية، أمورًا مؤثرة على نزاهة الانتخابات. كما أشار إلى أن الانتخابات ونتائجها قد أصبحت محطّ شبهات ومثار احتقان سياسي في البلاد، بما يضر بسمعة تركيا بالداخل والخارج.

“أحمد داود أوغلو”: من السلطة إلى المعارضة

“أحمد داود أوغلو” هو رئيس وزراء تركيا السابق، وهو أيضًا الرئيس السابق لحزب العدالة والتنمية، والذي أعلن عن تنحيه عن منصبه في مايو 2016، وذلك قبل انتهاء فترة ولايته القانونية بستة أشهر، وهو القرار الذي أرجعه المحللون حينها إلى رفض “أوغلو” التعديلات الخاصة بالتحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي. وعلى الرغم مما تشير إليه تقارير بوجود العديد من المحطات الخلافية بين “أوغلو” و”أردوغان”، لكن اتسم سلوك الأول بنفي وجود تلك الخلافات، بل والتأكيد دومًا على دعمه للحزب وعدم رغبته في حدوث انقسام بداخله. كما أكد أيضًا دعمه للرئيس، وهو ما برز خلال إعلان “أوغلو” بشكل صريح دعمه “أردوغان” خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وينصرف جزءٌ من بوادر الخلاف غير العلني إلى ما واجهته الحكومة التركية في يونيو 2015 من أزمة تشكيل “حكومة ائتلافية”، وذلك بعد ما تعرض له الحزب من خسارة للأغلبية المطلقة، بما منعه من تشكيل الحكومة بشكل منفرد. وقد تَمَثّل الخلاف هنا في اختلاف الرؤية فيما بين “أوغلو” و”أردوغان”، فبينما سعى “أوغلو” إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع المعارضة، فقد آثر “أردوغان” إجراء انتخابات مبكرة عن تشكيل حكومة ائتلافية. ومن ناحية أخرى، يرى “أردوغان” عدم جدوى تلك الحكومات بجانب عدم ضمان صمودها لفترات طويلة. كما استهدف “أردوغان” من الانتخابات المبكرة تحقيق الأغلبية المنشودة لضمان تمرير تعديلاته الدستورية، وهو ما قد حدث، حيث تمت الانتخابات المبكرة في نوفمبر من العام نفسه، وتمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة بشكل منفرد.

وعلى خلاف سياسته السابقة، مثلت الانتخابات البلدية الأخيرة نقطة تحول في السلوك السياسي لـ”أحمد داود أوغلو” وانتقاله إلى الانتقاد العلني. ففي بيان منشور على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي، اعتبر “أوغلو” أن قرار “العدالة والتنمية” التحالف مع “الحركة القومية” أضر بالحزب، سواءً على مستوى الأصوات أو على كيان الحزب. كما انتقد “أوغلو” سياسات الحزب الاقتصادية مع تأكيده ضرورة تحقيق الشفافية والمساءلة بخصوص الإنفاقات العامة. أيضًا، دعا “أوغلو” إلى إلغاء القوانين التي تحد من حرية التعبير بجانب منح الصحافة حرية النقد والتفكير. ولاحقًا، اعتبر “أوغلو” قرار اللجنة العليا للانتخابات بشأن إعادة الانتخاب ببلدية إسطنبول بمثابة “القرار المناقض للقوانين الدولية واتفاقياته المقررة”.

حزب واحد أم حزبان؟

تتباين التكهنات المرتبطة باتجاه “جول” و”أوغلو” نحو تأسيس حزب معارض للنظام الحالي ولتأييد النظام البرلماني، فهناك تقارير تشير إلى اتجاههما نحو تأسيس حزب واحد وذلك بالاشتراك مع وزير الاقتصاد الأسبق “علي باباجان”، وعدد من كبار المسئولين ورجال الأعمال، بجانب تأييد بعض قادة الرأي وزعماء منظمات المجتمع المدني والأكاديميين للحزب.

وفي أبريل 2019، فقد أشارت صحيفة “يني شفق” الموالية للنظام، إلى اتجاه كلٍّ من “جول” و”أوغلو” إلى تأسيس “حزبين جديدين” وليس حزبًا واحدًا فقط. كما أشارت إلى أن المشاورات حاليًّا قائمة بشأن تأسيس حزب “أوغلو”، حيث وقّع عدد من النواب السابقين عن العدالة والتنمية ووزراء حكوميين سابقين على بيان الحزب التأسيسي، وعلى رأسهم “عمر دينتشار” الوزير السابق بحكومة “أوغلو”. كما تشير تقارير أخرى إلى احتمال انضمام أعضاء سابقين من “الشعب الجمهوري” و”الحركة القومية” و”الخير”. من ناحية أخرى، سيضم حزب “جول” وزير المالية الأسبق “علي باباجان”، بجانب عدد كبير من الشخصيات السياسية، وكان من المفترض أن يشترك كل من “أوغلو” و”جول” تحت راية حزب واحد، ولكن نتيجة تراجع “أوغلو” عن إشراك “جول” بحزبه، آثر أنصار “جول” تأسيس حزب منفرد له. وإزاء تلك التحركات، اتهم “أردوغان” المنشقين عن العدالة والتنمية والساعين نحو تأسيس حزب جديد بالخيانة وشق الصف واستحالة التعاون معهم مرة أخرى.

وتُعد حالة الانشقاق الحزبي التي يشهدها حزب العدالة والتنمية حاليًّا، ليست الأولى التي تشهدها الساحة السياسية التركية، حيث يعد حزب العدالة والتنمية نفسه منشقًّا عن حزب “الرفاه” المحظور في عام 1998 والممثل حاليًّا بحزب “السعادة”، فعلى خلاف ما أرساه “الرفاه” ثمّ “السعادة” من مبادئ حزبية معبرة عن الإسلام السياسي ومعارضة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعضوية تركيا بحلف شمال الأطلسي، جاء حزب العدالة والتنمية المؤسس في أغسطس 2001 على يد كل من “رجب طيب أردوغان” و”عبدالله جول”، ليمثل الجناح الإسلامي المعتدل في تركيا، ويؤكد عدم معارضته للعلمانية وللمبادئ التي قامت عليها الجمهورية التركية، كما أيد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. وقد عمد مؤسسو الحزب بذلك إلى الالتفاف على ما قد يؤدي بالمستقبل إلى حظر حزبهم.

***

في حال تحقق التأسيس الفعلي للحزب المعارض، يبرز احتمالان حول مسار المعارضة الجديدة؛ إما ستكون معارضة صورية أو شكلًا جديدًا من “العدالة والتنمية” وذلك بناءً على شواهد الانشقاقات السابقة، بهدف تحقيق الحفاظ أو استرجاع ما تم فقده من قاعدة شعبية موالية، قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية المقبلة عام 2023، لا سيما بعد ما تشير إليه نتيجة الانتخابات البلدية من دلالة على تراجع شعبية الحزب نتيجة لتراجع الأداء الاقتصادي وممارسات النظام الأمنية.

الاحتمال الثاني يتمثل في تأسيس الحزب الجديد لمعارضة حقيقية تسهم -بجانب فاعلين آخرين- في تغيير الحياة السياسية التركية وعدم اقتصارها فقط على “العدالة والتنمية”، وتتيح الفرصة أمام رؤية وسياسات جديدة للدولة التركية. وستتوقف فعالية الانشقاق الحالي وما قد يسفر عنه من شكل حزبي جديد على أمرين: أولهما، ما قد يبنيه الحزب من تحالف مع المعارضة يستهدف توحيد الصف أمام “العدالة والتنمية”. وينصرف ثانيهما إلى الكيفية التي سيتعامل بها الحزب الوليد مع القضية الكردية، ومدى قدرته على احتواء الأكراد وضمهم إلى صفه.

وسيظل هناك تساؤل حول ما قد يتخذه “أردوغان” من سياسات حيال هذا الحزب الجديد، بين اتخاذ نهج عدائي إقصائي، أو الجنوح إلى نهج تحالفي بغية الحفاظ على مقاليد سلطته.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق